جسدُ السردنصوص

فصلٌ من رواية «ابتسامة بوذا» لـِ شريف صالح

رواية «ابتسامة بوذا» صدرت حديثا (٢٠٢٣) عن دار خطوط وظلال

صدر حديثاً عن دار خطوط وظلال في الأردن؛ عمل روائي جديد بعنوان « ابتسامة بوذا » للكاتب والروائي المصري شريف صالح، هنا فصلٌ منها عنوانه: كل الطرق كاذبة:

= =

  استيقظتُ على صوت طائر. كان غليظًا معدنيًا. هل جئتُ إلى الفندق بحثًا عن السعادة مع امرأة أحببتها (افتراضيًا) أم جئتُ لارتكاب خطيئة مع زوجة رجل مخدوع؟! لماذا تبدو لحظاتنا الحلوة كأنها مسروقة من حياة مملة؟ هل المهم أفعالنا أم شعورنا بها في داخلنا؟ هل جئتُ إلى هنا كي أُعاقب أم أستمتع؟!

  صداع خفيف تخلصتُ منه بكوب قهوة مغلية. كانت عيني اليسرى تؤلمني فوضعتُ لها قطرة مرطبة. في الأفق (وراء زجاج البلكونة) ضباب أخرّ بزوغ الشمس. لستُ ملزمًا على البقاء، ولا مجنونًا كي أموت من الجوع هنا. لن يكلفني الأمر أكثر من المغادرة. أي اتجاه لن يهم. (كل الكائنات عندما تعلق في فخ تواصل الحركة بأرجلها وأجنحتها، إما أن تنجو أو تهلك).

  ارتديت الشورت الرمادي على تيشرت أحمر. سأعدو بهدوء حتى أعثر على طريق. (قد يخلق لي الله من العدم بدويًا طيبًا يقود سيارته البيك أب) اكتفيتُ بالموبايل وحقيبة جلدية ملأتها بخمس زجاجات مياه ثلجتها أمس. عثرت على سكين بين أدوات المطبخ القليلة فأخذتها. (من يفكر بنزهة في الصحراء يجب أن يكون مسلحًا).  

  كان المدخل الذي ينحدر بين صفي نخيل، مغلقًا ببوابة حديدية لا يمكن تسلقها. ليس هناك طريق كما هو مفترض، بل صحراء تحاصر المبنى القوطي من جميع الجهات ما عدا الناحية الغربية المطلة على البحر.

  بحثت في موبايلي عن برنامج للبوصلة فلم أعثر على شيء. لا بأس. سأتخذ من الفندق نفسه علامة أجعلها خلفي مباشرة. “نحن من نصنع قدرنا وليس قدرنا هو الذي يصنعنا” (شجعتُ نفسي بعبارة رنانة. مع أنني أكبر المتشككين فيها). هيا يا بطل تقدم لرؤية الوجه المجهول للحياة. رحلة سفاري خُضها وحدك. لا خريطة ولا دليل ولا هدف سوى النجاة. (النجاة من ماذا؟)

  على اليسار كومة من مخلفات الفندق.. أطباق مكسورة، دُمى، ملابس بالية، أحواض، أَسرّة، لوحات ممزقة، شجر أرز خاص بأعياد الكريسماس، فوارغ علب عليها لغات مختلفة. كل ما استغنى عنه الفندق والزبائن عبر سنين كان يتحلل في العراء. التقطتُ صورة وعنونتُها: “تل الذكريات منكوشة الشعر”. احتفظت بها كعلامة ثانية.

  أصبحتْ الرمال تحت قدمي ناعمة وبرية كأن أحدًا لم يمر هنا. أخرجت أول زجاجة مياه، شربت نصفها ثم غسلت رأسي ووجهي. الصحراء شديدة الصمت على شاشة التلفزيون، لكن عندما نسير فيها ندرك أنها تكلمنا بكل حواسنا. الرمل لا يمل الحركة. يدور في تموجات ويراقص الريح. قرب تجاويف سمعتُ صفيرًا غامضًا. آثار بشر. (في كل طريق بشر بالآلاف لا نعرفهم مروا قبلنا ثم تلاشوا. كلنا على طريق التلاشي). لا أعرف أسماء تلك الأعشاب الشوكية الملتفة (كأنها مذعورة من الوحدة).

  هل أذهب يسارًا أم يمينًا أم متعرجًا؟ لم أتفاءل باختياري لأنني عثرت على هيكل ضخم لحيوان. كان الرأس مجوفًا بأسنان كبيرة. الأضلاع بعضها مطمور تحت الرمل وبعضها الآخر معلق في الهواء. (بقرة أم جمل؟ أيًا كان، المؤكد أن روحًا كانت تسكنه، تاهت وتألمت هنا ألمها الأخير) شعور بالقرف. التقطتُ صورة الهيكل الحيواني (علامة ثالثة) وأطلقت عليها اسم “أمل معلق في الهواء”.

  في رواية “العجوز والبحر” عاد سانتياجو إلى الشاطئ ببقايا سمكته الأسطورية. هو ليس هيكلًا عظميًا بل علامة على لحظات الشجاعة والبسالة التي عاشها. لا أنسى جملته I’m sorry fish but it’s too late to go back without you   (أي مجد يا عم هنمجواي في العودة بهيكل سمكة؟!)

  سانتياجو كان يعرف سمكته أما أنا فلا أعرف أي حيوان عاش في هذا الهيكل! هناك سانتياجو آخر في رواية “الخيميائي” غادر إسبانيا شرقًا حتى بلغ الأهرامات بحثًا عن الكنز، ثم رجع إلى النقطة التي انطلق منها. الفرق بين الاثنين أن سانتياجو البحري لم يمض بعيدًا في المحيط، وسانتياجو البري توغل في بلاد غريبة.

  كلنا سانتياجو. نوهم أنفسنا بإنجازات غريبة لا معنى لها. ما جدوى أن نحفر أسماءنا على ألواح رخام وجذوع شجر لمجرد أن نقول إننا كنا يومًا هنا؟! (رشفتُ جرعة ماء في صحة وهم الخلود!) الصحراء لا تحتمل الهراء البشري. اللاشيء هنا مقدس. ملكوت الله المفتوح بعيدًا عن استرزاق الكهنة وصيادي السمك والكنوز.

  الهيكل العظمي الذي أصابني بالغضب واليأس.. لماذا لا يكون هو نفسه دليل على أن حياةً ما قريبة من هنا؟ مزرعة ماشية مثلًا. عجيب أن ما يصيبنا باليأس هو نفسه ما يمنحنا بريق أمل!

  تضاعف العرق ينز من كل مسام جسمي. لا شيء سوى صخرة مرتفعة جلست عليها رغم سخونتها طلبًا للراحة والتفكير في خطوتي القادمة (هذا الامتداد الشاسع يجعل أي خطة مجرد عبث). خلعت الكوتشي لتبريد قدمي المتألمتين فاكتشفت ثآليل على عُقل أصابعي.

  أربع ساعات (بتوقيت الموبايل). خلعتُ التيشرت المبلل بالعرق. ثم لوحتُ لأعلى. لعل أحدًا في طائرة عابرة يراني (حركة متناهية الصغر على سطح الصحراء). أليس هذا ما يحدث في الأفلام؟ (تجد نفسك وحيدًا في الكون فيرسل لك الله طائرة أمريكية لإنقاذك. الأمريكان مولعون بدور الأبطال المنقذين للعالم. وعليك دائمًا أن تشكر أمريكا، على علكة تشكلتس، على الأقل)

  إذا حل الليل لن يكون أرحم من النهار. العقارب تَلْبد تحت الصخور اتقاء الحر وستخرج ليلًا بحثًا عن فريسة. عاريًا، تحت سماء الله، سرتُ. كان حلقي جافًا. تبددت قواي ونفدت زجاجات المياه. بدا الوصول إلى طريق هروب مستحيلًا كما بات طريق العودة صعبًا.

  وصلتُ إلى تل يشبه بطن امرأة بجواره كومتان كأنهما ثدياها. هبت عاصفة ثم زخات مطر غسلت جسمي شبه العاري. (هطول أمطار في مايو، منطقي أكثر من اختفاء البشر هكذا من فندق خمس نجوم!) صحراء الرب سَخِرتْ مني بما يكفي والآن جاء دور مكافأتي. ألم أرغب في الاستحمام ورشف ولو قطرة ماء واحدة؟ رحتُ أضم راحتي يدي وألتقط كل ما أستطيع من قطرات. تغيرتْ رائحة الصحراء الجافة مع البلل. انتعشت روحي وقمت بأداء حركات هزلية (الرقص نوع من الشكر الإلهي).

  من أغاثني بالغيث في صحراء مايو أراني معجزة أخرى، نهضت امرأة الرمل وجلست عارية أمامي. حسناء من لحم ودم (نفس المعجزة التي أخرجت مادونا من الصورة). بلل المطر شعرها الطويل جدًا.

ـ “لا تخف. أنا امرأة”

ـ “ولماذا تنامين هنا في الصحراء؟”

ـ “هذا بيتي. كل يوم يمر بي تائهون مثلك”

حفر السيل لنفسه مجرى منحدرًا إلى أن ملأ نبعًا بجوار الصخرة المرتفعة.

ـ “عن ماذا تبحث هنا يا غريب؟ كنز مدفون؟”

ـ “لا.. فقط أحاول الهروب” (أنا لستُ أبله مثل سانتياجو البحري والبري اللذين يريدان كنوزًا وهياكل سمك)

ضحكتْ:

ـ “ولماذا تتعجل الخروج؟! هل تظن هذا سهلًا! اسمي تسيبا.

وأنت؟”

ـ “مار”

ـ “عما تبحث يا مار؟”

لم أعرف ماذا أقول. نهضتْ غير خجلانة من عريها (ولا منزعجة من عريي).

ـ “دعني أخبرك بسر. أهم شيء أن تعثر على مكان

 لرحلتك”.

  ما إن امتلأ النبع (القريب منا) بالماء العذب عن آخره، حتى انشقت الأرض فجأة (بطريقة شيطانية) عن شجرة توت كبيرة.

ـ “شجرة التوت تنمو هنا بسرعة الصاروخ”

ضحكتْ:

ـ “هذا شرح بسيط عن أخلاق الصحراء يا مار.. أخلاق صريحة

جدًا وليست رمادية مثل المدن. بل مثل المعجزات. احكِ

 لي قصتك؟”

ـ “احكِ لي أنتِ أولًا”.

  الحكايات تجعلنا نطمئن لبعضنا البعض. وضع كل منا يديه في حجره لستر العورة. كانت الشمس تنحدر بألوانها البركانية نحو المغيب. قالت تسيبا:

ـ “انا عشتُ قبل أربعة آلاف عام. أحببتُ “بيرام” ابن الجيران،

صاحب أجمل عينين في بابل كلها. كنا نلتقي خلسة كل ليلة.

 لن أكذب عليك. لم يكن حبنا بريئًا تمامًا. الأشجار حولنا

كانت تحسدنا، نجوم السماء تحسدنا.. حتى تجسدت إلهة

 الحقد في امرأة اسمها “بوران” تتبعت خطواتنا، وأفشت سر

عشقنا لكل بنات بابل. جرني أبي من شعري وحبسني.

وبيرام ضربه والده وحبسه. ولأن بيته بجوار بيتنا، كل يوم

كان يحفر من ناحيته، وأنا أحفر من ناحيتي. كل ليلة كنا

نتكلم ونتعذب لأن أحدنا لا يستطيع أن يرى الآخر. في ليلة

مقمرة قال لي: “تسيبا. حبيبتي. اسمعي. سوف نهرب غدًا

ونغافل حراس بابل. قابليني عند شجرة التوت في الغابة”.

نظرتُ إلى شجرة التوت المثمرة وراءنا، بينما واصلت تسيبا حكايتها:

ـ “عندما وصلتُ إلى التوتة كان هناك نبع فاغتسلت

 وانتظرته على صخرة”

  أشارت وقالت: “انظر حولك. الوطن أربعة أشياء: شخص يحبك، وشجرة تأكل منها، وتستظل بها، ونبع تغتسل وتشرب منه، وصخرة تبني فوقها بيتك وتصلي للرب”

ـ “وهل جاء كما وعدك؟”

تنهدتْ وواصلت:

ـ “في الليل سمعتُ زئير أسد فجريتُ خائفة وسقط شالي

عن كتفي. أما الأسد فشرب من النبع بعدما أكل غزالة

ولوث شالي بدمها. وصل بيرام فلم يجدني ورأى شالي

 مخضبًا بالدم فظن أن أهلي خرجوا ورائي وقتلوني.. صرخ

 صرخة شقت أرجاء السماء: “يا ليل أخذت مني حبيبتي!”

بكى تحت التوتة وطعن نفسه. لما تلاشى زئير الأسد عدتُ

 ووجدتُ حبيبي غارقًا في دمائه. سحبت الخنجر وغرسته في

 صدري. أخذتُ حبيبي في حضني إلى الأبد. سقى دمي ودمه

التوتة فتحول ثمرها الأبيض إلى أحمر”.

قلتُ لها:

ـ “قصة حزينة يا تسيبا”

نهضت تغتسل في النبع:

ـ “كل قصص الحب حزينة يا غريب”

ـ “معكِ حق. لكنها.. كما قلتِ.. حدثت في بابل قبل أربعة

 آلاف عام. فما الذي جاء بك إلى صحراء أبوظبي؟”

غطست وجهها مرتين في الماء:

ـ “كما ترى.. أعيش في صحراء الله وأزرع فيها أوطانًا للحب..

 وأنت؟ لمْ تروِ لي قصتك؟”

ـ “قصتي؟!”

  لأول مرة أفكر أن لي قصة تستحق أن تروى. قبل أن أحكي حكايتي مع تاليا، ظهرت عربة “الباجي” يقودها العملاق الباكستاني. كان يحمل في حجره غزالة بيضاء صغيرة، يدعوها سانجا. كانت تشاكسه وتلعق وتتشمم أصابع يده.

ـ “اركب”

ـ “وإن لم أركب”

ـ “سترى مني وجهًا لن يروق لك”

ـ “أوصلني إلى الطريق السريع وسأركب معك”

ـ “مهمتي الوحيدة إعادتك إلى الفندق”

ـ “وأنا لا أريد العودة إلى فندق الأشباح”

ـ “لا تهرب كي لا تندم”.

  ألقيتُ نظرة على النبع حيث اختفت تسيبا مثل حوريات البحر، ثم ركبتُ “الباجي” عائدًا. رجعنا الطريق نفسه معكوسًا: الهيكل العظمي لحيوان “أمل معلق في الهواء”، ثم “تل الذكريات منكوشة الشعر”. لمحتُ سهمًا خشبيًا كتب عليه: “كل الطرق كاذبة”. رغبة جامحة دفعتني لكتابة شيء ما، مستخدمًا المخلفات المتروكة. استأذنتُ العملاق دقيقة للتبول. بعد بحث وتنقيب عثرت على لوح رخام مكسور ودلو دهان أحمر لم يمسه أحد، وبجواره فرشاة. غرستُ اللوح الرخامي في الرمل بطريقة لا بأس بها ثم كتبتُ عليه: “كل الطرق كاذبة. مار مر من هنا”.

الروائي المصري شريف صالح

(facebook.com)

ابتسامة بوذا

خاص قناص – فصل من رواية

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى