فضاءاتملفات

ملف الشعر التونسي المعاصر

الأصوات الشّعريّة الجديدة في المشهد الشّعري التّونسي: طيور تبني أعشاشا بقشّ الحقل الذي تعيش فيه

مختارات من الشعر التونسي المعاصر: إعداد وتقديم الشاعر التونسي سفيان رجب.

استفاد الشّعراء التونسيون الجدد من الجهد التنظيري لمن سبقهم من الشّعراء ونقّاد الشعر في حركة الطّليعة، وفي كتابات الثمانينيين، وتمكّنوا من رسم ملامح نصّ شعريّ تونسيّ له فرادته وأصالته، وإنْ بدا تأثير التيارات الشعرية -الغربية والمشرقيّة- واضحا على بعض المحاولات.

نحاول في هذا الملفّ لفت النّظر إلى بعض الأصوات الشّعريّة الجديدة في المشهد الشّعري التّونسي، وهذا لا يعني أنّنا لخّصنا هذا المشهد الثريّ بالأصوات المتفرّدة والمجدّدة والذي يحتاج إلى جهد توثيقي أكبر للإحاطة به. لكن ما يُميز هذه المختارات الشعرية؛ أن معظم كُتّابها من مواليد ثمانيّات القرن الماضي، لذلك يمثلون جيلا، ينسج خطّاً في التعبير عن ذاته الفردية والجمعية.

المتابع للمشهد الشّعري التونسي الجديد، يلاحظ غياب الحركات الشعرية، باستثناء حركة نصّ التي حاول تأسيسها الشاعر عبد الفتّاح بن حمودة مع مجموعة من الشعراء من بينهم أمامة الزّاير والسيد التوي.. وأصدروا بياناتهم الشّعريّة بعد الثورة التونسية، وحاولوا تثوير المشهد الشعريّ التونسي، لكنهم لم يخرجوا عن الحركات الشعرية العربيّة كجماعة شعر مثلا، وفي عمق المشهد الشعري التونسي بدأت تتوضّح معالم حركة شعرية رائدة تؤسّسها حركة تجريب، من خلال ثلّة من الشعراء الذين جمعتهم مدينة النفيضة الساحليّة، وهم أيّوب السعيدي وحمزة السّعيدي وسفيان رجب، وتقوم فكرة هذه الجماعة على نسف الأجناس الأدبية، وتفكيك السرديات الكبرى، وتعمل على تأسيس رؤى جديدة في الأدب، لكنّها تحتاج إلى عمل تنظيري بالأساس يوضّح هذه الرّؤى التي تظهر بروقها في بعض نصوص الجماعة.

لكن افتقار المشهد الشعري للحركات والجماعات تعوّضه الأصوات الشعريّة الفردية، والتي لا تختلف كثيرا عن بعضها البعض، وتتقاطع في مناطق كثيرة. إنّها تشبه الطيور التي تبني أعشاشا مختلفة لكن بقشّ الحقل نفسه الذي تعيش داخله.

مختارات الشعر التونسي المعاصر

أنور اليزيدي؛ صدرت له مجموعتان شعريتان: مياه مؤجّلة، لا شيء خارج الصّفر.

من شروحات صرخة الحلاج

ولها ما يجعل تلك الرعشة تنبتُ في جسدي، تلك الرعشة حين تُقبّل قطرةُ ماء سطح الماء فيهتزّ العمق ويرسم دائرة تلو الأخرى… ثمّ يعود الحال إلى ما كان عليه: كأنّ القطرة لم تسقط، وكأنّ الماء بلا عمق، سطحٌ محضٌ مثل سماء فارغة، مثل الأرض بلا آلهة، مثل فؤادٍ خاوٍ، مثل تصالح طفليْن، بسيط، دون شروط، وبلا أثر ينبت فيه العقل. (على ذكر العقل، أداةِ الإنسان ليبقى، هو ناب الشرّ ومخلبه).

                                           ↓

أو هكذا يبدو للناظر من خارجه، تلك الرعشة قد فسّرها الفيزيائيُّ وعلّلها:

«ثقل القطرة غيّر سطح الماء وغيّرها».

وتقول سحابة صيف عابرة: «تلك القطرة قد سقطت إذ ليّنها الشوق وأثقلها».

لا أذكر تحديدا صوت القائل (إذْ كان الصوت بلا رجْعٍ، قيل بعفويّة لا شيء لم يقصد أن يصبح شيئا، قيل هباء، قيل فقط كي لا يُسمع): «تلك القبلة ماء يغرق في ماء، شكلُ الغرقِ الدائرةُ الأولى، والأخرى شكل الأبديّة».

هل تنسى امرأة أوّل من قبّلها؟

قد ينسى الرجل.

القبلة مثل المرأة، لا تَنسى من بلّلها.

المرأة مثل النار إذا اشتعلت قد تحرق من أشعلها

النّار يد الرجل المنسيّ، تُمدّ إلى الوجه إلى الشَّعر إلى الخصر فلا تصل

ترتدّ إليه رمادًا ينبشه بيدٍ أخرى، لا يعرفها، بحثًا عن رائحة في شال حبيبته كانت تسبقها، عن وقع خطاها صاعدة سلّم منزله، عن باب تطرقه يدُها، أو خصلة شَعرٍ لا يدري إن كان عليه إذا انسدلت أن يرفعها، وإذا خلْف الأذن التفّت تلك الخصلة، هل كان عليه إذن أن يسدلها؟

بحثتْ يده المجهولة عن قبس يمكن أن يوصلها

عن جسد يُمكن أن يستيقظ حين يرنّ مُنبّه، ينهض، يغسل ما يُغسل يأكل ما يُأكل يلبس ما يُلبس … جسدٌ يفعل ما يفعل في العادة، هذا ما تبحث عنه يدٌ تحت رمادٍ أزرق: شيء يمكن أن تحمله كي يحملها.

جُنّ الجسدُ…

صار بلا ظلّ، جسدًا محضًا، يفعل ما يفعله الظلّ: يطول ويقصر، يأكل قطعة ضوء، يمشي ملتصقا بالأرض تمامًا، أو بالجدران، يكون وحيدا أحيانا، وإذا حاصره الضوء تكاثر، ينسحب كلّيًّا إن سُلِّط  ضوءٌ من فوق الرأس عموديّا… في العتْمة، حيث يغيب النور، يغيب.

يرنّ منبّهه

يستيقظ…

يبحث عن ضوء يأكله، لا يجدُ

يخرج من منزله الجسدُ

يمشي بين الناس، يحيّيهم، فيردّون تحيّته

لكن

أبدًا

لم يره أحدُ.

مختارات الشعر التونسي المعاصر

سماح البوسيفي؛ صدرت لها مجموعة شعرية بعنوان: المخطوط

اعترافات شعريّة

1

النص الذي قد أكتبه عارية في ساعات الليل الأخير

هو ذاك الذي يشبهني

نتساقط معا ضريرين في فراش واحد

 كأن يجرب خدعته الأخيرة فوقي

فيقطع يدي ويجر حلقي ولساني للكتابة …

في ليلة أخرى قد أنام محاطة بكل أثوابي لأجعل نصي ذاك بسيقان طويلة

ولأكتب عن الشعر والنثر قصصا عرجاء ينفتح عليها الصباح نصوصا هيفاء دعجاء …

أما في ثلثه الأخير سأتعرى أمام أقلامي

وسأسكب من حبر الصباحات والمساءات فوق جلدي الناعم

وأكتب نصا واحدا يجثو على ركبتيه

إنه فقط نصي..

2

لا تمت قبلي أيها النص 

أُكتب في هامش من الورقة

موعدا بعيدا لإقامة مأتم

ولنتحدث مطولا

عن البكاء خارج الشتاء

ولنخرجه من الخِزانات

للدموع أيضا طعم الورق…

لنقل «هذا نص»

ولننشغل عنه 

باللغة ترتب شِعرهَا في شَعري

موتا أبيض

دون أن تتلفظ إسمي

واسعا أو عريضا

للكذب أيضا مواقفه

النبيلة

كأن ينشغل بالنص…

3

أكتبْ واصفا في النص:

عقدة لسانه الطويلة

ينشغل بالصمت في الكلام

فنتحدث عن فوائد الفراغات

والفواصل والنقاط والنهايات …

في النص مواقع كثيرة للسجود

كأن يقول قارئ في سِرّه: الله …

فيبكي الحرف الأول عند الحرف الأخير

في الطريق: دم طفيف

جرح في قلب ناقد

أضاع مقاصده في شطر السطر الرابع

فهجر المكان لتدريب أدوات الحلاقة: المشرط والسكين وأدوات الحياكة

تاركا في النص القديم

آثار بكاء طويل..

 4

مستعيرا من الموت ربطة عنقه الأنيقة

ماشيا في النص

رافعا قبعتي

سأشعل سجائري كلها

لأدخن الوقت

يوما بيوم

وأطفئ السنوات كلها في رأسي

نصوصا

عرجاء وهيفاء

بلا تقفية

سارقا من الموت فمه الهازئ

لأضحك فوق جثماني

من النهاية 

هذا فقط نصي…

النص..

مختارات الشعر التونسي المعاصر

صبري الرّحموني؛ صدرت له مجموعتان شعريّتان، الرّجل المغناطيس، فونغراف لامرئيّ.

البداية

بطعنةٍ في القلب ولدتُ

حاملاً داخلي بذرة الحزن

منذ البداية،

كبرنا معاً في جسد واحد.

تقول سيدة جلست بجانبي:

«عروقك خضراء»!

أقول

أغصان شجرة نمت داخلي،

كاشفًا عن ساقي:

انظري سيدتي ضربات الفؤوس.

جرح في قربة عسل

عيناي

حفرتان في جدار خرابة

ينام فيها عقلي المريض

شبيهًا بذلك الغزال الذي يحتضر

في قصيدة لوركا.

أنفي

حلزون محطّم الفؤاد

من حُب حلزونة بعيدة.

أمّا جبهتي

فطاولة شيش بيش منصوبة

أين يلعب النحس والأذى كل ليلة

من سيفوز بي غدًا؟

ورغم محنتي المُرّة

وهواني على الناس

ما زال فمي

كما كان دائمًا

جُرحًا غائرًا

في قربة عسل.

مسرحيّة سوداء

أُؤَدِّي دَوْرَ المَلِك المريض

في مسرحيةٍ سوداء.

شَعْبِي غاضب،

جَيْشِي بَعيد

وزوجتي دَسَّت لِيَّ السُّمَّ في الكأس.

.

ضوءُ شمعةٍ بجانبي يَرتَجِفُ

مِنْ صوتِ الكمان الذي يأتي

من وراء السِّتار.

ما يُشْبِهُ الشَّفَقَ

يَنْبَعِثُ من جهة اليمين

ومَنْ كانوا مَعِي صاروا عَليّ.

.

مَطْلوبٌ مِنِّي

أَنْ أَحْتَضِرَ في افتتاح العَرْض،

أَنْ أُبَلِّلَ ثوبي الشَفِيفَ بالعَرَق

وصِدْغَيَّ بالدموع.

وأَنْ أَسْتَعِيرَ حُنجرة الغَزال الذَبيح

مِنْ أَجْل زَفْرَتِي الأخيرة.

ثم يدي

 تسقط من يَدِ الطَبيب.

.

ورُغْمَ أَنَّ ظُهُوري

لا يَرْبُو عن دقيقة في المشهد الأول،

تارِكًا للأبطال ساعتينِ ونِصْف

كَيْ يَتَفَوَّقوا عَليّ.

إلا أنَّنَا بَعد انتهاء العَرض

واقِفِينَ أمام التَصْفِيق جَنْبا إلى جنب.

حُضُوري الخَفيف

مَنَحَنِي لَمَعان الفضّة

في كومة الفَحْم.

مختارات الشعر التونسي المعاصر

فاطمة كرومة؛ صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية: أخطاء فادحة، بلا فرامل تهوي في منحدر، ابتلعها فستانُها.

حضْرَ مَوْت

في “حضرَ موْت”
أرَاهن على أنّني براغماتيّة وأفَكّرُ بحُبّ
أبْحث عن أجنحة فراشات وأعشاش طيور 
وأخْفي التّفاصيل عن الخيْبة
لكنّهم لنْ يُصدّقوا!
أنّني لا أمُوتُ فيها ولا أحْيَا
أنّ حياة قَلبِي الأخرى والأخيرة
في العَناوين البَعيدة

يُمْضي أطرَاف نهارِه
بيْن الأشجَار العِمْلاقة ولِحائها
وينام آناءَ ليله 
في أعْماق نهر
وغياهِب بُحيْرة
هناك بيْن شعوب كثيرة
بيْن أجْراس الكنائس وساعات المَحطّات.
كيف أخبرهم،
ولا يخبُو صوتي 
مثل صفّارة باخرة تائهة في مُحيط؛
أنّ قلْبي سمكة حمْراء صغيرة
عالقة في سَماء؟

تَبرْعُم

اليقظة تدبّ في أغصان ناعسة
براعم متدلّية تَتنَاسخ
مثل حكايات كائن ينْأى عن آخر
تجتذبه هالته خارج إيوان العالم الضّيّق
ما يرنُو إليه يستغْرق عُمرا ليكتمل
بعضه عالق في زمن قادم
بعضه غارق في ماضٍ سحيق.

مُسيّرة داخل حلم ما
ليس بالمكان الصّحيح
ليس بالخطأ
تهبّ الرّيح بين جنباته مثل بيت هجرته العناكب
أسلمته للنّهايات المفتوحة
عبثا تبرُق خيوطه بين الأغصان
تحت الشّمس
لحظات المطر.

محمد العربي؛ صدرت له المجموعات التالية: حتى لا يجرحك العطر، القتلة مازالوا هنا، حين كنت تحدّثينني عن الحبّ، يد تلوّح من بعيد.

البيت

كم مرة رسمنا البيت الذي به كنا نحلم

غرفتان للكتابة

غرفة للبكاء

مطبخ للصراخ

 لكسر الأواني التي امتلأت بالدموع

حديقة واسعة

لنتمشى في الظهيرة ونمدح خسائر «دونالد هول» الشهية

لنفترض أننا نشيخ معا

كيف نحني رؤوسنا من الأفكار التي تأتينا كل ليلة

ولنفترض

أننا اخترعنا ذلك البيت

ذلك الحب مرة أخرى

أركض نحوك مثل جرح ينزف

تقفين في مكانك مثل صخرة في حياتي

ونجدّف لسنين من بركة إلى اخرى.

جزاء

اليد التي تدفعك الآن بقسوة

كي تتحطّم

كنتَ تُمسك بأصابعها المتعرّقة

محاولا إقناعها

أنّها ليست صخرةً.

أيّتها الغزالة

 صباح الخير أيّتها الغزالة

لا تهربي

لست هنا للصيد

انظري

إنني لا أحمل بندقية على كتفي

لا سهام بين أصابعي لأطلقها

ولا يتبعني كلب سوى ظلي

إننا هنا لنقول لك فقط صباح الخير

قبل أن يداهمنا الصيادون.

توفيق مقطوف؛ شاعر تونسي يكتب قصيدة النثر و القصة، نشرت له بعض النصوص والمقالات في مجلات ومواقع عربية.

الحياة تسيء إلى سمعتي

إنها أشبه بلجنة فرز في كاستينج لفلم طويل

أقدم لها نفسي، أقول لها؛

توفيق مقطوف ، ٢٩ سنة، لعبت دور البطولة في فلمين؛

الأول حين ولدت في ليلة كلها ليل.

والثاني عندما قبض علي خفر السواحل وأنا أحاول تصحيح خطأ الطبيعة في الجانب الآخر من البحر.

– وشاركت بدور الأبله في مسرحية «الثورة التونسية».

ثم أنني أتمتع بقدرات يمكن إستثمارها في أماكن التصوير

أستطيع القيام بحركات خطرة

كأن أقاتل عصابة في زقاق بسكين خبز

أو أبتلع بكاء الأيتام والمشردين

وأركض به إلى سيرك الضحك

جربيني، لقد قمت بما هو أصعب

لقد حملت رفاقا على كتفي في مسيرات إحتجاج

و ركضت بهم بعيدا عن عصيّ البوليس

لقد ابتلعتُ القنابل المسيلة للدموع

و لم أنطق بكلمة واحدة في مكاتب التحقيق..

ولم أجهش بدمعة واحدة.

أستطيع القيام بكل ذلك

أستطيع لعب دور البطل المخذول

الذي خانه الرفاق والحزب

دون حاجة إلى تأثيرات سينمائية

لطالما خذلني كل الذين حملتهم على كتفي

لطالما باعني الحزب ..

أيتها الحياة لا تتركيني أموت ميتة عادية

مثلما يموت كل أبطالك الثانويين

دهسا أو طعنا أو غرقا

أو بجرعة زائدة من الهيرويين …

أنا لست كمبارس!

أنا سليل ذئب يمقت الملوك والرؤساء

لا تتركيني ألقى حتفي في سيناريو رديء

لا تهينيني أمام أبطالك المزعومين!

لا تسيئي إلى سمعتي في لقطة مذلة

لا تكذبي علي!

الأخيار لا يفوزون في النهاية مثلما يعتقد كُتّابك المبتدئين

الحب؟! ، هو وغد وابن كلب

الحب لا ينتصر إلا في الأحلام والأفلام

الناس هنا لا يحلمون بالحب

ولا يعرفون السنما

هم بالكاد ينهضون من أسرتهم الحقيرة

في أول الفجر

ليعودوا و قد شاهدوا آخر حلقة من فيلم مصاصي الدماء

في المزارع، في المصانع، وفي حظائر البناء!

الناس هنا لا يمثلون لقطات خطرة

الناس هنا، من أول الفجر إلى آخر الليل، يطوفون حول سكين مثل بطيخ ناضج.

أيتها الحياة،

لا تتركيني أُهزَم في نزال سهل مع بطل لم يخض بحياته نزالا مع الفقدان والمرض ونقاط التفتيش والجوع الفصيح.

لا تتركيني أتلقى الصفعات من بطل لم تلمس عظام وجهه يوما لَكمات البرد الصارم.

الحياة .. تسيء إلى سمعتي

إنها أشبه بلجنة فرز في كاستينج لفيلم طويل …

أقول لها، كاشفا عن صدري وذراعي، ماضيَّ ومستقبلي؛

أنظري يا سيدتي الحياة

أنا مطعون من الخلف، من الأمام، من الرفاق، من الحزب، من الخيمة، من الدولة

أقول لها؛ لا تتركيني أموت ميتة عادية .. مثلما يموت مجند أعزل في كمين الوطنية المفخخة.

رضوان العجرودي؛ صدرت له مجموعتان شعريتان: فرح يختفي في المرآة. رأس تطلّ من نافذتين.

شاهد زور

سَيذْهبُ بي التّاريخُ.

 لنْ يَبقَى منِّي سِوى صورَة في جَيبٍ داخِلي أوْ أَرشيف البوليسْ

 أَو أمُّ أوْلادٍ، إن تَزوَّجتُ، تَقولُ لأبْنائها «هَذا والِدكُم».

 هُزمْتُ بضَرَباتٍ قاضِيةٍ منْ أُناسٍ لا أعْرفهمْ.

 خَذلتْني جميلةٌ لمْ أرَها في حَياتي.

 يَقولونَ عنِّي كلامًا لمْ أكُنْه،

 حِكاياتٌ لمْ أعِشْها.

 نادلٌ في مقْهى شَعبيٍّ يَعرفُ قِصّتي المَخفيَةَ،

 شَرِب قَهوتَهُ بسُرعةٍ و ركِبَ سيّارَةَ التاريخِ وَحدهُ.

أفراح الجبالي؛ صدرت لها المجموعات الشعرية التالية: لا بدَّ من قوس لنهرها في نيابوليس، ما تأخذينه معك، وأنطلوجيا البيت.

اليوم يَسقُـط شِعـراً

اليـوم يَسقُـط شِعـراً

شَعـرة

شَعـرة

وهـا هي الأشيـاءُ:

كـوْمةُ السريـر

أصلٌ عربـيٌّ

وجَـع في الظهـر

غبـارُ النوافـذ

….. وهـو

هـو الـذي غـادَركِ.

ويوماً ما

يوماً ما

ستقفيـن

ولـبُرهة ستكون هناك كلمة لا تفهمينهـا

كلمـةٌ مثْـل: “هُنـا”

أو “بعْـدَ”

ستَقرئيـنهـا دون الحاجـة إلى نظَّـارات

ستكونيـن قد حفظتِهـا عن ظهر القلـب

القلـبُ أيضا لن يكون مُحتاجاً إلى قلبـهِ

ثم لن يَسـأل

الخرسُ ما يَعلـوه على سطح البيـوت المجـاورة

قرب قفَّـازاتِ الشتـاء

وغمَّـازاتـي

بَعد سنوات مِن كوْمـة مَحبَّتـه

والخشب

كل شيء سيكُـون في مكانـه أخيـراً

ستُحاوليـن قوْل: “هـذا”. وسيُفرحـكِ أنّـكِ تفْعليـن!

كطفلـةٍ تكتشـف الكلام معلّقـا في الهـواء

وعلى طاولـة المطبخ البُنِّيـة هـذه…

ستفتحيـن برتقالـةً ميِّتـة

وتَبتسميـن

ستَبتسميـن:

لأن المـوْت لم يكُـن بالسُّـوء الذي تحدثـوا عنـه

رطبٌ

ونظيـفٌ

مع بعض الحُمـوضة

وفيه لمعـان

كمَنْ يَقف على حافـة الطَّيـران ويَبسـط جناحيـه

ثُـم

يَفعـلُ ذلك.

محمد ناصر المولهي؛ صدرت له مجموعتان شعريتان: “مثل كل شيء تنتهي”، و”غرقى جبليون”.

طريق جبل الرصاص

لا يمكنك أن تتوقف الآن

الماضي بأرجله الطويلة وراءك

محاطا بآباء كثيرين

ونساء يبكين من أظفارهن

من حقائبهن

من أشجارٍ تحركها خُطاك وهواجسهن.

لا تسأل إن كنت مذنبا أو لا؟

أكمل طريقك

الدم الذي يعلو وجهك

دمُك

الصراخ الذي يسحب ضلوعك من لحمها

صوتُك

النظرة التي تشم الأجمات والحجارة

نظرتُك

لا تخف من أحد غيرك.

الكثير والكثير من ناس

لا تكرههم

لا تحبهم

فقط الحركة تملؤك كلما وقفت

أنت لم تؤذ في النهاية أحدا

لكن الكائنات التي قتلتها أو أكلتها

تلاحقك يا قلادة الدموع

يمكنك أن تحمل حجرا

وتلوّح به إلى العاصفة أو الليل

لكنهما ليسا كلبين.

أصغ جيدا

النباح يصعد من فمك أنتَ.

على أرض معركة قديمة

حين كانت روما تلصق ذيلها بفخذيها أمام قرطاج

وقفت بسيارتك الحمراء

لا شيء هنا غير سجن

هنا يقضي الناس سنينا لأجل حماقاتهم

هنا تضحك

هنا تتذكر

وتواصل طريقك.

نظرة قديمة

«اُنظر إلى الحياة بشكل آخر»

أقول لنفسي.

اُترك شيئا من الليونة

في نظرتك التي تسحبها

كالعلكة من عينيك

اُنظر إلى الحياة/ حياتك

نظرة أبي نواس لامرأة تستحم

اُترك القليل من الريبة

الكثير من الصمت

واُنظر إليها نظرة يوغرطا المغدور

إلى أذنيه المثقوبتين بالذهب بين شوارع روما الواسعة

اُنظر إليها

نظرة صِبْية قرطاجيين إلى آخر بيتٍ يحترق

نظرة قصب إلى واديه

ووادٍ إلى سيل حطام.

لا تخف

إنها لحظتك

وإن كنت تسقط من علو قديم

ستبقى

واقفا إلى الأبد.

أيوب السعيدي؛ يكتب قصيدة النثر، له ثلاث مخطوطات شعرية.

خزانة ملابس

كلُّ يومٍ ينتهي، أنزعُ عَنْهُ ثيابَهُ بلطفٍ. وقبل أنْ أنامَ عارياً من التّعبِ، ألقي بها في إحدى أدراج الخزانة التي تتوسّط رأسي. تاركاً النّسيان يقوم بدوره كمجموعة فئران مطيعة، كنتُ قد منعت عنها قِطعَ جُبن النّوم والأحلام لفترة طويلة، حتّى جاعت جيّداً.

الآنَ، وكلّما تحسّست رأسي من مكان مّا، أعثر على ثقبٍ فيه.

يا ألله رأسي أصبح مثقوبا من كلّ الأماكن.

كلّما تذكّرُت النّهر تقفز سمكةٌ من ثقبٍ فيهِ.

كلّما تذكّرت العصفور تطير زقزقة من ثقبٍ آخر.

كلّما تذكّرت الهواء يخرج من عدّة ثقوبٍ.

كلّما تذكّرت السّماء تتبخّر الزّرقةُ والغيوم من ثقب في الأعلى.

كلّما تذكّرتُ الشّجرة تتساقط الخُضرة والأوراق والجذور من ثقبٍ في الأسفل.

كلّ ما في الأمر أنني أردتُ تذكّر يومَ عانقتك آخرَ مرّة. لقد فتحت خزانتي كأحمقَ عبثت به فئران النّسيان، لأبحث عن قميص ذلك اليوم. أذكر أنه كان قميصا وخفيفاً أيضاً. لكني وجدته بصعوبة، وحين ارتديته كان ممزّقا، السماء بلا زرقة أو غيوم، النهر حزين على السّمكة، الهواء يفكّر في الهواء، الشّجرة بلا أوراق أو جذور.

حتى العصفور الذي كان يزقزق فوقنا كلّما تعانقنا، أصبح أصمَّا.

ها أنا، بحزن ثقيل، أريد نزع هذا القميص عنّي، لكن دون جدوى.

لا أستطيع النّوم مجدداً.

لقد سقط النّسيان من ثقبٍ كبيرٍ في رأسي.

خاص قناص – ملفّات

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

تعليق واحد

  1. ملف الشعر التونسي كان بحاجة الى مقالات نقدية ترافق النصوص/معها يستطيع القارئ البعيد عن المشهد/تتبع تطور التجديد الشعري في تونس/ويقترب اكثر من روح تجاربه الشعرية الجديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى