قصائد لـِ سنيّة صالح | تُلقيها نور نصرة

احتضار امرأة

الخريفُ في الغابات

بين الأوراق

الليل يهبطُ أطرافي

ويُعتّقني البكاء

عاجزة أن أعيدكِ إلى مخيّلتي أيّتها الغائبة

فأيّة عبارة حكيت للأشياء المنسية

ساعة المغيب

أيّة ورقة ضممت لحظة

البرودة

وبأيّ حوار فاجأتك الفصول

يا امرأة هائمة مع أنين الليل والمطر

وأية كآبة تزرعين

وأنتِ في الظّل؟

لنضم رؤوسنا ونصلّ

أمام طيور الليل

لأن سفر الموتى شاق

وبعيد

والمرأة مطروحةٌ على سرير

الشوك

والشّعر موج من البحر

وموج من الدم

للخريف رائحة الموانئ

الزنخة

وغير مجد جنونه

فلنضم رؤوسنا ونبك

أمام جسد المرأة

ونرسل صراخاً عالياً

حتى ذروات القلب.

لقد احتضرت بقساوة الطائر المذبوح

ورحلتْ

كما يرحل النّسر المنهزم

مع أنثاه.

لأن السماء أكثر تعاسة

من عيوننا

والنشيج يهزّ أعماقنا بالسياط

فلنلو رؤوسنا كالبجع الغريق

المرأة متوّجة بجراحها

والصياد يطارد ظلّه

الفارس يصطاد جراحه

وأنتِ أبداً يطاردك الموت

سيوفه الحزينة.

دموعنا متكاثفة من أجلك

كسفن مليئة بالغضب

لأفكارك رائحة الرعب

“كانت تحمل رعباً خفياً

بين النهدين المتعبين…”

يا حبيبتي، موتك هزيمتي الكبرى

وعويل بشر لا نهائي.

إنها الغابة الشاحبة

حيث الشجرة تنفض الشجرة

والكلمات الكاذبة تربض على القصائد

حيث الفراشات مصلوبة فوق نيرانها

والحبّ معلّق بين الأشجار

يا حبيبتي، يا أميرة الموت والأطفال

صدرك ملطّخ بدماء الأباطرة

وموتك هزيمتي الكبرى.

أحزان العصافير

حين تنطلق العصافير الأسيرة

تُضاء كالنجوم

وترفع أشجار الخوخ

أغصانها عارية تحت الثلج.

العصفور الذي يولد مع الليل

يُغرّد بين قلبي وقلبك

وحين يجفل، نضيع.

أولد مع الظل

وأموت عارية في الضوء

حيث البنفسج هو الذكرى الوحيدة

من بقايا الروح.

حلمتُ بالابتسامات القديمة

رفعتها للنّار

فصار وجهي رماداً.

لأجلك يا حبيبي

سأصير أحجية

سأحمل أوراقي، كلّ أوراقي

وأحرقها

قبل أن يُفاجئني الندم

قبل أن ينفتح الباب على الهاوية

ولدت من الضوء يا امرأة العاصفة

وإليه عدت

ونسيت سوطك على الوجه

القشّ يفرط حبّات الصمت

والطائر القرمزي يفرش جناحه

ويُنهض الأسرار

وتغيب صورتك تحت أضلاعي

وذاكرتك تضغط أنفاسي

حتى الاختناق.

في الشتاء

تنامُ أفكارنا وورودنا

كما تنام العصافير الآتية في أواخر الليل

وهي تحمل الخوف والانتظار

بين أجنحتها الصغيرة.

حينما تحلم الطيور الصّغيرة

ويغمر مناقيرها الوردية

جناح مبلل

تترك رؤوسها للريح

حيث تموج باتجاه الحلم.

ترتعشين كالعصافير

إذ تضرب خواصرها أجنحة الريح

والمطر

فوق أحزان المساء

أراك مطفأة.

قبل أن يدركني اليأس

أقفلي يا صغيرتي ذراعيك الخائفتين

حولي

وارمي مفتاحهما في البحر

وأغلقي دهشة عينيك بعيني

كي لا تري أصابعي ترسم

على الحراب

كي لا يفاجئك العويل

يا ساحرتي

يا امرأة تغزل شعرها في الشمس

من أجل الحزن والسفر عبر الأنهار

من أجل الحبر الممزوج بالدماء

 رفعتُ وجهي بريئاً

كعصفور يرتعش تحت المطر.

سنية صالح؛

شاعرة سورية من مواليد مدينة مصياف عام 1935، توفيت في باريس عام 1985، وهي زوجة الكاتب السوري محمد الماغوط.

نور طلال نصرة؛

شاعرة سورية. صدر لها: جدران عازلة للصوت؛ شعر، خريف يفتح فمه؛ شعر.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى