فصل من رواية “رغبة” لـِ فيليب سولرس | ترجمة: عيسى مخلوف

آثار

 الثقة هي المفتاح. يستحيل أيّ شيء من دونها، وتتعذّر الحركة التي أحاول بلوغها. ذراعي قد تتيه بعيدًا منّي، ولا أجد الكلمات التي أبحث عنها. لكنّها هنا، لحسن الحظّ.

الثقة هي الطريق الآمن. تفتح الدرب، تُزهر وتتكلّم. للإنسان الخيار بين ثلاثة مسارات. الأوّل، فارغ، غامض ووَعر. وهو يؤدّي إلى المسلك الثالث، مسلك الجموع التي تعيش بين مدّ الخطأ وجزره. وحده المسلك الثاني، لمن لديه رغبة جامحة في الحرّيّة، يقود إلى الحقيقة. كم من المغامرين المُلهَمين مَرُّوا من هنا؟ نحن نجهل عددهم. لقد وضعوا ثقتهم بأكملها في هذه الوجهة التي كانت تناديهم، والتي لم تُدرَج في خريطة. وحدها الرغبة الخاصّة جدًّا هي التي ابتكرَتها.

 في العام ١٧٩٠ (سجّلوا بعنايةٍ المكان والزمان)، نشرَ لْوِي كْلود دُو سانْ مارتان، المعروف بلقب “الفيلسوف المجهول”، كتابًا عنوانه “إنسان الرّغبة”، وهو إعلان ثوريّ واضح لعصر “التنوير”:

 “لتكن مباركًا، أيّها النُّور الساطع، الإشراق المرئيّ للنُّور الأبديّ الذي استمدَّ منه فكري وجودَه.

وما كنتُ لأمتلك القدرة على مشاهدتك مليًّا لولا أنّ فكري لم يكن شرارةً من شَرارك”.

 يبدأ بقوّة وهو يقول إنّ عجائب الربّ تبدو كأنّها مرميّة، بلا نظام ولا مَقصَد، في المدى الشاسع، وإنّها تتألّق، مبعثرةً، كتلك الأزهار التي لا تُحصى، والتي يزيّن بها الربيعُ المروج. “الكائنات كلّها تحرص عليك. علاقتها السرّيّة بك هي ما يمنحها قيمة، مهما كانت المكانة التي تشغلها”.

 هذا كلّ ما يلزم، إذًا، للوصول إلى المقصلة، بعد أربع سنوات تحديدًا. لكنّ الحقيقة ليست كذلك. التاريخ أكثر غموضًا ممّا نتصوَّر.

 وُلِدَ سانْ مارتان في العام ١٧٤٣ في مدينو آمْبوازْ، وتوفّي في أُولني سُو بْوا العام ١٨٠٣ (تذكّروا هذين التاريخَين). عندما كان يخضع للتدريب العسكري في مدينة بُورْدُو، في فترة شبابه، تأثّر بيهودي قابِليّ غير معروف كما ينبغي، يدعى مارتينيز باسكاليس* (باسكاليس، أحد متنوِّري القرن الثامن عشر.). في العام ١٨٠٢، قبل عام واحد من وفاته، نشرَ كتابه العظيم “وظيفة الإنسان – الرُّوح” القريب جدًّا من كتاب “السرّ الكبير” ليعقوب بُوهْمه (١٥٧٥-١٦٢٤)* (يعقوب بوهمه، صوفيّ ألمانيّ.). يهبُّ الوحْيُ أينما شاء ومتى يشاء. ولقد جعل صوته مسموعًا قُربَ نافذتي.

سأطلب من لورانس، صديقتي التي تزاول مهنة المحاماة في بُورْدُو، أن تجري بحوثًا حول الحضور الرُّوحي للفيلسوف المجهول في هذه المدينة. فهي، بالتأكيد، لديها المعارف والعلاقات اللازمة لتنفيذ هذه المهمّة.

فيليب سولرس (wikipedia.org)

فيليب سولرس: كاتب، روائي، باحث وناقد فرنسي، أسس في 1960 المجلة الطليعية “تِل كِل”، وفي العام 1983 مجلة “لينفيني”. من مؤلفاته: “فردوس”، “نساء”، “صورة اللاعب”، “العيد في البندقية”، “السر”، “كنز الحب”، “رحالة الزمان”.

عيسى مخلوف: كاتب ومترجم لبناني يقيم في باريس (صفحة المترجم على فيسبوك)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى