فصل من رواية: حُراس الحزن | أمير تاج السر

الفصل الثالث 

لم يأت سعد نزوة في تلك الليلة كي نبيت معاً ونسافر في الصباح إلى خور عاج كما هو متّفق. قضيت ليلة مضطربة أنتظره، استخدمت فيها كلّ حيل التناسي، والإهمال، وإطفاء الرغبات ومراقبة الكوابيس المحتملة، من أجل أن أنام، لكنّ ذلك لم يحدث، لم أكن أملك وسيلة مواصلات أستخدمها لتفقده في بيته الذي كان في أطراف المدينة، في حيٍّ لم يُسمَّ بعد، وكانت أجهزة الهاتف نادرة جدّاً ولا توجد إلّا في الإدارات المهمّة وخدمات الطوارئ. 

بعد الفجر بقليل نهضت من سريري، جلتُ قليلاً في صالة البيت، والغرفة الأخرى التي لا أنام فيها إلّا نادراً، وكان فيها غرباء يوم أمس، وعثرت على بقايا ذلك العطر الغامض الذي اعتبرته عطر امرأة، لم أكن واثقاً… وسّعتُ حاسّة شمّي، حشرتها في زوايا الهواء المتيبّس داخل الغرفة، لكنّي لم أميّز شيئاً آخر. ربّما كان عطر أحد الغرباء، أو لعلّه عطر الصبيّ المغنّي، ونسبته إلى امرأة بلا وجه حق. غادرتُ الغرفة ووقفت في المطبخ قليلاً، كان مرتّباً، عملت فيه أيدٍ كثيرة يوم أمس وأعادته أقرب إلى مطابخ الأسر منه إلى مطابخ العزّاب. حتى فتّاحة العلب الصدئة التي أستخدمها كثيراً وأنسى غسلها في كثير من الأوقات، كانت مغسولة، والراديو القديم، من ماركة فيليبس، الذي أحتفظ به هناك في الغالب، وأستمع منه إلى الدنيا من حين لآخر، كان موجوداً في مكانه، وقد تمّ تلميعه جيّداً. فتحته، أدرته على المحطة الوطنية، وكان ثمّة خبر عن صراع قبلي في مكان ما من الوطن، وآخر عن صراع قبلي في مكان آخر، وثالث عن صراع قبلي، في مكان ثالث. قبل أن ينطق ليتحدّث عن صراع قبلي رابع، أغلقته. 

بدأت أفكّر في سعد نزوة مرّة أخرى، ذلك الصديق القديم الذي غاب زمناً طويلاً قضاه جندياً في الجنوب والغرب، وصحراء الشمال، كما ذكر، قبل أن يعود ويعمل معي في إدارة الحكومات المحلّية. أفكّر فيما حدث له، فليس من المألوف أن يجمّع شخصٌ غرباء بهذا العدد في بيت صديقه للاحتفال، ثمّ لا يأتي. وأيضاً كان غريباً جدّاً أن ينتهي اليوم كلّه ولا يأتي، ومن المفترض أن ننطلق بعد ساعة أو ساعتين على أكثر تقدير في سكّة السفر. فكّرت بجدّية شديدة. الجدّية التي تقترح أمراضاً وحوادث طارئة، ومشارح، وبيت عزاء، ونواحات. فكّرت بجدّية أشدّ، تلك التي تقترح السجون ومعتقلات التعذيب في عهد حكم متشنّج وقبيح. حاولت أن أفكّر بتراخٍ، وأن أتخيّل صديقاً سكر في بيتٍ سيّئ، أو ماخور، ينام مسمّماً بالشبق. بدا لي ذلك التفكير الأخير مناسباً مع واحد مثل نزوة، بلغ منتصف الثلاثينات من العمر، وما زال يتحدّث عن بنات الهوى المستهلكات منذ أوائل الستينيات، باللهفة نفسها التي يمكن أن يتحدّث بها عن فتاة عذراء. 

تنفّضتُ من تلك العذابات، غيّرت ملابسي المجعّدة سريعاً، واتّجهت إلى باب البيت. كان النهار قد طلع، والشارع غدا مطروقاً بباعة الحليب والفحم، والكيروسين، وقليل من العمّال، وطلبة المدارس، وكان المغنّيان المعوجّان، ما يزالان يتسكّعان قريباً من بيتي، وعلى فم كلّ منهما سيجارة منطفئة.  

ناديتهما: «أنت، وأنت…» 

اقتربا، كانا ممتلئين بالسهر كما بدا في العيون الحمر القاحلة من كلّ معنى أخّاذ، والشفاه اليابسة، المقشّرة من فعل التدخين طوال الليل، وقد لعب المغنّي الأكبر سنّاً بشاربه كما يبدو، مستخدماً موسى قديمة أو صدئة، فقد كانت ستة جروح واضحة في مكان الشارب. 

قلت:  

– ألا تنامان أبداً؟ 

ردّ الصبيّ المكحّل، وثمّة ضحكة قذرة نطّت من بين شفتيه واتّجهت عنيفة إلى أذني:  

– النوم ضارّ بالصحّة يا سيّد. 

أضاف المغمور صاحب الشارب المجرح:  

– جدّاً.. جدّاً. 

أضاف مرّة أخرى، وقدماه تتعاركان في شبه رقصة:  

– جدّاً.. جدّاً.. جدّاً. 

خطر لي أنّهما مزوِّران، وأنّهما شخصان آخران غير الشخصين اللذين من المفترض أن يكونا. هذا المجروح الشارب لستُ واثقاً من اسمه بالرغم من أنّني صادفته مراراً في صفوف المخابز، والكيروسين المدعوم من الدولة، ومزادات السلع الهامشية، وميادين كرة القدم الترابية، واشتركنا مرّة مع آخرين من سكّان الحيّ في جمعية بخمسة جنيهات، يقبضها واحد منّا كلّ شهر، وكنت قد استغللت صرفتي في شراء ثلاجة كبيرة من ماركة كلفينيتور. أيضاً استأجرت الفرقة التي يغنّي فيها بتكليف من أحد زملائي في العمل، لحفل زفافه. قد يكون اسمه عبد العال، أو مرتضى، أو ميرغني… ما اسمه؟ لا أعرف حقيقة. 

قلت بهدوء:  

– عفواً يا رفيق، نسيت اسمك. 

ردّ، وأيضاً نطّت من حلقه ضحكة قذرة، شبيهة بالتي نطّت من حلق الصبيّ: 

– لا مشكلة يا سيّد، أنا شخصياً نسيت اسم جدّتي لأمّي، ولا أحسّ بالحرج، سأذكّرك: اسمي عبد العال، وينادونني مرتضى، وأحياناً ميرغني. 

وقفتُ متسمّراً أتخيّل الانفعالات التي لا بدّ تفاقمت وتراكمت على وجهي. اتّضح أنّني أجيد تذكّر الموادّ المنسيّة، أو حتى تلك التي لا أعرفها. كنت أعرف اسم لاعب الكرة السابق، من دون أن أكون أعرفه، والآن أعرف اسم المغنّي، ولقبين يخصّانه، من دون أن أعرف أنّني أعرف. 

فجأة أحسستُ بنشوة فيها هلع، أحسست بأنّني يمكن أن أكون أعرف اسم هذا الصبيّ المكحّل أيضاً، بالرغم من أنّني لا أعرفه، ولم أسمع به أبداً قبل صباح أمس، قلت في سرّي، اسم التائه يشبهه، لا أحد بهذه المواصفات الآثمة يمكن أن يكون إسمه سالم أو سعيد أو أيّ اسم آخر فيه بشاشة أو استقرار. 

– وأنت، ما اسمك يا صغير؟ 

التفتّ إليه، لم تأسرني عيناه المكحّلتان، على العكس أضافتا لي أسىً كثيراً. تُرى من أين أتى هذا الولد؟ من تكون أمّه؟ من يكون أبوه؟ ما العائلة التي انسلخ عنها؟ 

ردّ:  

– تخلّيت عن اسمي منذ كنت في العاشرة، واتّخذت أسماءً عدّة، والآن أنا بلا اسم، سمّني أنت بما تراه، وسأقبل… 

قلت:  

– التائه، أجده يناسبك. كنت أعرف شخصاً يشبهك اسمه التائه. 

في الحقيقة، لم أكن أعرف شخصاً يشبهه، ولا عرفتُ شخصاً اسمه التائه أبداً في حياتي، إنّها الزيادات المطلوبة عند نصب أيّ فخّ، لكن هل هذا فخّ؟ ربّما. 

ردّ:  

– قبلت بالإسم، والآن أعطني رسوم تسجيله رسمياً لدى الدولة. 

ضحك، الضحكة القذرة التي ينبغي أن أنفض أذني منها سريعاً، وهذا ما فعلته، زميله عبد العال لم يضحك، قال:  

– في جيب هذا السيّد نقود كثيرة، أنا واثق من ذلك، خذ خمس جنيهات، لا أقلّ من خمسة جنيهات. 

التفت إليّ: 

– وإن دفعتَ عشرة فسنحرس بيتك في غيابك. 

أضاف الصبيّ:  

– نعرف أنّ أختك لن تقيم هنا كما ادّعيت، لكن نحن في الشارع… نغنّي ونرقص، ونحرس البيوت. 

وبدأ يغنّي نشيداً وطنياً اسمه حماة الديار، يردّدونه من أيّام المستعمر الإنجليزي، ولم يشكّل وجدان أيّ مواطن حرّ في البلاد بالرغم من محاولة كلماته أن تشكّل وجدان أحد ما، خاصّة حين تصف العدوّ بالفعل الماضي، كناية عن أنّه كان وانتهى. هو الصوت الخطأ ذاته الذي كان يحاول الانطلاق في بيتي أمس، فقط أحسست أنّ فيه دمعة. أخرجت عشرة جنيهات من جيبي، منحت نصفها للتائه، ونصفها لعبد العال، ودخلت بيتي. يوماً ما سأعرف شيئاً عن هذا الولد، وإن كان يستحق تنظيفه وتنظيمه، أم ركله بأقسى أحذية تملكها القلوب؟ 

أمير تاج السر؛ روائي سوداني يعمل طبيباً. نال جائزة كتارا للرواية في دورتها الأولى عام 2015 عن «366»، ووصلت بعض عناوينه إلى القائمتين الطويلة والقصيرة في جوائز أدبية عربية مثل البوكر والشيخ زايد، وأجنبية مثل الجائزة العالمية للكتاب المترجم (عام 2017 بروايته «العطر الفرنسي»، وعام 2018 بروايته «إيبولا 76»). تُرجمَت أعماله إلى عدّة لغات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى