جسدُ السردنصوص

فصلٌ من رواية «مجهولة نهر السين» لـِ غيوم ميسو

ترجمة: سمر معتوق

ترجمة: سمر معتوق

رواية مجهولة نهر السين لـِ غيوم ميسو، صدرت في 2022 عن دار هاشيت أنطوان/نوفل

***

لم تحلّ الساعة الرابعة بعد لكنّ الشمس كانت قد هاجرت السماء. منذ نهاية الفترة الصباحيّة والسماء مصبوغةٌ باللونين الأبيض والرمادي. حتّى من موقعها المهيمن، تراءى لروكسان خطّ أفقٍ وحيدٍ كأنّه غطاء لؤلؤيّ كثيف يمهّد لغروب الشمس. كانت قد استحمّت وارتدت البيجاما وفوقها سترة الكشمير القديمة التي جلبتها من عند باتاييه. على الرغم من رغبتها الملحّة في احتساء كأسٍ من النبيذ، قرّرت أنّ من الأفضل انتظار ساعة بعد وحضّرت لنفسها كوبًا من الشاي الساخن، شاي أسود داكن من كوريا الجنوبية مع فاكهة اليوسفي من جزيرة جيجو، وضعته على فخذها ليخدم كقربة ماء ساخن. فأصبحت في حالة سبات شتويّ وهي غارقةٌ في بطانيّة مزدوجة، مستلقية على الأريكة ورأسها على وسادتها، تحت الأضواء الخافتة وعلى وقع خرخرة القط جنبها.

كانت على أهبة الاستعداد، لا للخلود إلى النوم، بل لمواصلة تحقيقها. حملت هاتف الآيفون وشرعت في خطوتها الأولى: البحث في الإنترنت عن معلومات متعلّقةٍ بالقضيّتين اللتين تحدّثت عنهما فاليري جانفييه.

بدأت بالقضيّة الأسهل، تلك التي وقعت في فرنسا. في ما يتعلّق بالأحداث المتنوّعة، كانت الصحافة الإقليميّة في كثير من الأحيان أفضل اطّلاعًا من وسائل الإعلام الوطنيّة. دخلت إلى موقع لا بروفانس وكتبت بضع كلمات رئيسيّة ثمّ أنزلت سلسلة المقالات التي كُرسّت لجريمة أفينيون. في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر 2017، عُثر على جثّة الجنديّ السابق جان-لوي كريميو، البالغ من العمر 62 عامًا، في حاوية قمامة في شارع باناستيري، على مرمى حجر من قصر الباباوات. في تلك الفترة التي تلت الهجومات في فرنسا، أثار مقتل جنديّ المخاوف من وقوع عمل إرهابي، لكن سرعان ما استُبعد هذا التهديد. خدم كريميو بصفة قائدٍ في فوج مشاة البحريّة الحادي والعشرين في فريجوس، وكان قد ترك الجيش منذ فترة طويلة. بان سبب وفاة الجندي بوضوح: الذّبح. وُجد نصف عارٍ، بملابس ومكياج المتحوّلين جنسيًّا: كعبٌ رفيع عال، كورسيه بحمّالات، شالٌ من الفرو مخيّط على الجلد.

طالت فترة التحقيق إلى ما لا نهاية. لم تحصل روكسان سوى على جزء ضئيل من الأدلّة – المقال الصحفي ليس أبدًا ملفًّا تحقيقيًّا – لكنّها قرأت بين السطور بأنّ أيّ جهة مقنعة لم تظهر. في الأسبوعين الأوّلين، خصّص موقع لا بروفانس للقضيّة ما يقارب مقالًا في اليوم: شخصّية الجندي، بيئات المتحوّلين جنسيًّا، نظريّة تسوية الحسابات، وما إلى ذلك. لكن من خلف العناوين الرئيسية، كانت الأخبار الحقيقيّة نادرةً. قلّت المقالات بمرور الوقت، ومع نهاية شهر كانون الأوّل/ديسمبر، كان قد مرّ عام مذ أحجمت الصحيفة عن إفادة قرّائها بمعلومات عن القضيّة. لمعرفة المزيد، عليها الاتّصال بأحد رجال الشرطة الذين تولّوا التحقيق في ذلك الوقت. ولكن، قبل أربع وعشرين ساعةً من ليلة عيد الميلاد وبدون توصية من أحد، ستبوء محاولتها بالفشل لا محالة. ساعات طويلة من المناقشات الهاتفيّة المملّة التي لن تفضي إلى شيء.

انتقلت إلى القضيّة الأخرى. جريمة قتل القاضي في مقاطعة وارويكشاير بوسط إنكلترا. هنا أيضًا استهلّت بحثها من خلال الصحافة المحليّة، متنقّلةً بين موقعَي هاربورو مايل ووارويك كوريير، لكنّها سرعان ما أدركت أنّ هذه القضيّة جذبت اهتمام الصحافة الوطنيّة. ستراتفورد-أبون-آفون هي مسقط رأس شكسبير. كان حتمًا لجريمة قتل في هذا المعلم السياحي تداعياتٌ إعلاميّة. ما كانت تلك الجريمة؟ عُثر على قاضي المحكمة التجارية تيرينس بومان مهشّم الرأس وجيوبه فارغة في حدائق كنيسة الثالوث المقدّس. لم يطل التحقيق. فقد وُجدت ساعته وهاتفه ومحفظته في موقع البستانييّن الخاصّ بالكنيسة. تبع ذلك عدد من الاعتقالات واعترافات شخص في حجز الشرطة، اسمه جيمس ديلر، وهو مدمن مخدّرات سيّء السمعة يبلغ من العمر 21 عامًا، زار مختلف مراكز إعادة التأهيل.

مع قراءة أقوال الصحف هذه، اعترى روكسان مزيج من الحماس وخيبة الأمل. حماس للعمل، ولو بشكل غير مباشر، على سلسلة من جرائم القتل، وخيبة أمل من عدم الوصول إلى ملف التحقيق. فعلى عكس ما قالته لها جانفييه، لم يُذكَر جلد الماعز في جريمة القتل الثانية هذه. أيُعقل أن تكون قد خلطت الحابل بالنابل؟ أم إنّه دليل لم يُعلن في الصحافة؟ على أيّ حال، لم يتّضح سبب افتتان باتاييه بجرائم القتل هذه أو ربطها المباشر مع عبادة ديونيسوس.

أيقظ اهتزاز هاتفها الهرّ الملتصق بساقها. مكالمةٌ من رقم مجهول.

– غايتان يوردانوف. من فرقة الأبحاث والتحريّات الماليّة!

استقامت روكسان على وسادتها.

– روكسان مونكريستيين، الفرقة الوطنيّة للبحث عن الهاربين.

– أنا في إجازة، بدأ حديثه بنبرة توبيخ.

– افترضتُ ذلك، شكرًا لاتصالك بي.

– ما قصّة مارك باتاييه؟

– هل كنت على اتصال به مؤخّرًا؟

– لا، لم أتلقّ أيّ أخبار عنه منذ خمس أو ست سنوات.

– ومع ذلك، يظهر رقمك الشخصي في سجل مكالماته للأيّام الأخيرة.

– ولكن، عمّ تتحرّين هنا؟

– باتاييه في غيبوبة. أستأنف إحدى القضايا التي عمل عليها.

أخذ يوردانوف استراحةً طويلةً.

– في غيبوبة؟ هل الأمر خطير؟

– بين الحياة والموت، نعم.

– لقد… اتّصل بي الأسبوع الماضي. أرادني أن أساعده في تتبّع عمليّة نقل أموال.

– أيّ عمليّة؟

– لا أعلم شيئًا. قلت له أن يذهب إلى الجحيم. لست معتادًا على العمل خارج القانون.

– هيّا، أكيد أنّ اتّصال باتاييه بك لم يكن اعتباطيًّا. قام بذلك لأنّه كان يعلم أنّك ستساعده.

– هذا كلّ ما حصل، كما أقول لكِ!

– يمكننا أن نلعب بهذه الطريقة، يوردانوف، وسوف ينتهي بنا المطاف إلى استدعائك رسميًّا. ويمكننا أيضًا الانتهاء من هذه المسألة الليلة ويبقى اسمك خارج الإجراءات القانونيّة.

– محاولة جيّدة، لكنّ الأمور لا تسير بهذه الطريقة. يبدو لي أنّك أنتِ مَن يحقّق خارج الإجراءات القانونيّة. هيّا، وداعًا.

أنهى المكالمة قبل أن تتمكّن من التفوّه بكلمة أخرى.

تنهّدت ثم أغمضت عينيها مسترسلةً لدفء سريرها المصطنع، مصغيةً إلى صوت المطر وهو يطرق على نوافذ برج الساعة. لم تصبح الساعة السادسة بعد. كان اليوم الذي سبق عيد الميلاد وكانت مفصولةً من وظيفتها، وحياتها العاطفيّة صحراء قاحلة، تزعج الجميع والجميع يزعجها. لم تعد تتحمّل هذه المدينة، هذا البلد، هذا العصر، هؤلاء الناس، هذه التفاهات القذرة التي تصلنا عبر الراديو والصحف والإنترنت. هذا الانتصار العظيم للرداءة. في كلّ زمان. في كلّ مكان.

«أنا حزين، وأودّ لو أنطفئ. […] لا تكتب. فلنتعلّم أن نموت لأنفسنا فقط»… كانت كلمات مارسلين دي بورد فالمور تتردّد في رأسها. هذا ما أرادته، أن تنطفئ. فالشعلة التي كانت تحييها ذات مرّة قد خفت نورها وباتت ترتعش أكثر يومًا بعد يوم. لم يعد شيء فيها قادر على أن يلمع، أن يضيء، أن يُدفئ. اكتفت شعلتها بانتظار النفخة التي سوف تخمدها إلى الأبد.

* رواية مجهولة نهر السين لـ غيوم ميسو صادرة عن دار هاشيت أنطوان/نوفل في بيروت 2022

غيوم ميسو

هو الروائي الفرنسي الأكثر قراءة في فرنسا منذ عشر سنوات. ولد في العام 1974 في أنتيب، وبدأ التأليف خلال سنوات دراسته ولم يتوقّف منذ ذلك الحين. في العام 2004، ظهر كتابه «وبعد Et Après» الذي كان سبب لقائه بالجمهور، تبعته كتب ترجمت نوفل منها “الصبيّة والليل” (2019)، “حياة الكاتب السريّة” (2020)، و”الحياة رواية” (2021)، وأخيرا ترجمت سمر معتوق رواية مجهولة نهر السين للروائي الفرنسي غيوم ميسو.

تُرجمت كتبه إلى أربع وأربعين لغة وبعضها حُوّل إلى أفلام، كما لاقت نجاحًا كبيرًا في فرنسا وسائر أرجاء العالم.

غيوم ميسو، رواية مجهولة نهر السين
غيوم ميسو (دار نوفل)

خاص قناص – فصل من رواية

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى