فيلم “أصحاب ولا أعزّْ”: تلكَ الشعرةُ التي قَصمتْ ظهرَ البَعيرْ| أنور محمد

 هي مسألة إخضاع الناس عن طريق “الميديا” ومنصَّاتِها بكل أجناسها لإيديولوجيا القوَّة الُعظمى لتغيير الخارطة الأخلاقية لهم. إنَّها السينما والتلفزيون والموسيقى والرياضة التي تصنعها هذه القوَّة، فَتُدجِّن وعيهم. فالسينما يبدو أنَّها ما عادت تشتغل أفلامها على الموضوعات الإنسانية الكبرى؛ فمثلاً هي غير مستعدة الآن لصنع أفلام عن روايات لشكسبير أو لبلزاك أو تشيخوف أو ديستويفسكي أو لجون شتاينبك وإرنست هيمنجواي أو إدوار إلبي. وكذلك هي غير مستعدة للاحتفال بولادة مخرجين سينمائيين مثل إيزنشتاين، بازوليني، فيلليني، لوزي، ستروهيم، بونويل، رينوار، غودار. هي مع سينما ماؤها مُوحل ليس كما فيلم “أصحاب ولا أعز” عن  الفيلم الإيطالي (Perfect strangers ) وهي النسخة رقم 19 له، ولكن؛ لأنَها ضد الطهارة الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، ومن ثمَّ الفلسفية. مع إنَّ هذا الفيلم الذي أثار كثيراً من اللغط واللغو على السوشيال ميديا منذ عرضه على منصة “نتفليكس” الأمريكية وهي الشركة المنتجة، يوم 20- يناير 2022 من إخراج وسام سميرة تمثيل: منى زكي وإياد نصار وعادل كرم ونادين لبكي ودايموند عبود وجورج خباز وفؤاد يمين، هو فيلم؛ وإن كان من الأفلام القانصة باعتبار أنَّ المشاهدين فرائس، إلاَّ إنَّه فيلم مُسلٍّ، وهذا ما استغرق فيه الممثلون خاصة منى زكي ودايموند عبود إذ كانتا تتكلمان لتتسليان؛ لا تمثلان، فلا نرى من دوريهما/ فِعلَيْهما سوى قشرة الشخصية لا الشخصية: روحها ومضمونها الطقوسي. منى زكي كانت تُصوِّت، كانت تصرخ، كانت تثرثر، لم تستخدم وجهها، جذعها، أطرافها كما كان يفعل الممثل عادل كرم، باعتبارها وسائط تعبيرية للممثل، وأنَّها تُمثِّل أمام كاميرا وليس أمام متفرِّج على خشبة مسرح، إذ كانت مع بقية الممثلين يؤدُّون أدواراً على غاية من الأهمية، أدواراً تكشف عن قسوة وعنف الصراعات النفسية، إذ ستعود الشخصيات إلى عالمها الأصلي بعد أن تتكشَّف أوراقها، فيكسرون أو يحطمون تلك الأوثان التي في أعماقهم، وأنَّ حكاية الفيلم تقوم على توليد نظام جديد من الفوضى- هي تفكيك للعمارة النفسية والمادية للإنسان حين لا يرى من سلوكه سوى اللون الأبيض فيما هو غارق في السواد.

 ما الذي جرى أو تحطَّم أو سقط من قيم اجتماعية لتعلوا كل هذه الصراخات والاحتجاجات على “السوشيال ميديا” لمجرَّد أنَّ سروال الممثِّلة الداخلي في فيلم سينمائي قد سحل أو خلعته ووقع على الأرض، ومن ثمَّ حملته ووضعته في حقيبتها؟؟؟ والكاميرا السينمائية صوَّرته ليس كما في أفلام (البورنو) التي تمتلئ بها الميديا. اللقطة هي إشارة- بالتأكيد جنسية، ولكنِّها لضرورة فنية في سياق اللعبة الحكائية للفيلم. هل أُهينت القبيلة العربية ومُرِّغ شرفها؟ ما هذا الفكر أو الأحكام الجاهزة. ماهو الفعل المهين والجرمي واللا أخلاقي الذي لحق بنا. أين العقل؛ مع إنَّ السينما العربية مليئة بمشاهِد جنسية فيها الكثير من الشبق؟ إلاَّ هذه اللقطة لسروال ممثِّلة التي صارت تلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير؟

 الفيلم “أصحاب ولا أعز” لايستحق كل هذا الضجيج، فيُكفَر زوج الممثلة إن لم يطلقها؟ أهكذا سنصنع نهضتنا. كأنَّ مرحلة الاهتياج الثوري لفلسطين والحرية والكرامة قد ولَتْ.

المًخرج وسام سميرة في هذا الفيلم لم يبتدع مشهداً يستحق كل هذا (الثوران)، والمُشاهِد للقطة وإن بدت مُصطنعة، إلاَّ إنَّها ليست قاسية ومُذلَّة للذَكَر العربي الذي مايزال يعتز بفحولته، لا بعقله. قد تبدو اللقطة غير محتشمة وفظَّة للبعض، ولكن المخرج لم يعاملها كما بدا، على إنَّها المرأة الممثِّلة مادَّةً للشهوة الجنسية، ولا على إنَّها بهيمة إنسانية.

 لقد تحوَّل جمهور السوشيال ميديا من خلال هذا الفيلم إلى مجموعة من القانصين يتطاحنون فيما بينهم، وعلت أصوات غرائزهم على صوت العقل. مع إنَّ الفيلم لاصور شبقية فيه، لا سيقان مرفوعة، ولا صدور مفتوحة، لكن كما قرأنا على السوشيال ميديا (بنتنا- أي الممثِّلة منى زكي- قلعت كيلوتها قدام الكاميرا) وتعليقات كثيرة مثيلة لها، مع إنَّها كانت لقطة إشارية، والسينما لغة إشارات وإحالات، لأنَّها تفترض مُشاهدين أذكياء أو نصف أذكياء، وليس حمقى وأغبياء. مع إن السينما العربية تحفل بالكثير من المَشاهِد وليس الإشارات الجنسية المثيرة للغرائز. الفيلم لا غائية شبقية له، فلا عري موعود ولا ممنوع لتقديم بلاغ ضد الممثلة.

 والفيلم مقارنة مع النسخة الإيطالية الأم جاء بصورة لا تجريد غنائي فيها، لاعلاقات بين الظل/الظلام، والنور. لقد بقينا في الغرفة طيلة زمن الفيلم- سبعة أصدقاء في غرفة بثلاثة أضلاع، والرابع مفتوح على المُشاهِد، مع مائدة طعام عشاء، وثلاثة أزواج، فيما السابع المُفرد الممثل فؤاد يمين هو صديق مُشترك لم يستطع اصطحاب صديقته إلى هذا العشاء العلني فيصير عددهم ثمانية، حيث سيتحوَّل (الموبايل) أو الهاتف الجوال، بطلبٍ من المُضيفة صاحبة الدعوة إلى بطل السهرة أو اللعبة. الفيلم هو نسخة (كوبي) لا يتطلَّب من المُخرج أن يأتي بإعجاز، هواتف جوالة تتكلَّم في الحاضر تحاول أن تؤزِّم المشاهد دون أن تذهب به إلى الانفجار، والمخرج طيلة زمن الفيلم كان يصوِّر كتلاً منفصلة- غير متصلة من الألوان- كُنَّا مع إضاءة وألوان عادية، لا إحداثيات طبعية، لا عنف مكبوت ولا سكينة متحققة، فالراهن يندغم في الكامن، حتى على صعيد البناء الدرامي، لأنَّ هذه اللعبة مكشوفة ونتائجها مُسلَّمٌ بها، ولسبب أنَّ الفيلم في نسخته العربية هو صورة (ذهنية) وليست مادية؛ فرقٌ بين الفيلم المادي مثل فيلم (ريش) للمخرج عمر الزهيري على سبيل المثال، لأن صراعاته، أو المصائر التي ذهب إليها؛ لتحقيقها؛ هي واقعية- غير متخيلة، بينما في “أصحاب ولا أعز” فهي صورة مُتخيَّلة ومتكررِّة، وتتكرَّر كثيراً في السينما التجارية العربية والعالمية، لأنها من جانب آخر هي صورة حكي لا صورة أفعال؛ موت، ولادة- طفولة، شباب، شيخوخة.

 أين صوت العقل’ وكيف تفعل بنا هذه (الميديا) العُظمى، وكيف مرَّت علينا تلك السينما العظيمة التي مجَّدت الإنسان ودافعت عن حريَّته وكرامته؛ كان في السينما السوفياتية، أو ما جاء بعدها؛ سينما المستقبلية، والشكلانية، والتعبيرية الألمانية، والواقعية الجديدة، وسينما التحليل النفسي، حتى لتحسبها سينما من أحاسيس؛ أو لأحاسيس بصرية، وصوتية وشمية ولمسية.

خاص مجلة قنآص

أنور محمد؛ ناقد سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى