قصة شجرةٌ في الماء لـِ إبراهيم سيدو آيدوغان | ترجمة: جوان تتر

الصورة: الكاتب إبراهيم سيدو آيدوغان

«شجرة في الماء» من المجموعة القصصيَة “محبوبةُ الربّ” الصادرة ضمن منشورات هنَار الثقافي، والترجمة عن اللغة الأصلية ـ الكردية

(1)

في المحيط، ثمة جُزرٌ كثيرة، لكن كانت هي الأجمل والأوسع، تتوزّعُ الأشجار بانتظامٍ حولها. عبقُ المحيط المنثور إلى ما لا نهاية وأصواتُ النوارس ذات الأجنحة الواسعةِ تجعلان من صورة الجزيرةِ مكتملةً.

في هذه الجزيرة الجميلة التي ذاع صيتها في الأنحاء، انتشرَ منذُ فترةٍ مرضٌ في حيِّها الفقير، ومن كان يمرضُ به لم يكن لهُ أن يشعر به سابقاً، لكن حين كان ينمو جرحٌ كجرح طلقةٍ في الصَّدر ولا يتوقَّفُ الدمُ عن السيلان لثلاثةِ أيَّامٍ يُكتَشَفُ أمرُ المرض، وحينئذ لم يكن بمقدور أحدٍ إغلاق الباب في وجه الموت.

لم يُعثَر على دواءٍ لهذا المرض المجهول فتضاعفَ أعداد المصابين يوماً إثر الآخر، حتّى الطبيبُ الوافد إلى هذه الجزيرة للعلاج فقدَ الأمل، حاولَ مراراً أن يلقى علاجاً بيدْ أنَّه كان يفشل، ويطلبُ المساعدةَ من إدارة الجزيرة بغية الإرسال في أثر أطباءٍ آخرين وبعض الأدوية سوى أنَّها كانت خائفةً من إرسال المزيد، ولأنّ ثمن الأدوية كانت تُدفع من خزينة الجزيرة، توقّفوا عن شراء المزيد منها أيضاً.

كانَ الطبيب قد ذهب إلى هناك بمحض إرادته، فحظي باحترام قاطني الحيّ، ولكي يُكمِل عمله كان البعض ممن لم يمرضوا منهمكين في مساعدته، بنوا له قصراً جميلاً ووضعوا كل ما يحتاجه في مستودعٍ، ولكي يحموه من بعض المرضى الذين كانوا يهاجمونه للحصول على الدواء الذي لا فائدة تُرجى منه عيّنوا له عشرَ حرَّاسٍ.

بدأ الطبيبُ بالمعافين ووضعهم في أماكن بعيدةٍ عن المرضى، ومن ثمّ باشَر بعمله.

امتلأت الصالة المشيَّدةُ للمرضى يوماً إثر آخر، طلب الطبيب من الجميع بدون استثناء أن يُقبلوا إليه ليعاينهم فرداً فرداً، بيدْ أنَّ المرض تفشَّى دون أن يستطيع الطبيب الشابّ فعل شيء. كان لِزاماً عليه أن يعرف المرض، لكن العديد من المصابين كانوا يفقدونَ حياتهم بسرعةٍ بين يديه، لذا فقدَ القدرةَ على ما يجبُ عليه أن يفعله.

كانَ المرضُ مرضاً غير مُكتَشَف…

المصابون به يشعرون بشيءٍ من التعب والإنهاكِ في البداية، ولنفاد طاقتهم كانوا يشعرون بأنّ ثمَّة خللٌ ما، لكنّهم لم يَعُوا أبداً أن هذا التعب من الممكن له أن يتحوَّلَ إلى مرضٍ عضال لذا لم يخطر في أذهانهم السؤال عن حالتهم. بعد أيَّامٍ قليلةٍ من التعب الذي ينال من أبدانهم كانوا يصابونَ بجروحٍ عميقةٍ في صُدورهم، حينذاك تأخذُ الريبةُ طريقها إلى عقولهم، في هذه المرحلة من المرض كان الطبيب يفقد قدرته على مداواة ذاك الجرح مُطلقَاً.

 الجرحُ كان يصير عميقاً أكثر بعد ثلاثة أيَّام ليسيل بعدها دمٌ قاتمٌ، فيعلم الجميع آنذاك أنّ وقت الموت قد دنا، لأنّ المريض الذي يسيلُ منه دمٌ قاتم لن يصمدَ لليوم التالي مطلقاً.

فَقَدَ أهل الحيِّ الأمل، كانوا يذهبونَ إلى الشاطئ مُحدِّقينَ في النهايةِ اللا مرئيَّةِ للجزيرة، يَخالُ للناظرِ إليهم أنّهم في انتظارِ شيءٍ ما، أو ربمّا سيأتي شيءٌ ما من ذاك المكان، لا شيء من هذا القبيل!، لكنّهم ودَّوا فعلاً أن يكون ذلك.

ودَّ الجميع لو أن تُقبِل سفينةٌ ضخمة محمَّلةً بالأدوية.

نُسِجَت قصصٌ وأغانٍ عن السفينةِ المزعومة، وكانت الحكاياتُ كلّها ذات نهاياتٍ سعيدةٍ، فيما كانت الأغاني أليمةً وتدورُ حول الحزن الشديد والاشتياق وانتظار تلك السفينة، دائماً كانوا يحلمونَ بتلك السفينة.

(2)

اعتاد الناسُ على أمرِ المرض بعد مضيّ عدَّة أشهرٍ، فباتَ دفنُ الموتى عَملهم اليوميّ، عدا ذلك كانت حياتُهُم تسيرُ على وتيرتها وتخلَّوا عن حلم السفينَةِ المُقبِلَة.

لكن، في يومٍ من الأيَّام لاحَ من بعيد عمودُ سفينةٍ، في البداية لاحظ ذلك الأولاد الذين يلعبون كرة القدم إلى جانب الشاطئ، وحين أوصَل أحدهم الخبر إلى الجميع، لم يصدِّقوا ورأوا فيه ضرباً من الخيال، بيدْ أنَّ فضولهم وعدم سماعهم يوماً ما بنبأٍ كهذا دفعهم لأن يتركوا أعمالهم مهرولينَ نحوَ الشاطئ، وفي غضون عشرِ دقائق لم يتبقّ أحدٌ في البيوت أو الشوارع.

السفينةُ المقبلة التي رمت مرساتها على مقربةٍ منهم، كانت ضخامتها تعادل حيَّاً بأكمله، أحصى الأولادُ عواميدها السبعةَ واحدةً واحدة، وقفت امرأةٌ طويلة القامة برداءٍ أبيض يتطاير قماشه ويتّسع من الأسفل كعواميد السفينةِ وبوجهٍ أسمرَ وسيم، كانت واقفةً في المقدّمة ناظرةً إليهم.

راقبَ المتجمهرون على الشاطئ بصمتٍ هذه الأعجوبة!، في البدايةِ لم يصدِّق أحد، قالوا لعلَّهُ مجرَّدُ حلم. لكن بعدها، بعد ذلك، في كل عينٍ بريقٌ وعلى كلِّ شفةٍ ابتسامةٌ غريبة…

أرسلوا رجالاً كُثُر نحو السفينة، حيثُ كان الأمر الأشدُّ غرابةً في انتظارهم هناك: كانت السفينةُ مليئةً بالأدوية!!، ما عَرِفَ أحدٌ من أين أتت!، سألوا، لكن لا جواب من المرأة الجميلة ذات الرداء الأبيض.

لم تتفوَّهُ بكلمةٍ، فقط تنحّت جانباً ليتمكّنوا من إنزال الأدوية.

أدركوا بعد ذلك أنَّ المرأة خرساء!!، أشفقوا عليها، وربمّا لأجل ذلك أحبّوها أكثر وأولوها الاحترام، لم تُفصِح لهم بأي شكلٍ من الأشكال، ولم يعرفوا هم أيضاً من أين أتت هذه السفينةُ المليئةُ بالأدوية.

أفرغوا حمولةَ الأدوية وأخذوها إلى الطبيب الذي أوشكَ أن يطيرَ من الفرح وأجهش في البكاء…

(3)

استقرّت المرأة في قصر الطبيب الذي حين نظر إليها في المرَّة الأولى انفجرَ شيءٌ ما في بدنه، أشفق على نفسه، سوى أنَّهُ لم يولي اهتماماً لقلبه، ربَّما أعادت تلك المرأةُ بجمالها-والتي لا يعرف أحدٌ من أين أتت-رجولته إلى ذهنه، أحسَّ بشيءٍ من اللطف في قلبه وعقله، ابتسم، لكنّه فَقَد شعوره وتفكيره بكلّ شيءٍ سوى جمالها، طغى عليه الهيجانْ.

كان يعمل بلا وعيٍ ناظراً إلى المرأة أينما ذهبت، لم تهتمّ المرأةُ في البداية بهذا الشابّ الذي يتبعها أنَّى ذهبت، لكنّها فيما بعد أحبَّت هذه اللعبة، لذا كانت تنظر إليه حين ينظرُ إليها.

بضعة أيَّام، كانا يلعبان لعبة النظرات تلك وهما منهمكان في مداواة المرضى، لَفَتَ الأمرُ انتباه الناس الذين بدأوا يسخرون، لكن وفي الوقت عينه يتودّدون إليهما، النظراتُ التي بدت للآخرين للوهلة الأولى وكأنّها نظراتُ تحدٍّ، جعلت المرأة تنتبه أكثر دون أن تَعي أنَّ تلك النظرات ستجعلها تحبُّه.

إن حدَث وسألهما أحدهم آنَ التقاء النظرات، كانا سيقولان: “نريدُ للعالم أن يتوقّف ها هُنا”، وإن حصل وساهت نظراتها مرَّةً عنه على إثرِ انهماكها بعملٍ ما، يوشِكُ الطبيبُ الشابّ أن يصاب بالحمَّى، يعتقدُ المرء وهو في هذه الحالة أنَّه طيرٌ وقد حُمِّل أوزاراً، ومن ثمَّ بعدها ينتاب قلبه مرضٌ ما ويشعرُ بدوارٍ وضيقِ تنفُّس وكأنّ أحدهم يضغَطُ على عنقه، وإن لم ينتبه إلى نفسه سريعاً فمن المحتمل أن يختنق…

كانَ يعضُّ شفتيه من الألم…

(4)

امتلأ القصرُ، وتوافد المرضى الذين فقدوا أملهم في العلاج، ليوزّع الدواء عليهم مباشرةً فيُشفَى كلُّ من دُهِنَ صدرهُ بالدواء.

التئمت الجُروحُ…

ولأنّ المرأة كانت تساعدُ الطبيب فإن عملهما كان يؤتى ثماره بسرعةٍ، وهذا الأمر ضاعفَ وتيرة تقاربهما بشكلٍ أكبر، تلك المرأةُ بجمالها وطيبتها كانت قد أثَّرت على الطبيب، وخرَسُها ضاعف جمالها لحدِّ أنَّ عقل الطبيب توقَّف عن العمل، كان ثمّة معانٍ كثيرة في وجهها يصعب معها على المرء أن يعرف بمَ تفكِّر. حين كانت تنظر إليه، ترتسمُ ابتسامةٌ مخفيَّةٌ عالقة ما بين عينيها وشفتيها.

يودُّ المرءُ لو أن يقف أمامها لينظر إليها، ومُذ أدركت أنّها تعلّقت به، يرتابُ المرءُ أنّ جمالها الأخَّاذ بدا مضاعفَاً.

لم يفهم الطبيب بادئ الأمر، لكن بعدها عرف أنّه لو لم يباشر بالحديث معها ولم يجعلها تنتبه ستغدو كل نظرةٍ من هذه المرأة مشكلةً فيما يتعلّق بعملهما فتُغلق الأبواب أمامهما.

لم يعد بمقدوره زيارة المرضى بدونها، تعتقدُ أنّهما عثرا على لغةً خاصَّة بهما، يقول الطبيب: “آه، لقد احترقت، يكفي، أكاد أشقُّ صدري!”

فيما المرأةُ كانت تقول: “أيَّاً كانت حالتك، فأنا أشدّ منك بدرجةٍ”…

حينَ تنظر إليه ترتجف شفتاها، يعتقدُ الطبيبُ أنها تودُّ أن ينظر إلى شفتيها.

حينَ كانت تمسك شيئاً ما من يده، ينظران إلى بعضهما بطريقةٍ لو كان للجدار فمٌ لقالَ: “كفاكما، لقد أصبحتما سبب شكوانا وعدم ارتياحنا!”.

تسبّب هذا الانتظار في تسلّل حزنٍ عميقٍ وطمأنينةٍ في الوقت عينه إلى قلبيهما، لذا آنَ التقاء نظراتهما يبدوان وكأنّهما يخفيان سبباً ما، لكن يصاحب ذلك فرحٌ يخفي ذلك السبب، فيُكملان عمليهما.

فَقَد الطبيبُ القدرةَ على الاحتمال.

ذات يومٍ وبعد عودتهما من زيارة المرضى وأثناء تناول العشاء، تحدَّث إليها.

لاذت المرأةُ بالصمت، حتَّى وإن لزم الأمرُ جواباً تصمتُ أيضاً، حيث لم يبقَ هنالك أمرٌ مخفيّ، وتوضّحت مشاعرهما، احمّر وجهها خجلاً، فقدت القدرة على رفع رأسها والنظر إليه، قبّلته بسرعةٍ وعادت إلى مكانها ثمّ اختفَت تلكَ الليلة.

(5)

لم يرها في اليوم التالي.

جال بنظره في الأنحاءِ كًلِّها بحثاً عنها، انطلقَ الناس في إثرها.

أرسلوا الخبر إلى جهات الجزيرةِ الأربع، وكلّما تأخّر وصولُ خبرٍ عنها حاصرهُ الحزن أكثر.

حلَّ المساء دون أن يعثروا عليها…

لم تأتِ…

ذهبت المرأةُ بهذه الطريقة بلا رجعة.

يعودُ الطبيبُ كُلَّ مساءٍ إلى القصرِ محنيَّ الظهر، مطأطئ الرأس، أضاعَ غبطته، وأوشكَ أن يعضّ روحه من الحزن!

يوماً، في المساء، عند الشاطئ، إلى جانب الشجرةِ ذات الجذور الضخمةِ في منتصف المياه حيثُ كان جالساً وهو ينظرُ نحو البعيد، لاحت المرأةُ فجأةً وجلست بالقرب منه.

لم يسألها أين كانت، ولم تتحدّث هي بأي شكلٍ من الأشكال عن غيابها المفاجئ.

(6)

توقّف المرضُ عن الزحفِ لفترةٍ بفضل الدواء، سوى أنَّهُ عادَ لينتشر رويداً رويداً بطريقةٍ لم يعرفوا معها كيف، تضاعف أعداد المرضى مرَّةً أخرى ولم يعد الدواء يكفي تلك الأعداد الضخمة.

كان الطبيب يخافُ من أمرٌ واحد، فيقول: “ماذا لو أصيبت المرأةُ بهذا المرضِ أيضاً؟”

لعلَّ المرءَ حينَ يحبُّ أحدهم فإنَّهُ يفكّر دائماً في الأمور السيّئة، مع أنّهما كانا حريصَين، بيد أنَّ الفكرةَ لم تغادر روحه، ففي كلِّ مرةٍ ينظر إليها أو مساءً حين تضع رأسها على صدره يفكّر في الأمر.

كادَ يجنّ من هذه الفكرة، دون أن يستطيع الإفصاح لها…

لكن في يومٍ ما غادرت المرأةُ سريرها بصعوبةٍ، كانت حالتها مزرية، قاومت دون أن يعلم أحدٌ بأمرها لا سيَّما الطبيب.

بقيت على هذه الحالة ثلاثة أيَّام دون أن ينتبه إليها أحدْ.

اعتقدت في البداية أنّ الأمر له علاقةٌ بالحيض، لكنها استفاقت صباحاً على جرحٍ عميقٍ في صدرها دون أن تعلم.

عالجت جرحها، لكن بلا فائدة، الجرحُ كان يصير عميقاً، والدواءُ الذي كان ينفع الآخرين لم يعد ينفعها البتَّة.

خافَت.

ليس على نفسها وحسب، بل على الطبيب أيضاً، أشفقت عليه…

لم تشفق على نفسها بل أشفقت عليه، هذا الرجل الطيب الذي ضحّى لأجل الفقراء، ومع كلّ تلك الأشياء السيّئة عشقها بطريقةٍ عجيبةٍ ومجنونة…

كيف ستُخبِرُه؟!

لم تعد تأتي إلى سريره، وحين يحصل وأن تأتي تحاول جاهدةً ألا يرى الطبيبُ جرحها، لم تكن تتعرَّى أمامه، وحينَ يسألها تقول له إنّها معذورة لكي لا يشعر بالأمر.

بعد ثلاثة أيّامٍ بدأ الدم ينزف، لم يعد ممكناً أن تخفيَ الأمر…

جنَّ الطبيب حين علِم، بدأ يضرب نفسه ويبكي.

حالتهما كانت تُبكي الموتى…

قال الجميع: “يا لهذا القَدر!”، أشفقَ القَدَرُ بنفسه عليهما.

ترك كل شيء وانشغل بمحبوبته، لكن ما من فائدةٍ تُرجى… لم تعد تكفيه معلوماته كلّها عن الطب، كان الدم الذي ينزف من جرح المرأةِ يصيرُ قاتماً.

أجل، كانت ستموت، وهو يعي ذلك…

(7)

لم تصمد محبوبته إلى اليوم التالي، فحين استيقظ كانت المرأةُ التي أسندت رأسها إلى صدره قد فارقت الحياة، امتنع بعد ذلك اليوم عن النظر أو معالجة المرضى.

حمل معطفه وذهب…

لم يعد يراه أحد، اختفى…

قام أصدقاؤه بغسل محبوبته ودفنوها كما جرت العادة.

غاب الطبيبُ أسبوعاً كاملاً، لم يعرف أحدٌ شيئاً عنه، بعدها، قرّر أهل الحي مع أصدقائه: “فلنبحث عنه، ربمّا قد أصابه مكروهٌ، أو فعل شيئاً ما بنفسه”.

مضوا في إثره، بحثوا عنه في كلِّ مكان، إلى أن قال الأطفالُ يوماً: “رأينا رجلاً جالساً أمام قبرٍ ويبكي بحرقةٍ”.

ركض الجميع على الفور نحو المقبرة، ركضوا دون أن يتوقّفوا إلى أن وصلوا لمكان قبر محبوبته، رأوا حينها معطفاً وبعض القناني الفارغة على تراب القبر، أدركوا أن الطبيب قد أتى إلى المقبرة، كانت آثار يده على ترابِ القبرِ جليَّةً.

لكن في الطريق المودي إلى شاطئ المحيط وحين عثروا على خرقةٍ من صِداره المدمى تبعثرت شكوكهم.

مضوا في إثره…

لا حظ أحد أصدقائه قطراتَ دمٍ على معطفه حين حمله!

لم يخطر ببالهم أبداً، حتّى حين عثروا على خرقةٍ من صِداره المدمّى…

نزلوا إلى شاطئ المحيط…

آنَ دنوِّهم من الأشجار المصفوفةِ على جانب الطريق رأوا بضع قطراتٍ من الدم القاتم، فهموا رويداً رويداً وتسلّل مرضٌ إلى دواخلهم…

بكى من فَهِمَ الأمر وتوقّع على ماذا سيعثرُ في الطريق، وبعد أن توضَّح الأمر، بدأت النسوةُ تنتحبنَ.

نزلوا إلى نهاية شاطئ المحيط…

انتظروا العثور على جثَّة الطبيب، لا بدّ وأن يكون قد مات في مكانٍ ما هنا…

لكن لم يحصل ذلك…

بعد أن فقد الطبيبُ محبوبته بات يشبه المقاتل الذي أضاع رجاله ومع رجاله أصدقائه أيضاً، لم يعد يحتمل الألم، هو كذلك أصيب بالمرض لكن لم ينتظر موته، ذهب وعلّق نفسه بشجرةٍ.

حين وصل متقفو قطرات الدمّ إلى الشجرة ذات الجذور الضخمة في المحيط والتي تضربها الأمواج وأبصروا حالة طبيبهم الذي خَنَقَ نفسه لم يحتملوا النظر إليه.

كان الطبيب وكأنّه جذعٌ من الشجرةِ حين يضربهُ الموجُ يهتزّ في ذلك الفراغ،

عيونه مغمضةٌ وشفتاه مطبقتان.

يداه في أعلى بدنه تهتزّان لا إراديَّاً …

انسكبت قطراتٌ من دمه إلى المحيط…

= =

إبراهيم سيدو آيدوغان:

كاتب وروائي كُردي، أستاذ اللغات في جامعة باريس حيثُ يعيش منذ سنوات، لديه في الرواية: “أبيض.أسود”، و”ليلى فيغارو”.

جوان تتر: شاعر ومترجم كُردي سوري

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى