أرخبيل النصوصجسدُ السرد

قصة قصيرة من ليبيا: زهايمر | خيرية فتحي

فتحت خزائن قلبي وذاكرتي ووجدتها تنصت إلي وتتمتم بأدعيتها المريحة، تمسح بيدها المعروقة على رأسي وتحتضن كفي بحنان شديد

زهايمر

سحبتهم أمامي صفاً واحداً، ناديت على أصغرهم بصوت خفيض كي ينظم إلى إخوته ولا يضيع في زحمة الحديقة العامة المترامية الأطراف، كانت الألعاب الكثيرة والمراجيح هائلة الضخامة ترخي بظل قاماتها الطويلة لتهيمن على المكان بفعل نور القمر المراق على جدران قلعة الألعاب في الساحة الواسعة، أنتشر الأولاد تحت الظل العملاق ولم تفلح نصائحي أو تحذيراتي في كبح جماح فضولهم عند رؤية قلعة الألعاب، لم أفلح في ردعهم عن ذوبان صياحهم وصخبهم وتلاشيه في ضجيج الأطفال الآخرين، انطلقوا فتركتهم لألعابهم ورجعت أبحث عن مكان أنزوي في ركنه بعيداً عن الأعين، أخترت مقعداً مختفياً في الظلمة بين شجرتين وجلستُ على حافة الضوء.

استندتُ إلى حاجز المقعد، سكبتُ الشاي في كوب من الورق المقوى، بدأت في رشف هذا السائل الذهبي الأثير، تتبعثر نظراتي هنا وهناك دون هدف محدد، أبدوا مأخوذة بحنين سري إلى ماض غامض وحزين. يبدو أن أجواء المكان ضاعفت وضخمت من شعوري بالضياع والغربة إلى أن جاءتْ وجلست إلى جانبي.

أسترق النظر إليها، تبدو لي في السبعين من العمر، وجهاً مألوفاً وطيباً، رسم الزمن أخاديده الكثيرة فوق جبينها، عاث فساداً في ملامح وجهها الحزين، عربد كثيراً عند زويا الفم، حرث الوجنتين بقسوة، ألمح دمعة تكاد تطفر من عينيها الغائرتين لكنها تظل متشبثة، عالقة في مكانها ولا تسقط، تكاد تسمع دقات قلبها وهي تحتضن عكازها، تضعه إلى جانبها وهي تلملم أطراف ردائها لتتدثر به، وجدتُ في ملامحها طيفاً بعيداً ضاع مني منذ سنين، اقتربت منها، فتحتْ تنهداتها المتكررة شهيتي للحديث والفضفضة فانهمر الكلام مني دون رادع، ناولتها كأساً ساخناً من الشاي، تناولته بامتنان شديد، وبحركة أربكت وضع ردائها وأسقطت عكازها فأسرعت إليها، التفتتْ إلي وقالت في وهن ولا مبالاة:

  • لا أريد أن أحملك هم غيرك فعندكِ ما يكفي وزيادة.

لعلها رأتني وأنا أصيح بين الأولاد. قلت في نفسي: إني في حاجة ماسة إلى من يقاسمني الشاي والظلمة والوجع.

بادرتني بالسؤال:

  • ما اسمك يا ابنتي؟
  • لم يمر زمن طويل حتى أودعت لديها كل شيء، اسمي، عائلتي، قبيلتي، عنواني، همومي، مشاكلي. فتحت خزائن قلبي وذاكرتي ووجدتها تنصت إلي وتتمتم بأدعيتها المريحة، تمسح بيدها المعروقة على رأسي وتحتضن كفي بحنان شديد. بعد أن تخلصت من الثقل الجاثم على صدري والهموم التي كانت تثقل كاهلي وتنفستْ الصعداء وعندما هممتُ بالمغادرة لأتفقد الأطفال وعندما أردت توديعها فاجأتْني بسؤال جعلني أسقط خاوية، خالية الوفاض إلا من دمعة.
  • من أنتِ يا ابنتي؟

صعقتُ، ابتعدت قليلاً، أحملق في فضاء المكان بذهول.

اقتربت شابة من العجوز، ناولتها عكازها، سحبتها برفق، التفتتْ إلى ناحيتي وكأنها تعتذر عن ذنب ما!

*****

خيرية فتحي: كاتبة ليبية.

خاص قنّاص – جسد السرد

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى