ما قاله لقمان سليم لحظة نهوضه | عبده وازن

ثم شرع كل منهم يطلق رصاصة

الأولى اخترقت كتفي فنبتت وردة

الثانية اخترقت صدري فطار عصفور

الثالثة اخترقت وجهي فسال ماء

الرابعة اخترقت رأسي فهبت فكرة.

ثلاثة ملثمين أوقفوني على الطريق

أنزلوني من السيارة

في هزيع ليل ينتشر في مآقيهم

سألوني هل أنت لقمان سليم

هم يعرفون جيدا من أنا

لكنها سخرية قدرهم

من شفاههم تفوح رائحة معدن

وفي أصواتهم بحة حمراء

ربما من شدة ما غرفوا من نجيع

كبلوا معصميّ وقادوني إلى سيارة أخرى

هذا ما أذكره جيدا.

رموني على المقعد الخلفي

ثم انهالوا عليّ ضربا ورفسا

حنجرتي مخنوقة خوفا، ربما

ربما كآبة،

تألمت كثيرا ولمرة أولى اختبر مثل هذا الألم

ألم المخطوفين المعذبين في السجون

في الأقبية المعتمة.

انقض أحدهم على أصابعي بمسدسه

تمزقت أصابعي وفهمت.

تتالت اللكمات على وجهي

حتى كادت عيناي تنفقآن

لما سقطت نظارتي داسها أحدهم بحذائه

فهمت أيضا رغم كل الوجع.

تذكرت الحسين وكيف قطعوا رأسه

تذكرت المسيح على الصليب والرمح يطعن خاصرته

تذكرت الحلاج وأشلاءه المقطعة

تذكرت حسين مروة العجوز والرصاصات التي اخترقت احتضاره

تذكرت سمير قصير وكيف هوى رأسه فوق مقود السيارة

تذكرت لوركا الذي أعدم برصاص الديكتاتور

أذهلتني صور هؤلاء كيف تتوالى في عيني الجريحتين.

راح أحدهم يقرأ لي جملا كتبتها على الفيسبوك

باسم “صديقتي الشريرة”

كان يضحك كلما قرأ واحدة

لا أذكر أي جمل قرأ

كنت منهكا، خائرا كحمل لحظة الذبح

روحي كئيبة حتى الموت

من جبيني يسقط عرق بارد.

أدخلوني إلى السيارة

ثم شرع كل منهم يطلق رصاصة

الأولى اخترقت كتفي فنبتت وردة

الثانية اخترقت صدري فطار عصفور

الثالثة اخترقت وجهي فسال ماء

الرابعة اخترقت رأسي فهبت فكرة.

رموني على الأرض

الدم ينزف من جروح لا أحسها

العشب تحت فمي كان آخر ما بلل شفتيّ اليابستين

لكنني لم أمت

لعلني مت ولكن بلا موت

مت بالحياة التي تملأ جوارحي.

لعلني الآن أمام جهازي أكتب جملا

بعدما خانتني “صديقتي الشريرة”

لعلني بين كتبي أنحني عليها بتؤدة

لعلني الآن أزور السيدة سلمى والدتي في نومها

لعلني أمسح وجه شقيقتي رشا بماء الورد

لعلني أحلق فوق دارتنا وحديقتها تحت المطر

أنطر إلى القبر الذي سيدفونون فيه جسدي

فقط جسدي.

عبده وازن: شاعر لبناني (الصورة: صفحة الشاعر على فيسبوك).

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى