الفنّان التشكيلي العُماني محمد نظام قُبيلَ الرحيل: إني أتجددُ كل يوم .. حوار حصري لـ قنّاص | محمود علي

الصورة: غلاف كتاب «غريب لا تعرفه، ولن تلتقيه يوماً: عن الفنان التشكيلي محمد نظام»، الصادر عن مبادرة القراءة نور وبصيرة

جميل أن تجد شجرة مضيئة في هذا المكان!

كيف صارت “الألوان هاربة من قواريرها”، وكيف أصبح لسان القط حصانا جافلا، والظلال أذرعا ممتدة نحو الجهات، ماذا عن العيون المتأهبة للحظة القادمة، والأفعى الملتوية في خاصرة الزمن، الفحم “ملطخا” على وجه الغيب، الفراعنة بخيالاتهم التي غزت العالَم الآخر، عُلب الكوكولا المتأنقة في الأضواء تداعب الفراشات، قناني النبيذ القادمة من جبال بوذا فوانيس الليالي، بوذا الهارب إلى الغابة معانقا “الأشجار راكلا” شمس الماضي، القطط المتسللة خلسة من خلف الجدار لتكون أمهات مدللات على مراجيح، الأسماك بعظامها تدغدغ بطن الحشرات، العصافير التي اجتمعت في شرفة تطل على ضربات الفرشاة، العبير الذي هبَّ على قلبك الجريح ذات ليلة، البيت المصمم على شكل بقرة، كل هذه الحياة في روح راهب بضحكة وجهك الخضراء…

رحل الصديق الفنان التشكيلي محمد نظام عن عالمنا في السابع و العشرين من شهر مايو الماضي، فكيف سيكون رحيل هذه الذات المبدعة؟ منذ ذلك الوقت وأنا أحاول أن أجد مدخلا مختلفا للحديث عنه، فمحمد ليس فنانا تشكيليا فحسب، بل حالة فنية خاصة وسلوك يومي فني، في كل خطوة يخطوها تجد الفن حاضرا، تكريس يومي من أجل الفن بتشعباته وعلائقه، فكيف لا تكون الصدمة كبيرة؟

على المستوى المحلي، يكاد أن لا تجد توافقا على فنان مثلما حصل على الفنان محمد نظام، وكل من اقترب منه ومن تجربته سيجد ذلك الأفق الذي نبصره في دواخلنا ونحلم بالوصول إليه. حكايا من الفن المتواصل ومواقف إنسانية وسخرية ممزوجة بالعبث، صباحات ومساءات فنية متتالية، فما أن يقع شيء بين يديه إلا ويتعامل معه ببعد فني، أو نظرة منه إلى شيئ إلا وتجد عين الفنان حاضرة. من القصص التي أتذكرها، أننا كنا في مقهى يقدم العصائر، ووقعت بين يديه أعواد بلاستيكية تستخدم لخلط العصير، فقام بتحويلها دون إنتباه مني وبشكل سريع إلى مجسم عازف جيتار، وكل ذلك حدث بواسطة القدّاحة. القصة الأخرى أننا كنا في طريق العودة الى البيت بعد قضاء نهار في الخارج، وطلب مني أن أنظر إلى شجرة في البعيد، في فناء أحد المنازل، ثم سألني: ماذا ترى في تلك الشجرة؟ للوهلة الأولى لم أتمكن من معرفة مغزى سؤاله، لكنه سرعان ما قال: انظر إلى ذلك الغصن المضيئ المتكئ على الجدار، وعندما عاودت النظر وجدت ذلك الغصن مضيئا فعلا! علّق بعد ذلك: جميل أن تجد شجرة مضيئة في هذا المكان!

هذا هو الفنان المبدع، عين ويد وروح، جرح داخلي متفاعل مع كل الأضداد التي تقدمها لنا الحياة…

محمد نظام: المعرض أو الجاليري في أي مدينة هو شيئ صحي ويجب أن يكون، فإذا كان هناك إهتمام بالفنون والثقافة فطبيعي أن تجد معارض ولوحات تعرض، لكن المؤسسات الضعيفة والتي لا تمتلك “أفقا حقيقيا” لخلق حياة مع الفن والفنون، لن تفعل ذلك.

إذن رحل محمد، رحل بهدوء وبلا ضجيج، سرق نفسه وابتعد، رحيل يليق به، فكيف لا وهو الذي عاش عزلة الإبداع بعيدا عن الأضواء، العزلة الحاضرة بفنها وجمالها ومشاغباتها…

هنا؛ وبعد هذه المقدمة القصيرة عن فنان بحجم محمد نظام، أجد أن أجْمَل مدخل يمكنني أن أقدمه به، هو الحوار الذي أجريته معه قبل شهر من رحيله، والغريب في الأمر أن هذا الحوار كان بطلب منه، لا أعلم إلى هذه اللحظة لماذا كان هذا الطلب، ولكن يمكنني أن أستشف ذلك من خلال طلبه أن أعمل الحوار وأنشره حصرياً في “مجلة قناص” التي يرأس تحريرها الشاعر زاهر السالمي، فهل كان “وعدا قديما” قِدم صداقته بزاهر، لإجراء حوار وأراد أن يفي بوعده! فشخصية محمد نظام بأبعادها الإنسانية والفنية مغرية ومحرضة للحوار، خاصّة إذا فتحَ لك باب عوالمه؛

 أم هدية لمجلة قناص، أم لغاية في نفسه، لست أدري…

لم أكن “جاهزا” حينها، فكيف أحاوره بدون أسئلة! قال لي: “أنت تعرف الكثير عني وابدأ بالسؤال الأول ثم ستأتي البقية تباعا”. طلبت منه تأجيل الحوار إلى وقت آخر لكنه أصرَّ على إقامتة في تلك اللحظة! أخذت ورقة وقلماً وقمت بوضع مجموعة من رؤوس الأقلام، وسجلت الحوار “سمعياً” في هاتفي:

*صديقي محمد؛ كيف كانت البداية؟

البداية كانت مع عودتي إلى عُمان بعد فترة إقامتي في دبي مع العائلة مُكْملاً المرحلة الثانوية، ومن ثم أرسلت في بعثة دراسية لأدرس فن النحت في جمهورية مصر العربية. عند وصولي إلى القاهرة في ذلك الوقت في نهاية السبعينيات، وجدت مدينة لا تنام، مدينة صاخبة. واجهت صعوبة في البداية في كل شيء، حتى على مستوى اللهجة المصرية، نعم صحيح أن لغة الأفلام والأغاني المصرية باللهجة المصرية، لكنها واضحة، لغة الشارع كانت بالنسبة لي لهجة غير واضحة وغير مفهومة، وهذا الأمر طبيعي جدا، لأن في قواميس الشعوب، تظهر مفردات جديدة ولأسباب عديدة، منها التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية … إلخ. دخلت الجامعة، وكانت السنة الأولى، السنة التمهيدية، يجب فيها على الطالب أن يمر على أغلب الفنون، الرسم والنحت والتصوير، ثم بعد ذلك يذهب إلى التخصص. الغريب في الأمر أن الطالب الذي يحصل على أقل علامة في السنة التمهيدية يذهب إلى تخصص النحت، رغم أن النحت من أصعب الفنون ويحتاج إلى مهارة أكبر! أجواء الجامعة كانت مربكة نوعا ما بالنسبة لي، لأن أغلب الطلبة يحلم بالتخرج ثم الوظيفة. لا أنكر أن هناك طلبة مبدعون ولكنهم قلة، وقليل من يفكر بطريقة إبداعية تناسب روح الفن. ذهبت إلى فن النحت، كان هذا تحديا بيني وبين نفسي، رغم تمكني من فن الرسم، لكن النحت هو التحدي الكبير. بدأت في دراسة النحت والاشتغال على الطين (الطوب) والخشب كمرحلة بداية، لكن مشوار الدراسة لم يكتمل، لأني وجدت حياة أخرى خارج أسوار الجامعة، كانت أكثر أهمية وتغذية لروحي، فتصعلكت في شوارع القاهرة وكنت أتردد على المتاحف والأماكن الأثرية والأهرامات والغرز والأماكن التي يرتادها المشردون. عشت حياة أضافت إلى إهتماماتي الفنية الكثير وغذت مجال الإبداع لدي.

*هل قمت بالنحت بعد ذلك؟

نعم؛ نحت بعض القطع القليلة ولكني لم أستمر، لأن النحت يحتاج إلى مكان واسع لأشتغل فيه والكثير من الأدوات لم تكن متوفرة لدي في ذلك الوقت، فواصلت الرسم. بعد ذلك عدت إلى عُمان وتوظفت في وزارة التربية والتعليم لمدة سنتين، ثم أنتقلت إلى إلى وزارة البريد والبرق  الهاتف في سنة 1983 أو 1984 لأقوم برسم الطوابع البريدية.

*من يعرف محمد نظام سيجده مغرما بالأساطير وقراءة تاؤيخ الأديان وتاريخ الشعوب، هل هذا يسعف عملك الفني للذهاب إلى فكرة أعمق في أعمالك؟ أم أنه جانب تثقيفي في حياتك الشخصية؟ 

هذا مرتبط بحياتي في القاهرة، كانت الحياة المحيطة بي تتحدث عن الفراعنة ومصر القديمة والمصريين القدماء والأهرامات، هذه الحضارة التي عمرها أربعة آلاف سنة وأكثر، ترى المعبد يقابله الفن، دين وفن، فكل كتابة تحت أي قطعة فنية، تحيلك إلى أبعاد وطقوس دينية كانت تمارس في ذلك الوقت، وكيف نظر هؤلاء إلى الوجود وإلى ما بعد الحياة. هنا تأخذك الأشياء إلى الإرتباط القائم بين الدين والفن، ترى قطع فنية قادمة من المعبد فائقة الروعة، فتتداخل الأشياء بوعي أو لا وعي لدى الفنان، كل شيء يجر شيئا آخر. الإرتباط بين الفن والدين موجود في كل الحضارات الأخرى، بلاد ما بين النهرين والصينيين و الهنود وحضارة الإنكا والأفارقة، فلكل فن قصة .

الإنسان هو الإنسان رغم تغير الواقع، الرموز التي تعلمتها من الفنون القديمة والإيحاءات تزيد من ثقافتي كفنان وبشكل لا واعي تدخل في أعمالي ممتزجة لتخرج اللوحة أو العمل الفني بالشكل الذي أردته. مثلا أنا أريد “عين حورس” أو يد “بوذا “، لأني لا أريد أن أنقل كل شيء بحذافيره، لا أريد التصوير. في سفري إلى شرق آسيا مثلا والذهاب إلى المعابد، قضيتُ أغلب وقتي في تأمل الطقوس الدينية والرموز التي على المعابد وأقارن بينها و بين الرموز القديمة والتحولات التي حصلت، وأستعين بالمخزون الثقافي الذي أملكه .

*كذلك لك اهتمام خاص بالأديان غير التوحيدية، كالبوذية أو الهندوسية مثلا، حتى أنك سافرت إلى شرق آسيا كثيرا، لماذا هذه الأديان بالتحديد؟

عندما تبدأ بالفراعنة أو بلاد ما بين النهرين والهندوسية والبوذية والزرادشتية، ثم تأتي بعد ذلك إلى الأديان التوحيدية؛ هنا أستطيع أن أقول أن أديان التعدد هي أساس لفهم تطور فكرة التوحيد، فالأديان جميعها مكملة لبعضها بطريقة أو أخرى. كفنان، الأديان غير التوحيدية برموزها وطقوسها تُمَثل أفقا لفهم التحولات التي أتت بعد ذلك. 

*الكثير من الفنانين يأتي فن الكولاج في مرحلة البدايات لديهم، لماذا بعد هذا المشوار الطويل في الرسم التشكيلي ورسم الطوابع البريدية لجأت إلى الكولاج؟

الكولاج فن قديم وليس فنا حديثا، فحين تتأمل اللباس عند البشر ستجد أن الثوب عبارة عن قطع غير متشابهة وبألوان متعددة، وبها حتى كتابات مختلفة وصور مختلفة. ليس بالضرورة أن يكون فن الكولاج في بداية المشوار، رغم أن الطفل يبدأ بقص بعض الأشكال ولصقها ببعض وتلوينها ليخرج بلوحة تتناسب مع تفكيره. فكل فترة من حياة الفنان يجب أن تكون مختلفة عن السابق والظروف الحياتية والواقع ورؤيته للحياة يفرض على الفنان نسقا معينا يشتغل عليه. أنظر إلى بيكاسو مثلا، عندما سُمّيتْ مرحلته “بالزرقاء”، لأن الألوان كانت محدودة معه في ذلك الوقت. وأنظر إلى فان جوخ عندما خرج لنا بألوان مختلفة في عناصر تركيبتها، ذلك يعود إلى أسباب عديدة منها نفسية لكنها إبداعية، أو تحت تأثير العقاقير الدوائية التي كان ربما يتناولها، والنتيجة ألوان باهرة الحياة في لوحاته إلى يومنا!

نحن محاطون بالألوان والصور والكلمات، كل شيء بالنسبة لي له رمزيته، فأقوم بتجميع ما استطعت من مجلات وقص الصور التي تلفتني وبعض النصوص وأرسم وألون بعض الأشياء إن اضططرت لذلك، حسب الفكرة التي وضعتها، لأخرج بكولاج مليئ بالرموز والمعنى.

عندما ذهبت إلى أسكتلندا وفي (أدنبرا ) تحديدا، لم يكن لدي مرسم لأشتغل عليه، ولا حتى نصف مرسم، ففكرة الإشتغال على الكولاج الذي أراه “مهما” وأستطيع أن أعمل فيه دون الحاجة إلى مرسم أو أدوات كثيرة. نحن محاطون بالألوان والصور والكلمات، كل شيء بالنسبة لي له رمزيته، فأقوم بتجميع ما استطعت من مجلات وقص الصور التي تلفتني وبعض النصوص وأرسم وألون بعض الأشياء إن اضططرت لذلك، حسب الفكرة التي وضعتها، لأخرج بكولاج مليئ بالرموز والمعنى. الكولاج ليس فنا سهلا كما يظن البعض وليس للمبتدئين، المهم كيفية الإشتغال وعمق الفكرة وهذا يعتمد على وعي الفنان والأفق المعرفي الذي وصل إليه. كما أنني مستمر في الرسم التشكيلي ولم أتوقف عن الرسم، لكني شخص يحب التجريب، كل حياتي تجريب، حتى أنني دخلت دورة في الرسم بالخط العربي. تستهويني الكثير من الأشياء، فأدخل فيها مع محافظتي على الفن التشكيلي وهذا يعتمد على اللحظة التي أنا فيها. تخيل، أفكر الآن في تصوير فيلم له علاقة بأعمالي الفنية، لكن بطريقة مختلفة، وعسى أن تكتمل الفكرة في رأسي وأحقق ذلك .

الكولاج فن قديم وليس فنا حديثا، فحين تتأمل اللباس عند البشر ستجد أن الثوب عبارة عن قطع غير متشابهة وبألوان متعددة، وبها حتى كتابات مختلفة وصور مختلفة.

*لفتتني لوحة من لوحاتك حاولت أن استشف أو أقرأ فيها و كأنك ترمز فيها إلى الخراب أو المرض؟

عجيبة هذه الإلتفاته، نعم، مررت بتجربة مرض، أقعدتني في المستشفى فترة من الزمن. في هذه الفترة وبعد خروجي من هناك وأثناء فترة النقاهة أو التي يفترض أن تكون هكذا، قمت بلا وعي مني إلى محاولة تصوير المرض “فنيا”، وأصدقك القول قمت بذلك دون قصدية، فأنا لا أستطيع أن أجسد المرض لأننا نعيش المرض “يوميا”، نحن مرضى على الدوام “أصلا”، فلو أستطيع أن أجسد الفرح “مثلا” سيكون ذلك عظيما. تجسيد المرض صعب، ربما تجسيد الموت أسهل بكثير. المرض شيئ هُلامي، رغم أني أراه جناحا من الموت ولكن تجسيده صعب. قمت برسم تلك اللوحة التي ذكرتها بلا شعور مني، وضعت الألوان على اللوحة وكنت أمزجها بطريقة لا واعية فخرجت أشكال في تلك اللحظة، شعرت بعد ذلك أن تلك اللحظة كانت لحظة مرضي .

*هناك كولاج أنجزته قبل مدة قصيرة مليئ بالقطط، هل هناك حكاية حول هذا العمل؟

هذه قططي، وعلاقتي بالقطط والكلاب علاقة قديمة، حتى أنني في فترة من الفترات كانت لدي تسعة كلاب. القطط في الميثولوجيا حاضرة بقوة، المصريون القدماء قاموا بتحنيط القطط، لأن في تلك الفترة كان المصري “فلاحا”، والزراعة تشكل مصدر الحياة لديه، وبطبيعة الظروف التي كانت تواكب مواسم الزراعة، لابد من وجود فئران، والقط هنا يقوم بدور الحارس واصطياد الفئران، لهذا أصبح القط مقدسا لديهم، لدرجة أن القطط أصبحت آلهة. فالآلهة القديمة كانت تهتم بالرأس، فتجد رأس قط وجسد إنسان، لأنهم لم يرغبوا في تقديس الحيوان بشكله الكامل، هم يهتمون بمصدر القوة الذي هو الرأس، ويضيفوا أحيانا المخالب والأجنحة. تجسيد الآلهة يكون بإضافة أعضاء تضيف مصدر قوة إلى جسد الإنسان، حتى الأديان المتأخرة حاولت تصوير الآلهة بأن لديها عين ويد ورجل!

كذلك الحيوان جزء من تكوين الإنسان، فالبعض يحب القطط والكلاب والبعض يحب الطيور أو أي حيوان آخر، فهذه الحيوانات مرتبطة بنا نحن البشر. أنا لا أعلم لماذا كنت أربّي كلابا أو قططا، والأفضل أن لا أعلم، لكن عندما أرتبط بها لا أستطيع بعد ذلك أن أخلي مسؤوليتي منها. كذلك أن أشفق على هذا الحيوان، لأن الإنسان خرب هذه الكائنات، فبمجرد وضع هذا الحيوان في البيت، فأنت خربت طبيعته. فمثلا إذا كنت تريد أن ترفق بالحيوان فاذهب إلى المكان الذي يعيش فيه وقدم له الطعام والشراب والمساعدة، هنا أنت تقدم له الحرية، ولا يوجد سقف أعلى من الحرية سواء للإنسان أو أي كائن آخ. نحن البشر نتعامل مع الطبيعة وكأنها ملكنا للأسف.

*هل هناك فرق بين الفنان والرسام؟ وإذا كان هناك فرق، ما هو؟

الرسام يكمل الفنان والفنان يكمل الرسام، لكن الفنان تفكيره ونظرته أعمق وثقافته أوسع من الرسام. الرسام لديه ثقافة لونية، بمعنى ثقافة الألوان والأبعاد.

*هل لك تجربه على الرسم بالفحم؟

كانت لدي تجارب في البدايات على الرسم بالفحم كتمرين لليد، أجسد فيه الظل والنور، لكن الرسم بالفحم قل مع مرور الأيام لأن الأساليب اختلفت و الرؤية تغيرت. كنت محظوظا بأن أمر بتجربة الرسم بالفحم، لأن الجيل الجديد أعتقد أنه لم يحظ بذلك لسبب تغير أدوات الرسم .

*ما هي الفنون الأخرى التي تغذي عين محمد نظام؟

فن السينما في المقام الأول، فهي مصدر إلهام كبير لأواصل الرسم والكولاج، ثم يأتي المسرح والموسيقى والسفر، لأني أعتبر السفر فن.. .

*في مرسمك تجد الكثير من علب الكوكولا، حولتها إلى أشكال متنوعة، لماذا علب الكوكولا؟

بسبب اللون الأحمر، فهذا المشروب مرتبط معي بالطفولة واللعب، كذلك هذه العلب أراها تعطي تجسيدا ثلاثي الأبعاد، فأقوم بتشكيلها حسب الفكرة التي برأسي وأخلق منها شكلا يرمي إلى أبعاد كثيرة، فالقدماء كانوا يخلقون الأشكال من الفخار.

*هل تؤمن بإقامة المعارض أو عمل جاليري لعرض اللوحات؟

المعرض أو الجاليري في أي مدينة هو شيئ صحي ويجب أن يكون، فإذا كان هناك إهتمام بالفنون والثقافة فطبيعي أن تجد معارض ولوحات تعرض، لكن المؤسسات الضعيفة والتي لا تمتلك “أفقا حقيقيا” لخلق حياة مع الفن والفنون، لن تفعل ذلك. الشعوب التي تفكر بشكل سليم وتجد المعارض والفنون فيها بشكل كبير، تجد وضعها الإقتصادي جيد. فالطعام “أولا” ثم تأتي الفنون .

*كيف تصيغ علاقتك بالألوان؟

لكل فترة هناك لون بالنسبة لي، ففي البداية كنت أخاف من الألوان. كل شيئ يعتمد على تحولاتي النفسية. لا أستطيع أن أشرح بشكل مفصل، لكن في العمق أشعر بمدى قوة اللون.

*هل تأثرت بفنانين؟

التأثر والتأثير أمر طبيعي، ذلك لا يعني التقليد، فأنا كنت “مُتابعا” لمعظم المدارس الفنية، وكانت تستفزني السريالية والفن الحديث، دالي مثلا. أحب الجنون وأرتاح للفن السريالي، لأن فيه غموض والحياة غامضة، أحاول أن أفكك اللوحات السريالية وأسأل نفسي لماذا هذا اللون ولماذا هذا الشكل، ففي كل عمل سريالي شيئ يثيرني. لكني وبكل تواضع شققت طريق مختلفة أو حاولت ذلك إن كنت أعتبر نفسي فنان “أصلا”.

*لمن يرسم محمد نظام؟

يرسم لنفسه، أرسم لأني محتاج لأن أرسم، أتكلم مع نفسي “كثيرا”، وأتكلم مع لوحاتي “أيضا”، هناك حاجة في نفسي تدفعني إلى الرسم.

*كيف كانت فترة إقامتك في أدنبرا؟

كانت فترة رائعة ومهمة، كنت أمشي “كثيرا”، وعيني كانت محتاجة إلى رؤية أشياء كثيرة، كنت محتاجا إلى رؤيتها منذ زمن بعيد. أدنبرا مدينة لا حديثة ولا قديمة، خليط بين القديم والحديث، كأنها خيال، كل ما حولك منظم، تجد المتاحف والجاليري والجامعات وصالات للرسم وكليات للفنون، مدينة ثقافية. اشتغلت مع طلبة الجامعات كمتطوع وبعت بعض الأعمال لصالح الجمعيات الخيرية.

*لم اسألك عن عملك السابق في رسم الطوابع البريدية، هل ما يزال الطابع البريدي حاضر لديك؟

الآن أقوم بجمع الناقص منها، وأضعه في ألبوم خاص بي. قبل أن أكون رسام طوابع، كانت لدي هواية قديمة في جمع الطوابع، لدرجة أنني أقوم ببعث رسائل عبر البريد إلى أشخاص مجهولين لأحصل على الطابع البريدي لتلك الدولة وقمت بوضعها في ملفات حسب ترتيب الحروف لدول العالم.

*بماذا تنصح أي رسام مبتدئ؟

لا أحب أن أنصح، أريد من كل واحد سواء كان رساما أو مهتما بشأن ما أن يبتكر شيئ جديدا، وأن يقدم أسلوبه الخاص حتى ولو كان ليس بتلك الجودة، بشرط أن لا يقلد، فكل شيئ يتغير، والأسلوب يجب أن يتغير عن الفترة التي قبله. أنظر مثلا الآن؛ نعيش عصر التقنية والديجيتل، هنا على كل واحد فينا أن يتأمل ما يحدث، لأن هذا الأمر سيصير له شأن في المستقبل.

*كيف تقضي يومك؟

أحاول أن أكون دقيقا في الوقت، لكن هل هل الوقت يسمح أن تكون دقيقا معه؟

أنا حساس كثيرا، فمثلا إذا نظمت وقتي لقضاء بعض الأمور وحدث عارض ولو بسيط، هنا يتلخبط يومي بالكامل وأكون غير منظم. أحاول أن أنام مبكرا، إلا إذا شغلني سؤال أو شيئ ما، عندها يتأخر نومي.

أنا شخص قلق مهما تظاهرت بغير ذلك، لكن في نفس الوقت أتجدد كل يوم.

محمد نظام برفقة محمود علي

‫2 تعليقات

  1. ماشاء الله روعة ، ورحمة الله على هذا الفنان المبدع .
    سيدي الفاضل في حواركم مع الاستاذ و الفنان محمد نظام رحمه الله، لامسنا
    ان المرحوم كانت له رؤية مختلفة تماما ، تعبيره الفني المتميز فيه شفرات ورموز وأشكال تحتاج دقة وتمعن ونظرة عميقة للوصول لما كان يلج خاطر الفنان اللحظية في لوحاته ، هذا الفنان ينجز اعماله بشعور متفق مسبقا باحاسيس لاحت صور دهنية كونها العقل تطلب الخروج للوجود ، تناديه بهمس وخاطرة طبيعية ارتاح لها القلب وسعدت لها النفس ورمى الفكر وجهته التوضيحية سامحا لأنعمه شاهدا راشدا ، انه الفنان هكذا يكون بالفعل اننا نرى في لوحاته تعابير يبرهن انه بالفعل ، خصص مصاره المنفرد الخصوصي انه لون ممتاز يعبر فيه بكل لوحة تقنية وشيفرات تناسقية تتناسب مع الموضوع المستهدف في كل لوحة من لوحاته ولما كان في خاطر الفنان اللحظية ، من كان ينادي روح الفنان …انه الفن ، ومن هو الفن
    الفن هو روح الطبيعة هو الحب هو السلام هو حقيقة الحياه ، عين العقل كذلك ان نتعرف على كل فنان من لوحاته واسلوبه وكيف كان يرى الأشياء هل بعين بصيرة ام بعين نظيرة ، اختم بقولي هذا انا لله وانا اليه راجعون
    رحمة الله عليك يا غالي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى