فضاءاتملفات

سماء عيسى خارج التصنيف | د. فهد حسين

د. فهد حسين يُبحر بنا في كتاب (شرفة على أرواح أمهاتنا) لِـ سماء عيسى


د. فهد حسين يُبحر بنا في كتاب (شرفة على أرواح أمهاتنا) للشاعر سماء عيسى

في أحد الإصدارات التي أصدرها المبدع العماني الشاعر سماء عيسى، جاء تحت عنوان (شرفة على أرواح أمهاتنا) عن دار مسعى للنشر والتوزيع في طبعته الأولى مع بداية العام الميلادي 2014، إذ أراه من الكتب الإبداعية المهمة في مشوار الشاعر، فحين قرأته خالجني إحساس غريب ليس حول ما كتبه سماء عيسى، بل في تلك الإمكانات المتعددة التي يتصف بها الكاتب، حيث النصوص – تجاوزًا أسميها نصوصًا لما لها من صفة عصية على التصنيف – في هذا الكتاب الذي يوحي لكل قارئ منذ الوهلة الأولى أنه كتاب أسود، لكن ما أن تقرأ هذه النصوص تخاتلك ملامح وإمكانات وقدرات تفرض نفسيها عليك أيها القارئ لتغيير رأيك وتصنيفك، وما أكثر ما كنا ولانزال نقرأ بعض الكتابات تحت مسمى نصوصًا لكن تكتشف أن كاتبها لا يعي تمامًآ ما يمكن تصنيف هذا المكتوب، إذ ربما أكثرها تدخل ضمن دائرة الخواطر، غير أن نصوص هذا الكتاب وما تتميز به من قدرات فنية ولغوية وتركيبية، تجعلك محتارًا في تحديد هويتها الجنسانية إن كان شعرًا أم سردًا أم هو خليط بين الاثنين، وهذا ما يدل على تلك الإمكانات التي يتميز بها الكاتب والسينمائي المبدع سماء عيسى.

سماء عيسى خارج التصنيف

شرفة على أرواح أمهاتنا؛ دار مسعى للنشر والتوزيع، 2014

ضم الكتاب بين دفتيه أحد عشر نصًا، بين نص قصير ونص أكثر منه وأكبر، إذ اهتم فيما بالأبعاد الإنسانية التي ينبغي أن يتحلى بها كل أنسان على وجه الأرض، وبالأخص الكاتب الذي يحمل همًا إنسانيًا، وشغفًا لزرع الحب، وطموحًا لأحلام البشرية، لذلك سيجد القارئ علاقات الحب والعشق التنويرية التي اهتم بها الكاتب في تطويع ما كتبه ليكون ليس الفكر والوجدان حاضرين في النصوص فحسب، بل في طبيعة هذا الحضور وهذا التكوين الإنساني الذي يكشف عن تطلع معرفي ورؤية فلسفية ونتاج أدبي بامتياز، وهذا ما أشار إليه في العلاقة بين الإنسان والدين، والإنسان وبين تلك التركة أو الثروة التي كونها الإنسان طوال حياته لتكون ذكريات يسترجعها كيفما أراد.

لم تكن معاني النصوص أو دلالاتها تلك التي تثير الأسئلة والدهشة الجمالية، بل عناوينها التي تسحرك وتأخدك إلى فضاءات متعددة وعوالم مختلفة، ليشغل فكر القارئ بحمولات هذه النصوص، وفرض التأويل الخارج من سيميائية المفردات، ورؤية الكاتب المتوقعة، إذ حتى لو حاولت الهروب من سلطة الكاتب، والتقوقع في دائرة موت المؤلف، فإنك لن تستطيع، وبخاصة إذا كنت تعرف الكاتب، وقدراته اللغوية والفنية والجمالية والتخييلية التي يبني بها النصوص لتكون مستعصية على القارئ في تصنيفه إن كانت شعرًا أم سردًا، أم هو حالة فنية أخرى حاول البعض أن يطلق عليها نصًا وإن كانت هذه المحاولات تقترب من الشعر أكثر، أما ما نسجه الشاعر سماء عيسى في هذا الكتاب، فيمكنك تصنيفه سردًا أو شعرًا لكنك في هذه الحال تظلم النصوص والكاتب معًا.

وأقول هذا بعد ما استمعت إلى تلك الورقة التي قدمها في جمعية المنبر التقدمي بالبحرين قبل عدة أشهر، حيث كانت الثقافة والفكر والاطلاع والطرح علامات سيميولوجية فرضت علبينا نحن المتلقين في تلك الندوة ليصيبنا بالحيرة ونحن نستمع إليه، متسائلين، ماذا يقول هذا الشاعر القادم من تضاريس عُمان الشامخة، المتسربل بثوب الحضارات والثقافات العالمية عامة والشعرية بخاصة، إذ استطاعت الورقة أن تجعل الحضور في انبهار وفرح ودهشة وتساؤل، هكذا هو الشاعر المثقف، الإنسان الذي يحمل على كتفيه هموم الإنسانية بإيمان راسخ، وتطلع دفين، فلايقدم إلا الذي يستحق سماعه المثقف.

ومن هنا بدأت لا أستغرب من تلك الكتابات التي تحدث إشكالاً جماليًا وتأويليًا، فهذا هو ديدن الكاتب الإشكالي عامة، وإن لم تكن شخصية الشاعر سماء عيسى كاشفة لهذا الصفة، غير أن كتاباته عامة تفرض على القارئ أهمية السؤال ليس لحصول الإجابات، وإنما لانفتاح أكبر وأوسع لإدراكنا نحو العالم والإنسلن، وهذا ما كان واضحًا في لغة هذه النصوص وبيئتها النصية ودلالاتها التي كانت تفرض على القارئ المزيد من طرح الأسئلة والكشف عن المخبوء وراء هذه النصوص المحمولة منذ البداية بحمولات الحب والعاطفة تجاه من أحبهن بصدق وتقدير وإعجاب، وهن اللواتي ذكرهن في الإهداء، قائلاً: إلى أمهاتي: ثريا وجوخة وأسماء، وكأن هذا الترتيب المقلوب أبجديًا هو مرتب في ذاكرته، ومدى تلاحم العلاقة بينه وبين روح هذه الأسماء التي برزت بصفة أم أو جدة، هؤلاء النسوة أرسين له التطلع إلى العشق والحب والعلاقة الجمالية والإنسانية بالمكان والزمان والكائنات وبالموت أيضًا.

وما يؤكد هذا حين طرح العلاقة بين الحب والعشق والموت قائلاً: «كلما عشقنا اقترب الموت منا»، ولكن أي موت يقصده الكاتب ويرمي إليه النص؟ أهو الموت الحقيقي الذي يفرق بين المحبين والعشاق والأهل والخلان؟ أهو الموت المعنوي الذي يخلخل بعض أفكار العاشق والمعشوق أو العاشقة والمعشوقة نتيجة العلاقة وتكونها؟ وبخاصة أن التراث الأدبي العربي كشف لنا بعضًا من هذه الحالات كجميل بثينة وقيس بن الملوح، أو ذاك الهيام الذي حضر في شعر شعراء الغزل العذري كعباس بن الأحنف، أو في نرجسية الشاعر المعشوق كما في أشعار عمر بن أبي ربيعة. هذا الموت الذي تناول العلاقة الوجدانية وتأجج العاطفة، وحين نرحل بدلالات مفردات اللغة فهل الموت هو ذلك الذي لا نستطيع اصطياده أو منعه أو ملامسته؟ أو هو ذلك الشيء المخيف؟ أو هو أبعد من ذلك الذي بدأ يغزونا وينخر وجداننا ويمفصل أفكارنا وتحولاتنا، مما يجعلنا غير ما نريد ونطمح ونحلم؟ وهوما يحاول أن يرسم هذا الخط حتى يحرفه نحو تلك الإشكالية التي تداخلها جمالية الطرح في وقوع العشق والموت بدائرة واحدة، ففي الوقت الذي لا تخطط ولا تعي متى يحين الموت فإن العشق أيضًا يأتي مصادفة ودون تخطيط، لذلك فالحب الإنساني والعاطفي بين الوالدين والأبناء، أو الحب العذري بين المحبين والعشاق ينبري دون سابق إنذار أو تهيئة لأرضيته، ولأن الموت حالة صادقة وحقيقية لا مفر منها كما قال الشاعر البحريني إبراهيم بو هندي (الموت لغة أخرى لفعلٍ لا يموت)، فإن العشق حين يكون صادقًا وحقيقيًا فيدخلك في حالات من التأمل داخل النفس البشرية بغض النظر إلى النتائج إن كانت إيجابية أم سلبية.

وكما طرح الكاتب العشق والموت طرح العلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان الذي تربى فيه وترعرع على ترابه، وبخاصة إذا اتصف هذا المكان بالجمال والطبيعة الخلابة كما هي الخريطة الجغرافية الطبيعية لسلطنة عُمان وتضاريسها المتمثلة في جبالها ووديانها وسهولها ومساحاتها، وأفلاجها، وطبيعة الإنسان الذي يكن حبًا قويًا للمكان الذي يقطنه، بل العلاقة تصل إلى مكونات وكائنات هذا المكان من نبات وحيوان وجماد، وأتصور هذا ملمح مهم في المنجز الأدبي العُماني، إذ هناك من أهتم برسم هذه العلاقة والتأكيد عليها كما في بعض أعمال عبدالعزيز الفارسي، ومحمود الرحبي، وبشرى خلفان، وجوخة الحارثي، وزوينة الكلباني، ومحمود الشكيلي، وسليمان المعمري ومازن حبيب وغيرهم، هكذا يقول كاتب النصوص: «إنها الألفة، إنه العشق»، أي أن ما يطرحه من العلاقة بالعشق لم تقف عند الإنسان والإنسان الآخر فحسب، وإنما اتجه به إلى العشق الذي يتكون بين الإنسان والحيوان، وكثيرًا من الحكايات الشعبية في تراثنا العربي تشير إلى أن الحيوانات الأليفة لها رابط قوي بالمكان الذي تعيش فيه، ولا شك أن لدينا من الحكايات والقصص التي تؤكد هذا الارتباط في منطقتنا الخليجية.

لم يقتصر الكاتب على هذه العلاقة وهذا العشق، وإنما لفت انتباه القارئ إلى أن ارتباط الإنسان بالدين ليس لأنه متدينًا، أو بهدف التباهي والتظاهر كما في أيامنا هذه، وإنما تشير إلى أن هناك علاقة حميمة بُنيت على تفكير بمصير هذا الإنسان في الحياة والوجود، ولابد من علاقة تربطهما، علاقة صادقة خالصة لا تشوبها شائبة المصلحة والانتهازية كما في حياتنا الاجتماعية، وهذا ما نجده عند أمهاتنا اللائي تربين على حب الدين والانغماس فيه رغبة في مرضاة الله، وليس إرضاء لبني البشر، تربين على العفوية تجاه حبهن للدين وتعاليمه، وكذلك أباؤنا، وهو عكس ما نجده اليوم عند الكثير من الناس وبالأخص الشباب الذين يسعون إلى التمسك بالتعاليم الدينية ولكن بخواء وتطلع إلى إرضاء المخلوق دون الخالق، وقد نخرج من هذا السياق إلى سياق آخر حيث الدين هو ما يؤمن به المرء ويعتنق من أفكار وأيديولوجيا تُسيّر نهج حياته، وكيف لها أن تكون حافزًا مؤثرًا في بناء شخصيته وتطلعه وتحقيق أحلامه وما يؤمن به.

أما العلاقة العشقية الأخرى التي رسمها الكاتب فتكمن في بعض الحاجيات المنزلية التي تعتبر من الموجودات المهمة في البيت والمحافظة عليها من قبل النساء، بل كانت منازل المنطقة عامة تستعمل بعض منتوجات النخلة كالسعف مثلاً، أو طين الأرض الذي تصنع منه الجرار، أو خشب الأشجار لصنع الصناديق المبيتة وغيرها فتكون مخزنًا لحاجياتهن وأسرارهن والوصايا، وسجلات وأوراق خاصة بالأسرة والمنزل، وهذه ليست في المنطقة فحسب، بل في العديد من الأقطار التي كشفت عنها بعض الأعمال السينمائية والدرامية، فضلاً عن الأعمال الأدبية.

ومن يقرأ الكتاب لا يؤكد أن سماء عيسى شاعرًا فقط، وإنما هو شاعر موهوب ومبدع حصيف تمكن من توظيف إمكانياته اللغوية بقدرة عالية في نسج الجمل والعبارات، إذ كتب هذه النصوص بلغة التمازج بين لغة السرد ولغة الشعر، سواء في بناء الجمل، أم في المحمولات الدلالية، أم في تلك المرموزات والإيحاءات المختلفة، وعليه فإن كانت اللغة خارجة من الشعر، أو من السرد، أو كانت الأفكار والمعاني التي طرحت تشكل مفارقة في الكتابة لدى الشاعر نفسه، فهذا ليس بغريب؛ لأنه كاتب مثقف من الطراز الأول، وله ريادة في كتابة النص النثري في المنطقة، فضلاً عن تكوينه الثقافي والمعرفي الذي كان ولايزال يؤهله ليكون رقمًا مهمًا في المشهد الثقافي ليس العُماني فحسب، بل في منطقة الخليج العربي.

***

سماء عيسى خارج التصنيف؛ بقلم د. فهد حسين

سماء عيسى برفقة د. فهد حسين: ناقد وأكاديمي بحريني، عضو أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، وعضو لمجلس إداراتها لأكثر من دورة انتخابية.

خاص قنّاص – ملفات

اقرأ أيضا في هذا الملف:

سماء عيسى قيثارة الشعر.. ملف خاص وقراءة شعرية مصورة

عوالم الانغلاق والانفتاح في سرديات سماء عيسى | د. عزيزة الطائي

لا يعيش خيال الشاعر ويتوهج بعيدا عن الفكر | حاوره: عماد الدين موسى

البحث عن طفولة العالم في ديوان «استيقظي أيتها الحديقة» | حامد بن عقيل

الحزن وإيقاع الشِّعر عند سماء عيسى | د. يوسف المعمري

البعد الجمالي في شعر سماء عيسى | هاشم الشامسي

قصائد جديدة لِـ سماء عيسى خصّ بها مجلة قناص

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى