عبدالهادي سعدون يفوز بجائزة “آسكري دويندي” عن أفضل أنجاز في الترجمة إلى الإسبانية | حوار: ميسون شقير

الصورة: الكاتب العراقي عبد الهادي سعدون

نُخطئ عندما نتصور أن ترجمة واحدة لكتاب تكفي، ولعل هذا فقط في عالمنا العربي..

بكل ثقة وهدوء وودّ يلاقينا، يخلق لنا- في منفانا- نافذة نطل منها على أنفسنا، يستطيع أن يكون مرآة وجعنا، يصرخ بصوت له نبرة صوتنا محاولاً أن يحمي هويته وهويتنا من التشويه والاندثار والتحطيم، يأخذ بأيدينا كي ندخل معه أماكن جديدة وثقافات مغايرة وكي تتعرف لغتنا على أخواتها في عالم يعج بالفوضى والحروب والقهر، نعم كم هو جميل وهام وعميق أن نلتقي في مدريد بالأديب والباحث والروائي العراقي الدكتور عبد الهادي سعدون ابن بغداد، المولود فيها في عام 1968، والذي غادرها إلى إسبانيا منذ عام 1995 لنيل درجة الدكتوراه في الآداب والفلسفة، ليستقر فيها كباحث ومترجم مختص باللغة والأدب الإسباني، وهو الشاعر الذي أسس مع القاص والروائي محسن الرملي دار ألواح التي تعنى بالنشر باللغة العربية في عام 1997، وصدر عنها مجلة (ألواح) الفصلية التي تعنى بالفكر والثقافة.

ضيفنا؛ يدير سلسلة آلفالفا للإصدارات الأدبية والفكرية العربية باللغة الإسبانية، والتي بدأت نشاطها الثقافي بداية عام 2006. كتب وأخرج فيلمه القصير الأول بعنوان (مقبرة) عام 2006. كذلك تُرجم العديد من نصوصه ونُشرت في كتب ومجلات ودوريات مختلفة إلى عدة لغات، عدا عن ذلك نقل للغة العربية أكثر من عشرين كتابًا في الشعر، والرواية، والنقد لأهم كتاب إسبانيا وأميركا اللاتينية، كما أشرف على ترجمة أربعة كتب وأنطلوجيات شعرية وقصصية عربية وعراقية من اللغة العربية إلى اللغة الإسبانية.

عمل كمستشار أدبي في دار نشر “بيربوم” الإسبانية وساهم في إخراج أكثر من 15 كتابا مترجماً إلى الإسبانية ضمن سلسلة آداب عربية منذ عام 2013، ومن ضمنها كتاب “ألف ليلة وليلة” الذي حصل على جائزة الترجمة الوطنية 2017.

حصل على جائزة انتونيو ماتشادو للشعر، وعلى جائزة سلامنكا للشعر أيضاً، وهو منظم ومدير مهرجان فبراير الشعري الدولي في مدريد.

بالتزامن مع فوزه بجائزة “آسكري دويندي” عن أفضل أنجاز في مجال الترجمة إلى اللغة الإسبانية، كان لمجلة قناص هذا الحوار معه:

*يقول محمود درويش “الحنين وشم في القلب”، وتقول أنت: “من يملك وطنين يكتب برأس منشطر إلى نصفين”، وقد كُتب المنفى والحنين على الفلسطيني ثم العراقي والسوري، كُتب على أهل أقدم وأعرق مدن الأرض أن يُهجروا منها إلى بلاد الله الضيقة، ما الذي يفعله بنا المنفى؟

المنفى، البعد، الهجر كلها حالات لا يمكن تعريفها إطلاقاً، بل لا تعريف ممكن لها. لأنها تحتاج الى حياة طويلة لتفسيرها، وهي التي تترك ذلك الوشم الذي لا يمحى في القلب والذاكرة والجسد بطبيعة الحال. أعيد دائماً قولاً للمدهش خوان غويتسولو عندما يُعرّف المنفي بأنه ذلك الكائن الذي لن يجد نفسه في أي مكان، ولا حتى في المكان الذي انتزع منه. تجاربنا في المنفى هي بحث عن الأنا في كل التفاصيل التي مضت أو المُعاشة الآن، ولن نستطيع معرفتها أو التعرف عليها بسهولة. لهذا سنبقى محملين بكل إرثها، ولن نستطيع الفكاك منها، لهذا أقول إنني أمضي برأس مشطورة إلى نصفين، لا نصف يوافق الآخر، ولكنهما متجاوران ومتعايشان، وقد يلتفت أحدهما للآخر بين حين وآخر ويتناجيان بحرقة أو بعتاب مضني.

*كيف برأيك نستطيع أن نحيا وننجو في المكان الذي نعيش فيه كمغتربين منفيين عن أوطانهم، وبنفس الوقت أن نكون أوفياء للجراح التي نحملها معنا؟

لا يمكن أن تكون مخلصاً لطرفين نقيضين، لكن يمكنك أن تتعايش فيهما مع مرور الوقت. مثل ندبة في القلب أو جرح غائر في اللحم، تشعر بها وتتحسّسها كل لحظة، لكن لا يمكنك التخلص منهما بسهولة. نعيش في أمكنة جديدة نتاج هروبنا وتغربنا، نصنع لنا حياة جديدة على هامش حياة افتراضية تركناها هناك. الهنا والهناك في صراع دائم لا فكاك منه، ما يساعدنا على النجاة حقاً هو التشبث بكل تفاصيل هذه الحياة. لا أمل لنا بالأبدية كما قال جدنا كلكامش، فعلى الأقل أن ننعم بحياة ممكنة. وهذه هي حياتنا التي كتب علينا عيشها، فلنكن مخلصين لها ونعمل على انعاشها بين لحظة وأخرى. جراحا حملناها معنا حتى النهاية، بل حتى لو عدنا لحياتنا الأولى في اوطاننا. منْ يعبر تلك الساقية، لن يجدها نفسها لو عاود المرور فيها. حياتنا هي التي نحياها وليس لنا غيرها.

*أنت مسؤول عن تنظيم وتقديم مهرجان فبراير الشعري الدولي في مدريد، ما الذي تعتقد أن المهرجان قادر على خلقه، وماذا أضافت لك هذه التجربة؟

المهرجان مر بفترة تنظيم بسيطة في دورته الأولى، ليكتمل ويصبح ظاهرة ثقافية شعرية وفنية مكتملة في دورته الخامسة، وهو يجمع جنسيات ولغات مختلفة، وليس فيه التركيز على الشعرية العالمية المعاصرة فقط، بل يتعداه ليمنح فرصة للفنون البصرية والموسيقى والمسرح لتتضافر مع بعضها البعض. وأعتقد أن المهرجان قد حقق ويحقق الغاية المرجوة منه وهو إيصال الصوت الآخر للجمهور الإسباني والأوربي عامة، ومحاولة التركيز على الأصوات المجاورة والبعيدة غرباً وشرقاً وجمعها في خيمة تفاعل وقراءات ومشاركات متوحدة كما فعلنا نحن بجمع شعراء وفنانين من الشرق، والغرب تحت غطاء الشعر والحس الإنساني، وقد مر حتى اليوم شعراء من العراق والمغرب وصربيا والصين وتايوان ونيوزلندا والنيبال وإيران وسورية ولبنان وغيرهم، فضلاً عن الحضور الإسباني واللاتيني والأوربي الغربي.

*ما الذي يمكن أن تقوله ككاتب وباحث ومحاضر عراقي يعيش في دولة أوروبية عن الحرب في أوكرانيا، وهل ترى فعلا هناك اختلاف حقيقي في طريقة تعاطي أوروبا مع ضحايا هذه الحرب أكثر من ضحايا حروبنا؟

الغرب في هذه الحالة يمنحنا الفكرة المتبناة سلفاً عنه (وأقصد سياساته وليس مجتمعاته حتماً) في الكيل بمكيالين، وقد أشارت قبلنا أكثر المؤسسات الإنسانية لذلك، فالغرب مع حرب ومأساة اوكرانيا ينظر للأمر بكون الآخر المتضرر منا ومن مجموعتنا أم من جهة أخرى بعيدة، لهذا لم يتعاطوا مع اللاجئ السوري أو العراقي أو المشرقي عموماً مثلما يتعاطون مع لاجئ من صبغتهم وكيانهم.

المؤسف أن الإنسانية تتبخر مبادئها هنا وتصبح مجرد أبواق ناعقة، والحقيقة هي ما تسفر عن الوجوه والمواقف الأوربية، لكن الحرب هي نفسها في كل مكان: دمار وتهجير وقتل، النظر له بوجهين يزيدنا مأساة على المأساة التي نعيش ونشهد.

*تقول: “العنوان عندي بمثابة تعويذة لفتح الأبواب الموصدة أمام نصي القادم”. هل ترى أن العنوان بقدر ما يكون حافزنا لإنجاز النص، يمكن أيضا أن يكون سجنا لنا؟

الكثير من عناوين كتبي كانت تدفعني دفعاً لإيجاد حضورها بين مؤلفاتي، بالطبع ليس كل عنوان مناسب وجدير باعتناقه، بعضها يمكن ان يكون بمثابة مصيدة وشرك. أعتقد صدقاً أنني عندما أكتب، دافعي الوحيد هو جدوى ما أكتب وحتماً جدوى ما أريد توصيله للقارئ، تبقى كل تلك المسميات من عناوين ممكنة أو جمل أولى كمفاتيح مؤثرة، بمثابة هِبات ربّانية للمساعدة بالوصول بقدمين سليمتين ونفَس قوي لمقاومة ما تجيء به الحكاية والأيام القادمة من مفاجآت ومنغصات وجهد مضاعف. كل كتابة بتخطيط أو غيره، بمثابة طلق أبدي ومخاض عسير.

*تقول إنك ترى في الترجمة “مشروعا إنسانيا”، كيف ذلك..

كل تقرب من ثقافة وعالم آخر، يدخل ضمن حيز المشروع الإنساني المشترك للبشرية. الإنسانية تتقابل عبر الفنون والآداب وثقافاتها، والترجمة تقع في عصب المشروع ومركزه الأهم. دون الترجمة، التلاقي يصبح صعباً، أعرجاً، ويفقد لسمة التفاهم اساساً. لذا أي مترجم هو نسغ حي في ديمومة التواصل والتلاقح الثقافي. وأية ترجمة هي حجر في هذا البناء والصرح الإنساني.

*ما الذي دفعك ككاتب ومترجم إلى ترجمة أعمال سبق ترجَمَتَها، مثل «الأغاني الغجرية» للوركا، رغم أنها مترجمة أكثر من مرة؟

كل ترجمة من المفروض ان تجيء بجديد، وأولها رؤية المترجم لنص مكتوب بلغة أخرى ومن هنا محاولة نقل معناه وروحه. وكل ترجماتي حاولت فيها أن تكون بذلك النسق وتلك الحميمية. ترجمتي للوركا توخيت عبرها نقل عوالم الشاعر الغرناطي وملكته الشعرية العالية. أعتقد أننا نخطئ عندما نتصور ان ترجمة واحدة للكتاب تكفي، ولعل هذا فقط في عالمنا العربي. ما أراه العكس، وهو ان تكون هناك ترجمات عديدة لكتاب وكتب معروفة بين حين وآخر، ومنها كتب لوركا المعروفة. غير ذلك، ما ترجمته للوركا (ويمكن مقارنته بالترجمات الأخرى) افترضت فيها روحية جديدة والاقتراب أكثر من عوالمه ونصوصه. من متابعتي لترجمات سابقة، وجدت فيها تعسفاً وخروجاً عن المعنى الحقيقي لكثير من قصائد لوركا، فضلاً عن الخطأ والترجمة من لغات أخرى غير الإسبانية. هنا لا أقصد أن لوركا لم يترجم بشكل جيد، على العكس هناك ترجمات رائعة سابقة وقد أشرت لها في مقدمتي للكتاب المترجم. ما أضفته بترجمتي هو نسق وحياة لنص آخر يختلف عن الترجمات السابقة بشيء أو أشياء أخرى. ولعل دراسة مقارنة تكشف الكثير من النقاط التي ذكرت.

*على ماذا تراهن؟، على الشعر أم على الرواية في القدرة على الوصول للقارئ والتأثير فيه؟

لأقل أنني أراهن على الأدب الجيد، قبل الانتباه لجنسه. ولأكن صريحاً معك، الموضوع عندي يفرض هيكله وطريقة سرده. أميل في الفترة الأخيرة للسرد (قصة ورواية) وللبحث والدراسات، لأعود بين حين وآخر للشعر والدراسات النقدية. أشعر بالنشوة عندما أمضي من حقل إلى آخر، ولعل هذا عائد إلى طبيعتي الملولة للتوقف عند حد ما وعدم الشروع بالبحث عن رؤى ومواضيع أخرى.

*أين يجد عبد الهادي سعدون نفسه في المسافة ما بين البحوث الأكاديمية التي تخضع إلى مناهج بحث محدّدة، ووقائع وثوابت، وبين الكتابة الابداعية التي لا تحدها سماء ولا أرض، والترجمة التي تعلقنا بين لغتين اثنتين؟

فيها كلها. لا يمكنني تقسيم نفسي بينها، لأنها كلها تكمل بعضها البعض، وهي في المحصلة نتاج اطلاعي وقراءاتي، أي أهم شيء أحبه في هذا العالم وهو الكتاب والقراءة. ولو بقي الأمر برغبتي الحقيقية لفضلت ان أكون قارئاً قبل كل شيء. أنا مجموع ما أعمل وأنتج، ولعلني لست الأول ولا الأخير في هذه المتاهة.

*حصلت مؤخراً على جائزة “آسكري دويندي” عن أفضل إنجاز في الترجمة إلى الإسبانية، ما الذي تعنيه لك هذه الجائزة؟

الحقيقة أنا مقل بالترجمة من العربية إلى الإسبانية، لأنني اعتقد أن الإسباني المستعرب ابن اللغة والبلد أجدر وأفضل مني بالعمل على هذا الاتجاه، ولكن في مرات أتدخل لسد فراغ ما لا يمكن للمستعرب عمله أو ما لا تراه دور النشر بشكل واضح. من هنا جاء تعريفي بالشعر العراقي والعربي الجديد المعاصر بعيداً عن الأسماء المكرسة، أو البحث في التراث الشفوي والشعبي للنساء العربيات، أو الغوص في الآداب الكلاسيكية ممثلة بنماذج الأدب الإيروتيكي أو تسليط الضوء على شعرية العرب الكلاسيكية كما عليه في المعلقات وغيرها. وهذا ما وجده المهتمون الإسبان جديراً بالتقدير والتكريم، وبدوري ممتن وشاكر لإنتباههم، وهذا الشيء مع الأسف لا يمكنني قوله والتنويه به فيما يخص الجهات العربية ومؤسساتها الثقافية.

*ما الفرق بالنسبة لك بين حصولك على هذه الجائزة والجائزة السابقة للشعر؛ جائزة أنطونيو ماتشادو؟

ـ جائزة أنطونيو ماتشادو للإبداع الشعري الخاص وهي تمنح للأصوات الأجنبية التي تقدم مشروعاً شعرياً خالصاً أو ديواناً شعرياً بالإسبانية، أي تقدير آخر للصوت المنفرد الذي يبني نصه وذائقته من خلال العوالم اللغوية والشعرية الإسبانية. وهو ما جاء بتقييم لجنة التحكيم في وقتها عام 2009. على اية حال بالنسبة لي أراهما مكملان لبعضهما البعض، خاصة ان كلا الجائزتين قد انتبهتا لمفهوم الآخر وما يقدمه من إنجازات مضافة للغة الإسبانية عبر جسور الثقافة والأدب العربي سواء كان ابداعاً أو ترجمة أو بحث.

ميسون شقير؛ شاعرة وصحفية سورية، حاصلة على درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة من جامعة مدريد المستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى