عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

المبيت في خنادق الملح | زكي الصدير

1

بيني وبينكِ:

قارتانِ، لغةٌ واحدةٌ، حربٌ، معطفٌ بارد.

كلّما أشعلنا سيجارةً لنطفئَ المسافةَ

اختلّ حرفٌ على خارطتِنا.

لم نتهجَّ اسمينا كما ينبغي لغريبَيْن،

لم نفرغْ كؤوسَنا من الشهوةِ كما يفعلُ اللّيل في السكارى،

لم نوقظْ نجمةَ سهيل ولا الشعرى اليمانيّة.

كنّا نمنحُ إلى الآخرين فرصةَ العبورِ الأخيرِ

دونَ أن نمتحَ الماءَ عن وجه الشمس.

بيني وبينكِ، في الحرب الأبدية:

نُحصي القتلى،

نضعُ النياشينَ على سيرتِهم،

نفرّق بالعلامات بينَ شواهدِ القبورِ؛ قبرٌ لهم، قبرٌ لنا.

في الحرب، بيني وبينكِ:

شمسٌ ستبتلعنا ذات يوم.

2

كلّما ضاقَ جسدي على دمي،

أهجس بالجدران، الأطفال، الدمى، الحشيش،

أفترض:

أن الموتَ وهمُ الأبدية،

أن اليدَ التي أيقظتني ستأخذني إلى الهاوية،

أن روحي متاهةٌ غادرة،

وأنني على ما يرام

لولا أنّ صوتَ الحربِ يتسلّق نافذتي.

3

أتمنّى لو أني أموت وأنا بمزاج عالٍ،

سيكون جميلاً، لو كان في يوم ممطر، بارد قليلاً،

لا بأس أن يرشدني الموتُ بعلامة قبلها،

كأن يطفئ أنوار الشمس،

أو تكلمني قطة الحارة،

أو يتجمّد المشهد الكوني مثل فيلم سينمائي.

أريد أن يتسنّى لي تقديم عبارة أخيرة للحياة،

سأرغب في أن أبادلها قبل ذهابي -مثل أي سائح- الذكريات.

ربما نأخذ سيلفي مع بعضنا أيضاً.

4

تفتح عينيك فَتُذَكِّرُ نفسَك أنك في “لعبة”..

تأخذ حماماً سريعاً،

تركض إلى العمل، وأنت تردّد “أنا في لعبة”.

تقابل مديرك، زملاءك،

تبتسم، تصافح،

في ذهنك أنك في “لعبة”.

بملل شديد ينتهي دوامك،

تنصرف مع وهج الشمس،

أنت قابض على فكرتك “أنت في لعبة”.

تواجه التلفزيون مساءً،

أو يواجهك بموجة عارمة من الأخبار، الصور، الجثث..

 تذكّر “إنك في لعبة”.

تخرج إلى الأصدقاء مع كتبهم، جرائدهم، قصائدهم، مقالاتهم،

تكرعون الشراب،

تذكّرون بعضكم بـ “اللّعبة”.

تعود منطفئاً لتنام على وجهك هارباً من وخز القلق..

أنت تطمئن نفسك “إنك في لعبة”.

تحلم، فترى نفسك تركض والألعاب تركض خلفك.

5

مسكينٌ أيّها الموت،

لستَ سوى حارسٍ صغيرٍ للغيبِ الهائل،

لن يروّض خيولَك أحدٌ،

لن يشحذ مناجلَك ابنٌ ضالٌ،

لن يتذكّر صريرَ أسنانِكَ سوى الأحياءِ المقهورين.

أنتَ، حيثُ أنتَ، على عتبةِ النهايةِ،

لصٌ تسرقُ المعتلينَ،

تفتّش عن القيامةِ في أنفاسِ الليّل،

تتمنّى لو أنك تسألهم “ماذا فعلوا؟”.

مسكينٌ، أيها الموت..

لا ذنبَ لكَ سوى أنك –مثلَنا- جئتَ موتاً بالصدفة،

لم يختبرْك أو يخيّرْك أحدٌ قبلَ أن يدسّك في خاصرةِ الكون،

وجدناك، فحملناك في قلوبِنا،

مثلَ لقيطٍ في شارعٍ معتمٍ آخرَ اللّيل،

كنّا لكَ بيتاً،

كنتَ لنا المنفى،

ثمّ كانَ قَدَرُكَ أن تغدرَ بنا.

6

الذي كنتُ أرغبُ في قولِه:

السوقُ السوداءُ ما زالتْ تدّخرُ حناجِرَنا،

سراً، نوزّع السُّكَّرَ على رصيفِ القتلى،

نباغتُ الدَّركَ بعشبٍ جديدٍ كلّما أيقنوا أن واحاتِنا غطّاها الملح،

نعيشُ نكايةً بهم.

7

كانت الحمامة واهمةً حين اعتقدت أن رفيفها سيمنعها من السقوط.

وأنت تشقُّ ضفيرةَ الليلِ بفمكَ وبأصابعك،

وأنت تجرّ جيفةَ الأرض،

وأنت تفرشُ السوادَ على المدى،

وأنت تلوّحُ إلى وليمةِ الموتى،

وأنت تنتظرُ النعوشَ لتهبها إلى النار،

وأنت تفعلُ ذلك،

لا تنسَ الملحَ الذي وضعوهُ في دمك.

8

لو متُّ،
لا تجعلوهم يأخذوني سريعاً إلى المقبرة…
لستُ على عجلٍ كما تعلمون.
قدّموا رشوةً جيدة، 
اصطدموا بسيارة الإسعاف،
افتعلوا حريقاً،
اقتلوا طفلاً، ورجلاً عجوزاً، وامرأةً حرّة،

اِلتقطوا صوراً لهم،
ارفعوا أعلاماً بألوان مختلفة،
أضيعوا دمي بين قبائلهم.

أخبروهم:
أني الشاهدُ الوحيدُ على المجزرة،
الدليلُ الأخيرُ إلى العدم..

 لا ينبغي أن يضيعَ أجري سدى.

9

قَدَرُك

أنْ تكونَ السقوط،

أنْ تُبعثَ في زمن الهزيمة،

أنْ تجدَ نفسَكَ مولوداً منحدراً إلى الهاوية،

تموتُ بينما يرقصُ المحتفلون بك،

تنتظرك في الجحيم دُمىً مؤجلة،

ريثما ينتهون من تهيئتك للحياة..

الحياة التي تطعمك الملحَ وأنت تسقط مرة أخرى.

10

يا إلهي..

اكتبْ لي نجاةً من هذهِ الصحراءِ الشاسعة،

لا تتركني وحدي مع كلّ هذهِ الذّئاب..

أعدك لن أؤذي خيولَك،

لن أصطادَ طيورَك،

سأجعل من كفّي سَقّايةً لحطّابي الظّلمات

لكنْ، نجّني..

11

ربما ليس من حقي أن أسرق شجرةً عالقةً في منتصف الطريق

لكن من حقّ العصافير أن تسكنها

من حقّ أولادها أن تستوطن الشارع

حفدتها أن تشخبط على الرصيف علامات وإشارات

أن ترسم على الجدران تاريخ أسلافها الذين أيقظوا الشجرة.

أعلى النموذج

12

أنا ابنُ قافلةٍ صغيرةٍ من الحظّ

جرّبتُ علاماتِ الصحراء، لم أفلحْ

وضعتُ إشاراتٍ في الطريق، ضعت

اتكأتُ على الحادي، نسيتُ أغنيتي

دليلي شمسٌ آثمة

رمالٌ عطشى تركض بالوقت

كنتُ كلّما وثقتُ في الماء أخذني إلى سرابٍ جديد

13

في الحربِ القادمة

كنتُ قلماً مصنوعاً من شجرةٍ يتوسّدها جندي…

قلماً ينتظرُ الأخبار ليكتبَ التاريخ

أتذكرُ أنني رسمتُ على جدارٍ في المدينةِ وجهاً دمرتْهُ قذيفةٌ ارتطمتْ بهِ بالصدفة.

هو الآنَ يشعرُ بالوحدة،

لا يرى المدينةَ

لكنه متيقنٌ بالحرب.

سأحتاجُ زمناً طويلاً حتى أعودَ من جديدٍ إلى شجرة

سأحتاجُ زمناً أطولَ لأصيرَ قلماً

سأحتاجُ الجنديَ ليدلَّني على وجهيَ الذي دمرتْهُ الحرب.

زكي الصدير: شاعر سعودي

خاص قناص

تعليق واحد

  1. جميل ان نتابع اللعب في حروب متتالية ..ان نساءل الحياة /الموت عن اسرارهما .. قصائد ممتعة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى