القاهرة ينبوع أحلامٍ متدفّق
تنشر قنّاص في هذا الملف المتسلسل سيرة مكان يسرد فيها كُتّابنا الأعزاء رحلتهم، مُقتفين أثَرَ الانعطافات في الروح والزمن؛ إنها الرحلة أين.. هناك حيث سنلتقي.
الرحلة أين مع القاص والروائي العراقي زهير كريم؛ يذهب بنا إلى شوارع القاهرة ومقاهيها وحكاياتها، يُعرّج إلى أفريقيا العجائبية، وينتهي إلى طُليْطلة الاسبانية، حيث المدن من خيال.
***
أعتقدُ أنَّ المُدُنَ هي صورةٌ لمكانٍ تلتقطها الرَّغبةُ أو الحُلم، نُسافِرُ لأنَّنا نبحثُ عن أحلامِنا. آخرُ رحلةٍ كانت إلى القاهرة، المدينةِ التي تشكَّلَتْ في داخلي من نسيجِ حُلُمي، أو من خيالٍ، رغم ذلكَ فهي مدينةٌ مرئيةٌ، رأيتُها من خلالِ السِّينما، وحين زُرتُها وجدْتُها يَنبوعًا متدفِّقًا لأحلامٍ لم تكنْ قد تشكَّلَتْ في داخلي، وأنَّ قاهرةً لا مَرئيَّةً تولَدُ في كلِّ زيارةٍ لها: رائحةُ التاريخ، الحكاياتُ التي في كلِّ بنايةٍ، المقاهي، وجوهُ النَّاس، الأغاني، والمطاعم.
هذه المرَّة كانت الرابعة، لكنِّي في كلِّ مرةٍ أحصلُ على المزيدِ من المدنِ المخفيَّةِ تحتَ طبقاتِ القاهرة. مقهى “البستان” في وسطِ البلد، مثلًا، ليس مقهًى شعبيًّا وحسب؛ الكراسي، والشَّاي، والقهوة، هذه هي الصورةُ التي على السَّطح، لكنَّ مقاهيَ أُخرى تعيشُ في طبقاتٍ تحت هذه الصورة، والتي تظهرُ للبعيدِ أو المرتادِ لأوَّل مرَّةٍ كما لو أنَّها بطاقةٌ سياحيَّة.
أمَّا الرحلةُ الأهمُّ في حياتي، فلا أقولُ إنَّها الأجمل، ربَّما لأنَّ ظروفَها كانت قسريَّةً، فقد كانت رحلتي إلى إفريقيا. حدث ذلك قبلَ أكثرَ من خمسٍ وعشرينَ سنةً: سفرٌ في الغرائبيِّ، في تنوُّعِ الجغرافيا، وتنوُّعِ الثقافات، الصَّحراءِ، والغاباتِ، والأعراقِ المتنوِّعة. استمرَّتْ عامَيْنِ كانت تضغطُ تفاصيلُها لكي أكتبَها، ربَّما لأنَّها غيَّرَتْ تصوُّراتي عن نفسي وعن العالم. ثمَّ قرَّرتُ قبلَ سنواتٍ أنْ أكتبَ جزءًا منها، فصدرَ لي كتابٌ عنوانُه “أغاني الرَّملِ والمَانجو”، وهي رحلتي بين موريتانيا، وتُمبكتو، وباماكو. كانت إفريقيا عَجائبيَّةً في طبيعتِها، وناسِها، وسمائِها، ولُغاتِها، وتاريخِها.
هناك مدنٌ في خيالي، غيرُ موجودةٍ ربَّما، أرسُمُ أحيانًا تضاريسَها، وأتخيَّلُ نفسي أتمشَّى في شوارعِها، مدنٌ منسوجةٌ من الرَّغبة. لكنَّ رحلةً واحدةً لم أستطِعْ أنْ أوثِّقَها كحدثٍ واقعيٍّ، ربَّما لأنِّي أردتُها أنْ تستقرَّ في منطقةِ الحُلم، لا أريدُ أنْ أخدشَ رهافتَها وحُلُمِيَّتَها.
دُعيتُ عامَ 2019 إلى مهرجان البحرِ المتوسِّطِ للشِّعر “أصواتٌ حرَّة”، وكانت نسخةُ المهرجانِ في مدينةِ توليدو الإسبانيَّة (طليطلة). قضيتُ خمسةَ أيَّامٍ في المدينةِ القديمة، في فندقِ “ألفونس الخامس” قربَ “الكازار”، في غرفةٍ صغيرةٍ فيها شُرفةٌ مُطلَّةٌ على شارعٍ ضيِّقٍ هادئٍ تُضيئُه مصابيحُ ناعسة.
أمامي شُرفةٌ تُطلُّ من الداخلِ على صالونِ شقَّةٍ لرسَّامٍ على الأرجح، لوحاتٌ في كلِّ مكان. بعد منتصفِ الليل، أجلسُ في الشُّرفةِ وأسمعُ موسيقى غَجريَّةً تنبعثُ من بارٍ صغيرٍ في آخرِ الشارع، وأسمعُ قبل أنْ أنامَ وَقْعَ خُطُواتِ شخصٍ يُغنِّي بالإسبانيَّة، لم أفهمِ الكلمات، لكنِّي مُتأكِّدٌ أنَّ الأغنيةَ حزينةٌ.
هل هذا حُلمٌ أم حقيقة؟ أسألُ نفسي، وكلَّما حاولتُ أنْ أستدعيَ الذكرى، أطردُ الحدثَ من منطقةِ الواقع، على الرغمِ من وجودِ الصور، وأعتمِدُ النسخةَ الحُلُميَّةَ منها.



الصديق العزيز زهير شاعر الحكاية.. يكتب بمنتهى الجمال والسلاسة.