جسدُ السردنصوص

فصلٌ من رواية «صوفيا بتروڤنا» لـِ ليديا تشوكوفسكايا | ترجمة: يوسف نبيل

في اليوم التالي أنهى مكتب الآلات الكاتبة بنجاح التقرير نصف السنوي. عرف الجميع أن المدير سوف يأخذ قطار الليل في هذه الليلة إلى موسكو حتى يقدم تقريرًا غدًا عن العمل نصف السنوي لدار النشر إلى قسم الطباعة الخاص باللجنة المركزية للحزب. حثت صوفيا بتروفنا الكاتبات على الإسراع. ظلت ناتاشا تكتب بلا توقف، ولا حتى لاستراحة الغداء.

في الثالثة كان التقرير على مكتب صوفيا بتروفنا من 4 نسخ، وصدَّقت على النسخ الأربع بعناية. لم تدخر المشابك، وأرفقت الورق ببعضه بعناية.

لم تتابع سكرتيرة المدير أمر التقرير، ومن ثم قررت صوفيا بتروفنا أن تسلمه التقرير بنفسها.

اصطدمت عند الأبواب نصف المفتوحة لمكتب المدير بسكرتير الحزب. قال لها من دون أن ينحني بالتحية، وهو يعرج متجهًا إلى غرفة أخرى «الدخول هنا ممنوع»، وبدا منظره أشعث تمامًا.

رأت صوفيا بتروفنا من الباب نصف المفتوح رجلًا مجهولًا جالسًا على ركبتيه أمام المكتب، وقد أخرج بعض الأوراق من الخزانة الصغيرة. امتلأت سجادة المكتب كلها بالأوراق. سألت صوفيا بتروفنا السكرتيرة العجوز:

  • في أي ساعة سيأتي الرفيق زاخاروف اليوم؟

أجابتها السكرتيرة بصوت منخفض جدًّا، تكاد شفتاها لا تتحركان:

  • لقد قبضوا عليه في الليلة الماضية.

كانت شفتاها زرقاوين.

أعادت صوفيا بتروفنا التقرير إلى مكتبها. عندما وصلت إلى باب المكتب شعرت أن ركبتيها لا تحملانها. صمَّ ضجيج الآلات الكاتبة أذنيها. هل عرفوا بالفعل أم لم يعرفوا بعد؟ إنهم ينقرون على الآلات الكاتبة كما لو أن شيئًا لم يحدث. لو كانوا قد أخبروها أن المدير مات، لكان ذهولها أخف وطأة. جلست في مكانها وبدأت تخلع المشابك آليًّا من الورق. دخل تيموفييف، وقد فتح الباب بمفتاحه الخاص. في البداية لاحظت صوفيا بتروفنا أنه بالرغم من عرج سكرتير الحزب، فإنه يسير باستقامة شديدة وتبدو مشيته منتظمة. قالت خائفة عندما اقترب منها: «عذرًا. اصطدمتُ بك عن غير عمد».

 في الرابعة والنصف رن جرس الانصراف أخيرًا. هبطت صوفيا بتروفنا درجات السلم صامتة، وارتدت معطفها وقبعتها في صمت أيضًا، وخرجت إلى الشارع. بدأ ذوبان الثلوج. توقفت صوفيا بتروفنا أمام إحدى البِرك، وفكرتْ كيف يمكنها أن تتخطاها. اقتربت منها ناتاشا. كانت قد عرفت الخبر بالفعل، فقد أخبرتها به إيرنا سيميونوفنا. قالت لها صوفيا بتروفنا عندما وصلتا إلى الزاوية التي تفترقان فيها عادة:

  • ناتاشا، هل تصدقين أن زاخاروف مذنب فعلًا في شيء؟ ما هذا الهراء! نحن نعلم جيدًا يا ناتاشا أن…

لم تستطع إكمال حديثها لتُعبِّر عن ثقتها فيه. زاخاروف بلشفي، وهو مديرهما الذي اعتادتا على رؤيته كل يوم. زاخاروف عنصر مخرِّب؟ هذا أمر غير ممكن. هذا هراء وعبث كما قال فيودور إيفانوفيتش ذات يوم. كيف يمكن أن يحدث هنا سوء تفاهم؟ إنه رجل حزبي بارز، وهم يعرفونه جيدًا في قيادة الحزب في لينينجراد وفي موسكو أيضًا، ولا يمكن أن يقبضوا عليه بطريق الخطأ. إنه ليس شخصية عادية مثل كيباريسوف مثلًا.

صمتت ناتاشا. بعدها ببرهة قالت فجأة بإجلال شديد:

  • سآتي معكِ إلى البيت وسأوضح لكِ كل شيء.

ذهبتا معًا. خلعتا معطفيهما في صمت. أخرجت ناتاشا من حافظتها القديمة جريدة مطوية بعناية. بسطت الصحيفة أمام صوفيا بتروفنا، وأشارت لها إلى مقالة بعينها. ارتدت صوفيا بتروفنا نظارتها. همست ناتاشا:

  • لقد أغووه يا عزيزتي. امرأة…

بدأت صوفيا بتروفنا تقرأ المقالة.

حكت المقالة عن المواطن السوفييتي (أ)، وهو عضو شريف في الحزب أمرته الحكومة السوفييتية بالذهاب إلى ألمانيا بهدف فهم طريقة استخدام مركب كيميائي اكتُشِف حديثًا. أتم واجبه بأمانة في ألمانيا، لكنه سريعًا ما انجذب إلى السيدة (س)، وهي شابة أنيقة زعمت تعاطفها مع الاتحاد السوفييتي. زارت السيدة (س) مواطننا كثيرًا في شقته. ذات مرة اكتشف المواطن (أ) فقدان وثائق سياسية خطيرة من مكتبه. أعلمته مالكة الشقة أن (س) جاءت إلى غرفته في غيابه. اتسم المواطن (أ) بالشجاعة الكافية ليقطع علاقته فورًا بالسيدة (س)، لكنه لم يتسم بالشجاعة الكافية لإبلاغ الرفاق بسرقة هذه الوثائق. عاد إلى الاتحاد السوفييتي، آملًا في أن يُكفِّر بعمله الشريف كمهندس سوفييتي عن جريمته. ظل يعمل طوال العام في هدوء، وبدأ يتناسى جريمته بالفعل. إلا أن عملاء الجستابو المتنكرين الذين اخترقوا بلادنا بدأوا يبتزونه. تحت تأثير الخوف منهم سلَّمهم المواطن (أ) خططًا سرية للمصنع الذي يعمل فيه. كشف أعضاء لجنة مكافحة الثورة المضادة والتخريب الباسلون عملاء الفاشية، وأدت التحقيقات إلى المواطن (أ) البائس.

سألتها ناتاشا هامسة:

  • أتفهمين؟ مكتوب: «أدت التحقيقات…»، إن مديرنا إنسان صالح بالطبع، ورجل حزبي شريف. مكتوب هنا أيضًا أن المواطن (أ) كان حزبيًّا شريفًا في البداية. يمكن لأي رجل حزبي شريف أن يقع في حبال امرأة فاتنة.

لم تكن ناتاشا قادرة على احتمال النساء الفاتنات. لم تعترف بسوى الجمال الصارم، ولم تجده في أحد قَط. تذكرت ناتاشا وقالت:

  • يُقال إن مديرنا سافر إلى الخارج في مهمة. أتتذكرين حينما حكت لنا عاملة المصعد ماريا إيفانوفنا عن أنه جلب لزوجته من برلين بدلة زرقاء محبوكة؟

أذهلت المقالة صوفيا بتروفنا، وبالرغم من كل شيء لم تصدق ما قرأته. هذا المواطن (أ) شخص، وزاخاروف شخص آخر. هو من أبلغهم عن عملية المحاكمات بوصفه عضوًا مرموقًا في الحزب، وفي ظل قيادته حققت دار النشر دائمًا زيادة على الخطة الإنتاجية. قالت صوفيا بتروفنا منهكة:

  • ناتاشا، نحن نعرف جيدًا أن…

قالت ناتاشا بحماسة:

  • ما الذي نعرفه تحديدًا؟ نحن نعرف أنه كان مدير دار النشر التي نعمل فيها، ولا نعرف أي شيء شخصي عنه. هل أنتِ على علم بكل تفاصيل حياته؟ هل يمكنك أن تشهدي على ذلك؟

في حقيقة الأمر لم يكن لدى صوفيا بتروفنا أدنى تصور عما يفعله الرفيق زاخاروف حينما لم يكن في الاجتماعات التي ترأسها، ولم يصطحب ابنته حول شجرة العيد. الرجال كلهم بلا استثناء يحبون النساء الفاتنات. يمكن لأي خادمة وقحة أن تغوي أي رجل، حتى لو كان محترمًا. لو لم تكن صوفيا بتروفنا قد طردت خادمتها فاني في الوقت المناسب، لما عرف أحد إلام كان تغنجها أمام فيودور إيفانوفيتش سيفضي. قالت صوفيا بتروفنا:

  • لنشرب الشاي.

في أثناء شرب الشاي تذكرتا أن زاخاروف تميز بهيئة عسكرية من حيث الظهر المستقيم والكتفين الواسعتين. ألم يكن في الماضي ضابطًا في الحرس الأبيض[1]. من حيث العمر يمكن أن يكون الأمر كذلك تمامًا.

شربتا الشاي من دون تناول أي حلويات معه. شعرت كلتاهما بالإنهاك الشديد الذي منعهما من الذهاب إلى المتجر لشراء كعكة أو أي حلويات. قالت صوفيا بتروفنا في نفسها: «غدًا سوف يكون يومًا صعبًا في دار النشر. الأمر يبدو كما لو أن جثمانًا ميتًا في المنزل. مهما قالوا لا يمكن إلا أن أشعر بالأسف على المدير». تذكرت باب مكتبه الموارب، والرجل الجالس على ركبتيه أمام المكتب. لم تفهم إلا الآن من هذا الرجل الذي انخرط في التفتيش.

استعدت ناتاشا للانصراف. طوت الجريدة بعناية وأخفتها في حافظتها. ثم سكبت الماء المغلي لنفسها في الكأس، وأخذت تدفئ يديها الحمراوين الكبيرتين بالكأس قبل الانصراف. في طفولتها تعرضت يداها لضربات الصقيع، ومن ثم تشعر دائمًا بتجمدهما.

فجأة رن الجرس. رن مجددًا. مضت صوفيا بتروفنا لتفتح الباب. رن الجرس مرتين[2]، وهذا يعني أن الزائر قادم لها هي دون غيرها. من يمكن أن يأتي في مثل هذا الوقت المتأخر؟

كان الطارق أليك فينكلشتاين.

بدت لها رؤية أليك بمفرده، من دون كوليا، أمرًا غير طبيعي.

صاحت صوفيا بتروفنا: «كوليا؟!»، وهي تمسك بأليك من طرف وشاحه المنسدل. «هل أصيب بحمى التيفوس؟».

خلع أليك الكالوش ببطء من دون أن ينظر إليها. أخيرًا قال:

  • هششش! دعينا ندخل!

دخل الرواق، سائرًا على رؤوس الأصابع، وقد تقوست ساقاه القصيرتان بصورة مضحكة. تبعته صوفيا بتروفنا، ولم تكن قد استجمعت شتات نفسها بعد. قال لها عندما أغلقت الباب:

  • بحق الله لا تخافي يا صوفيا بتروفنا. اسمعي ما سأقوله لكِ بهدوء من فضلك، ولا تخافي، فالأمر غير خطير فعلًا. ليس هناك ما يثير الهلع. يوم قبل… يوم قبل أمس، أم متى؟ في اليوم السابق للعطلة قبضوا على كوليا.

جلس على الأريكة، وفك وشاحه بيديه وألقاه على الأرض وبكى.

* الرواية صدرت حديثاً عن دار الرافدين 2022.


[1] القوات الموالية للنظام القيصري القديم والتي حاربت القوات البلشفية إبان فترة الحرب الأهلية.

[2] نظرًا لوجود سكان كثيرين في الشقق المشتركة يتم الاتفاق على دق الجرس لكل منهم عددًا مختلفًا من المرات.

ليديا تشوكوفسكايا (1907-1996): شاعرة وروائية روسية.

مصدر الصورة: theblankgarden.com

خاص قناص – فصل من رواية

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى