فضاءاتملفات

مختارات من شِعر وديع سعادة

وديع سعادة «لكن أجملنا سيبقى: الغائب»

رأيت رفاقي

رأيتُ رفاقي متعبين يمشون كأبطأ السواقي

يستعيرون قصباً نحيلاً ويغنُّون لإلهاء خيباتهم

يصرخون أحياناً

لإعادة دمهم الذي يتنزَّه في الشوارع

ويحفرون ثقوباً

لنوم المتأخرين من عروقهم.

رأيت رفاقي يجلسون أياماً على الكراسي ليسلُّوا أرواحهم الضجرة على الطاولات

يوصلون بصعوبةٍ تنفُّسَهم بسلك الهواء ويرسلون

شيفرةَ حياةٍ غير مسموعة

المتجوِّلون مع الفجر قطعةً قطعة

مغسولين كيفما كان بأيدي السجناء

الذين ضربوا حارس المحطَّة وسافروا بلا حقيبة

استلقوا صامتين

في ارتعاشات منحرفة

نخزوا شرايينهم وفرشوا السجائر في طريقهم

من الباب إلى الدرَج ومن الدرج إلى الباب

غير واجدين ما يبرِّر خطوة إضافية.

عرفتُهم من عيونهم

من وقوفها الطويل في الشتاء البطيء

رأيتُ خصلات شعرهم حمائم

وجبينهم كزقاق جانبيّ

هادىْ.

سمعتهم ينادون أصواتهم لتعود من الهواء

ورأيت ظلالهم تغفو

على حائط بسيط.

مخنَّثون

قدّيسون

غرقى وسكارى

جاؤوا من السهول والغابات لنسف القطار

التقوا حكماء وأحجاراً ونبتات مضحكة

تحسَّسوا لحم بعضهم بعضاً

ارتطموا بأضلاعهم

وتفكَّكوا.

(رجل في هواءٍ مستعمَل يقعد ويفكّر في الحيوانات 1985)

= =

ظلّه

ينحدر ظلُّه مع سيل طويل

متدفقًا من قرى بعيدة

يفكّر في جذع شجرة ربما

أو صيّاد سمكٍ نهريّ

يوقف تقدُّمه المجنون نحو محبة  فقدتْ رأسها

اليومَ أيضًا،

يتدفَّق بعيدًا

ناظرًا صوب حياته مثل حريق

شبَّ فجأةً في نزهة،

وينحدر ظلُّه

يوقظ بضعَ نسائم على التلَّة

وينحدر

في قرية مجهولة

قرية مجهولة تمامًا

لا يشعر بها سكَّانها حتى باللمس.

(مقعد راكب غادر الباص 1987)

= =

بقع زيت

لم نُوقِظِ النسائمَ النائمةَ

فقط مشيْنا

يُرافِقُنا مِلْحُ الفجر

وأصواتُ الكلاب،

ترَكْنا جُزَرًا بكاملِها هناك

وفَحْمَ ملائكةٍ في الأقبيةِ وجذوعًا مكسورةً لآلهة

وأبديَّةً ثكلى،

بُقَعُ زيتٍ مَشَتْ معنا على ثيابنا

وشَحْمُ أحلام

وكانَ في قلوبِ بعضِنا عرباتٌ مُخَلَّعَة

ومواشٍ نافقة،

رافقتنا أصواتُ الكلاب حتَّى غِبْنا

وعلى الدروب، تحتَ أقدامنا

اكتشفنا نوعًا نادرًا

من الأنين.

هَايْ، أنتَ

ها أنا الآنَ وَصَلْتُ

جديدًا طازجًا مثلَ فاكهةٍ لم تَسْمَعْ بها

اعْطِني سيكارة،

معي حكاياتٌ غريبة

عن ملوكٍ ومعارِكَ ومزهريَّات

عن شعوبٍ اكتشفَتْها الرياحُ بالصُّدْفَة

وأسماكِ أرواح

على الرمال

حكاياتٌ لكَ أنتَ وَحْدَك

اعطِني سيكارة،

ومعي أيضًا تلالٌ من السنوات

أريدُ أن أبيعَها

تلالٌ مُشْرِفَةٌ على محيطات

يرقصُ فيها الحيتانُ

مع الغَرْقَى

مُشْرِفَةٌ على خُلْجانٍ يمكنُ فيها بناءُ منتجعات

لأعمارٍ أخرى، جميلةٍ

تلالٌ، تلالٌ

إدْفَعْ ما شئتَ

وخُذْها.

لم نُوقِظِ النائمِينَ ولم نَقُلْ كلمة

فقط سمِعْنا الكلماتِ الأخيرةَ للأبواب

التي كانت تئزُّ عند دخولنا وخروجنا

ومشيْنا

تركْنا صُوَرًا على الحائط

رائحةَ زيتونٍ في الزاوية

أعضاءَ حكاياتٍ على المناشر مَشْكُوكةً مع التبغ

ورأسَكَ يا رياض الذي صار

نيازِك.

مُقَطَّعِينَ مُخَلَّعِينَ واثبينَ

على عُكَّازاتٍ في الشوارع

نَصِلُ بأعضاءٍ ناقصةٍ حيثُ نذهبُ وحينَ نغادرُ

نتركُ بعضَ أعضاء

لنا عيونٌ وأقدامٌ

لا تزالُ هناك

لذلكَ، حينَ نمشي، لا تشعرُ الدروبُ بنا

وإذا انهمرَ مطرٌ تكونُ في مكانٍ آخر

تَدْمَعُ عيون

اعطني سيكارة

من الدُّخانِ تُولَدُ الآلهة

تُولَدُ الكنوزُ والسماواتُ والبهاء،

شوقي صديقي

لكنَّهُ بعدَ قليلٍ سيصيرُ سِكَّةَ حديد

أريدُ فقط قبلَ ذلكَ أن أشربَ سيكارةً معه

كلُّ قطاراتِ سِيدْني تمرُّ في رأسِهِ عَبْرَ “سيدنهام”

وهو على وشك أن ينفجرَ اعطني سيكارة،

وخضْرُ الذي رمى بندقيَّتَه في الجبال ونَزَلَ

صارَ رسالةً بلا عنوان

ينقلونَهُ من بريدٍ إلى بريد

ولا يَصِل،

من الدُّخانِ تُولَدُ الطريقُ

تُولَدُ العناوينُ و البيوتُ

وأصحابُها

من الدُّخانُ تُولَدُ الآلهة هاتِ

سيكارة

سأُرْسِلُ لكَ حينَ أعودُ هِضابًا من التبغ عن مناشِرنا

سلالَ فاكهةٍ وبَيْضٍ

من دجاجاتٍ نُرَبِّيها على حُبوبِ أحلام

وتبيضُ كنوزًا سأُرْسِلُ لكَ بعضَها أيضًا

وذاتَ يومٍ اخترَعْنا

عروقًا للصمت

مشَيْنا نَشُكُّها في أجسادِ الدروب

مشَيْنا في هواءٍ قارصٍ لِنُبَكِّلَ أزرارَ الطُّرُق

وكانَ لَحْمُ صدورِها يرتجفُ

أمامَ عيونِنا

رأينا تحتَ الجسورِ أحشاءَ حياةٍ

وشظايا عيونٍ

تبحثُ عن نظراتِها

إسْمَعْ، رأينا الحياةَ

ترتجفُ تحتَ شجرة

وهَمَّ بعضُنا أنْ يخلعَ قميصَهُ

ويُغطِّيها،

مشَيْنا بصدورٍ عاريةٍ وكانَ الهواءُ

صديقَنا

يأتينا بزهورٍ

ويلعبُ بشَعْرِنا

كانَ الهواءُ يحملُ لنا نظراتٍ

ضيَّعَها أصحابُها

وهُمْ يحدِّقونَ في الشفق.

معنا أساورُ معنا شوارعُ معنا ظلال

معنا هواءٌ و قَصَب

وفي حقائبِنا حفيفُ صُوَرٍ وضمَّاداتُ حنين

وعُكَّازاتُ أصواتٍ تركضُ من جبلٍ إلى جبل،

مَشَيْنا

وكانت ورقةُ لوزٍ أمامَ الباب

نظرْنا إليها

وتابَعْنا.

أنيسُ بعينيه الغَيْمَتَيْنِ فوقَ سهلِ برتقال

بعروقِ أصابعِهِ الماضيةِ نَحْوَ أن تصيرَ

أقلامًا ناشفة

وبقمحِ أحلام

يَنْقُدُها طيرٌ عن فمِهِ،

وغَسَّانُ بعُودٍ عزَفَ عليهِ كُلَّ الطريق

حتَّى صارَتِ الشوارعُ أوتارَه.

لم يكن عندنا غيرُ

رائحةِ تبغٍ وزيتونٍ

حمَلْناها على ثيابِنا ومضَيْنا

مَشَيْنا خفيفينَ

لئلاَّ نُزْعِجَ ندى الطريق

ولم نَحْنِ غُصْنًا

لم نُوقِظِ النسيمَ

لم نُوَدِّعِ الأصدقاءَ لم نَقُلْ كلمة

فقط

مَشَيْنا.

(بسبب غيمة على الأرجح 1992)

= =

استعادة شخص ذائب

هذه البحيرة ليست ماء. كانت شخصًا تحدثتُ إليه طويلاً، ثم ذاب!

ولا أحاول الآن النظرَ إلى ماء بل استعادةَ شخص ذائب.

كيف يصير الناس هكذا بحيرات، يعلوها ورق الشجر والطحلب؟!

قطرةً قطرة ينزل الموتى على بابي

ومركبٌ يتوقف من أجلي تحت الشمس

وجالية فقيرة من الرعشات تعود إلى الرمل.

لم أرتجف. لكني جُننت. الماء بارد لكني لم أرتجف. فقط ارتعشتُ قليلاً. ثم جُننت.

على سطح البحيرة ورقة، كانت عينًا. على الضفَّة غصن، كان ضلعًا بشريًا.

أحاول الآن جَمْعَ الأوراق والغصون. أحاول جمع شخص كنت أحبُّه.

لكن مرَّ كثيرون من هنا، جمعوا ورقًا وحطبًا ليشعلوا مواقدهم.

لن يتمَّ أبدًا جمْعُ شخص. لن يتمَّ جمع أعضاء كاملة. كثير منها احترق.

مع ذلك لا بدَّ من أن أعيد شخصًا كنت أحبّه. على الأحبَّاء أن يعودوا إذا ناديتهم. عليهم أن يعودوا ولو كانوا ماء. لو كانوا أمواتًا. لو كانوا طحلبًا… على الطحلب أن يصير إنسانًا حين تستدعيه. ويأتي لو مبلَّلاً، لو مترهّلاً، لو عفنًا. عليه أن يعود صديقًا ولو مات منذ ألف عام.

يجب أن تكون هناك طريقة ما لجمع الناس عن الضفاف. طريقة لإعادة الأوراق والأغصان الطافية على البحيرات، بشرًا.

لم أرتجف. الأعضاء ارتجفت. وكان عليَّ أن أسدَّ الفراغ بين مفاصلها كي أوقف ارتجافاتها وتهدأ.

ولكن، كم طويلةٌ المسافةُ بين مفصلين! وكم أحتاجُ إلى ردم لسدّ الفراغ بينهما!

كم هي طويلة المسافة بين ضلع وضلع!

أجري بطيئًا، مثل آخر نقطة ماء نزلتْ، وتأخرتْ عن السيل.

أجري بطيئًا زاحفًا للالتحاق بالجريان، وأتبخَّر رويدًا رويدًا.

لن أصل. بعضي سيصير في الفضاء. وبعضي سيغرق في الأرض.

تأخرتُ عن رفاقي ولن أصل. أزحف لكني لن أصل.

قطَعٌ مني أفقدها، وقطعٌ ترافقني منهَكَة، وقطع تصير هباء.

حتى إذا وصلتُ، أيُّ شيء مني سيصل؟!

حولي عشب وحصى وتراب. طيرٌ ينقدُ بعضي. ونملٌ يأكل بعضي. وبعضي للعشب والحصى والتراب.

أجري بطيئًا وفوقي يصعد خيطٌ مني، وتحتي ينزل خيط مني. أجري بطيئًا بين إبرتين، تخيطان عدمي.

نزلتُ آخرَ نقطة. كنتُ في غيمة ونزلتُ. هل أنا الباحث عن شخص ذائب أم أنا الذائب؟ أم أني، من كثرة البحث عن ذوبانه، ذبتُ مثله؟

وصرتُ، عوض أن أبحث عنه، أبحث عني!

أرى على الطريق أشخاصًا عابرين. بعضُ ما بقي مني يرى أشخاصًا. هؤلاء، على الأرجح، لم يفقدوا شخصًا أحبُّوه. أم أنهم فقدوه، ومع ذلك يكملون الطريق؟!

لا أعرف كيف لا تتوقف أرجلنا عن المشي حين نفقد شخصًا نحبُّه. ألم نكن نمشي لا على قدمينا بل على قدميه؟ ألم تكن النزهة كلها من أجله؟ ألم يكن هو النزهة؟

كيف يمشي واحدٌ إذا فقد شخصًا! أنا، حين فقدت شخصًا، توقفت. كان هو الماشي وأنا تابعه. كنت الماشي فيه.و حين توقَّف، لم تعُدْ لي قدمان.

تأخرتُ وزاحفٌ وأتبخَّر. كيف إذن سأُعيد شخصًا ذاب؟ أليس عليَّ بالأحرى أن أعيد أولاً نفسي؟ أن أعود على الأقل قطرةَ ماء كاملة، تنزل على ورقة، على عين، على ضلعٍ على ضفَّة؟

أليس عليَّ، لكي أُخرج من الطحلب شخصًا، أن أكون على الأقل من ماء البحيرة؟

تأخرتُ ولن أصل. كلُّ ما أفعله أني أرى، أرى من بعيد. رؤيةٌ مشوَّشة من عين شيء لا هو غيمة، ولا هو ماء، ولا جماد ولا بخار.

إني، إذن، لا أرى.

كلُّ هذا مجرَّد خيال. عتمةٌ تستجدي عتمة. ولن أرى ولن أصل ولن أستعيد شخصًا ولن أعيده…

إني، فقط، أحاول أن أزحف. أحاول أن ألحق برفاقي.

لكنهم صاروا بعيدين، بعيدين جدًا.

ربما كنتُ في الماضي شخصًا يبحث عن شخص ذابَ أو ربما كنت أنا الذائب. الآن، حتى ولا قطرة. وفي تماهيَّ المرعب بين الماء والبخار والشخص، أبحثُ عن إسمٍ أعرّفُ به نفسي حين ألتقي النمل والعشب والطير. أنت الزاحف مثلي، ستتوقَّف حتمًا على نتوء. ارسلْ لي من هناك نداء، وبه سأسمّي نفسي.

متماه بين ماء وجماد وبخار. مع ذلك لي مفاصل!

ومفاصلي بينها فراغات. ترتطم المياهُ بها، ترتطم الرياح بها، ويرتطم الناس.

ناسٌ كثيرون يعبرون الآن بين مفاصلي. لا أعرف من أين يأتون ولا إلى أين يذهبون. لكنهم يرتطمون بعظامي.

ناسٌ التقيتُهم مرَّة، ناسٌ التقيتُهم مرات، وناس لم ألتقِهم… لكنهم يتدفَّقون الآن، ويدقُّون على عظامي.

عليَّ أن أفتح هذه العظام لكي يدخلوا.

لو كانت هذه العظام بابًا!

من أين جاؤوا؟!

أظنُّ أن الذين ننظر إليهم يدخلون في أجسادنا عَبْرَ عيوننا ويصيرون دمًا و لحمًا.

وبعضهم يصير من المارة التائهين بين مفاصلنا.

… ونستمرُّ، هكذا، نسمع طَرقات على عظامنا.

إني أسمع الآن دقَّات ماء

وعليَّ أن أفتح.

(محاولة وصل ضفّتين بصوت 1997)

= =

جمال العابر

العابرون سريعًا جميلون. لا يتركون ثقلَ ظلّ. ربما غبارًا قليلاً، سرعان ما يختفي.

الأكثر جمالاً بيننا، المتخلّي عن حضوره. التارك فسحةً نظيفة بشغور مقعده. جمالاً في الهواء بغياب صوته. صفاءً في التراب بمساحته غير المزروعة. الأكثر جمالاً بيننا: الغائب.

قاطعُ المكان وقاطع الوقت بخفَّةٍ لا تترك للمكان أن يسبيه ولا للوقت ان يذرّيه. مُذَرٍّ نفسه في الهبوب السريع غير تارك تبنًا لبيدره ولا قمحًا لحقل سواه. المنسحب من شرط المشي للوصول. المنسحب من الوصول.

العابر سريعًا كملاكٍ مهاجر. غير تارك إقامة قد تكون مكانًا لخطيئة. غير مقترف خطيئة، غير مقترف إقامة.

سريعًا تحت شمس لا تمسُّه، تحت مطر لا يبلّله، فوق تراب لا يبقى منه أثر عليه. سريعًا بلا أثر ولا إرث ولا ميراث.

لم يُقم كفايةً كي يتعلَّم لغة. لم يُقم كي يتشرَّب عادات. لا لغة له ولا عادات ولا معلمين ولا تلاميذ. عابرٌ فوق اللغة، فوق العادات، فوق المراتب والأسماء والاقتداء.

بلا اسم، فوق النداء والمناداة.

وفوق الإيماءات، إلا إيماءة العبور.

وبلا صوت، لأن الصوت ثقلٌ في الهواء.

لأن الصوت قد يرتطم بآخر. قد يسحق صوتًا آخر في الفضاء. قد يزعج النسمات.

وبلا رغبة. لأن الرغبة إقامة، ثبات.

العابرون سريعًا جميلون. لا يقيمون في مكان كي يتركوا فيه بشاعة. لا يبقون وقتًا يكفي لترك بقعة في ذاكرة المقيمين.

الذين أقاموا طويلاً معنا تركوا بقعًا على قماش ذاكرتنا لا نعرف كيف نمحوها.

بقعٌ مؤلمة، أينما كان على المقاعد، بحيث لم يعد يمكننا الجلوس.

المقيمون طويلاً يسلبون مقاعدنا. يحوّلون أثاث بيوتنا إلى قِطعٍ منهم. بحيث نجلس، إذا جلسنا، على ضلوعهم، على عظامهم.

يسحق المقيمون المقيمين. أما العابرون فلا يسحقون أحدًا ولا أحد يسحقهم. لا يطأون على كائنات ولا يُثقلون خطوًا على أرض. حتى الهواء لا يلمحهم غير لحظة.

بلا قلق ولا ندم ولا آلهة ولا أتباع. إيمانٌ واحد لهم: العبور.

المتخلّون عن الأمكنة والأوطان والآباء والبنين. كاسرو القيد. مخرّبو المشنقة المصنوعة من حديد المكان والزمان والانتماء.

إنهم يتساقطون، الواحد تلو الآخر، المتشبثون بالإقامة. يتساقطون بأوطانهم التي صارت وهمًا. بانتماءاتهم التي صارت كذبًا. بأبوَّتهم التي صارت عبئًا. بايماناتهم التي تقتلنا، وتقتلهم، وتقتل الحياة.

العابرون لا ضحايا لهم. هل لذلك بات علينا، كي نمجّد الحياة، أن نمجّد عبورها بسرعة، أن نمجّد الانتحار؟

بخفَّةِ خفقة الطير وانفتاح النسمة للجناح. بخفة انفتاح هواء العبور واندمال هواء الانطلاق.

عابرون سريعًا، كلحظة انقصاف.

لهم من العصفور صوت، من الغصن نظرة، من الزهرة شميمٌ خاطف.

عصافيرهم للغناء والرحيل، لا للسجن في أقفاص أو تأبيدها محنَّطةً في واجهات. طيورهم الروح المسافرة، لا الريش المقيم.

وزهورهم العبق الشارد خارج الإناء.

سوى المرتحلين، واللامبالين، والعابثين بالإقامة، والممسوسين، والموتى، مَن كان سيكتشف جمال العبور؟

وأيّةُ لحظة تكتشف الحياةَ أكثر من لحظة الغياب عنها؟

هل لذلك تجب مصادقةُ الرحيل أكثر من مصادقة الإقامة؟

وهل، لذلك، على حياتنا أن تكون، فقط، تمرينًا على جمال الرحيل؟

أجملنا الراحلون. أجملنا المنتحرون. الذين لم يريدوا شيئًا ولم يستأثر بهم شيء. الذين خطوا خطوةً واحدة في النهر كانت كافية لاكتشاف المياه.

أجملنا الذين ليسوا بيننا. الذين غادرونا خفيفين، تاركين، بتواضع، مقاعدهم لناس قد يأتون الآن، إلى هذه الحفلة.

حفلةٌ سخيفة، ورغم ذلك لا يترك المتشبثون بالإقامة مقعدًا!

لكن لِمَ المقاعد، ما دام المحتفلون يبدأون ضيوفًا وينتهون أعداء؟

لنمضِ إذن، بخفَّة، قبل أن تلتهمنا الخناجر، قبل أن نصير طبَقَ الوليمة.

لحظةُ الوصول إلى الاحتفال هي كلُّ جمال الاحتفال. وبعدها، سريعًا، يصير الجمالُ هو المغادَرة.

الخطوة المغادِرة، هي الأجمل دائمًا.

الراحلون يمتزجون بالنسيم. وإذ نقف نحن، لتشييعهم، فلنشيّعْ معهم ذكراهم أيضًا. لأن الذكرى تعيق رحيلهم، تعيدهم إلى مكانهم، تجعلهم جمادًا.

الذاكرة تعيق الراغبين في الموت. وتجعل الراغبين في الحياة موتى.

فلندفنها إذن.

لندفن الذاكرة ونحن نغنّي.

إنها حفلة سخيفة في إية حال، ولكن بما أننا وصلنا، فلنغنِّ ونرقص.

ثوانٍ، قد نكون فيها جميلين.

لكن أجملنا سيبقى: الغائب.

(غُبار 2001)

= =

الصوت

بودّي أن أكتب رواية عن صوت، خرج ذات يوم من فم وضاع في الفضاء، وصاحبُه يجري وراءه علَّه يعثر عليه.

يقال إنَّ الصوت لا يموت، يخفت في الهواء رويداً رويداً، لكنْ لا يموت.

عن ذاك الذي لا يزال فيه بعضُ حياة هناك، بودّي لو أكتب رواية

وعن هيام صاحبه

للقائه مرّةً أخرى.

ذات يوم قال شيئاً غريباً

وتموَّج قولُه في الفضاء وضاع

وضاعَ هو وراءه

طبقةً بعد طبقةٍ مرتطماً بهواء وبقايا أصوات

ممحوّاً وراء قوله

غير عارف أين صوته

ولا عارفاً ماذا قال.

(رَتْقُ الهواء 2006)

= =

تركيبٌ آخر لحياة وديع سعادة

يأتي إليَّ أريجها من دون أن أمدَّ يدي

بمجرَّد نظرة تكون

وبنقرةٍ صغيرة على طاولتي تولد فراشاتٌ غريبة وتحوم عليها.

لا قَدَم بيننا بل عطرٌ يمشي

ليس بيننا كون، فقط هواءٌ أُشكّله كوناً جديداً

آخذُ زرّاً من سهوي وأُبكّلُ أعضاء

أبكّلُ أرضاً وشموساً وكواكب

أبكّلُ سهوات.

لا أقول “تعالَ”، فقط يمرُّ في بالي مجيء.

أرضٌ بلا مسافات

والسماء إذ تمطر فليست مشيئةَ غيومها، إنّها مشيئة بالي

والذين خلقوني تواروا والذين في بالي يولدون

وليس في كوني تفّاحة، ولا أفعى، ولا إله

أركّبُ، قطعةً قطعة، على مهلٍ، كوني

فراشاتُ بالٍ وأرضُ بالٍ وناسُ بال

كائناتٌ جديدة أُطْلقها في الساحات، وكائناتٌ أُلغيها

وأُغيّر وظائفَ الأعضاء، ووظائف حامليها.

أرضٌ بلا مسافات، وليس عليَّ أن تكون لي قَدَمٌ لأمشيها

عينٌ تجلب لي الأرضَ بالنظرة

وليس واجباً أن تكون لي يدٌ لأقطف زهراً. لا شيء واجبٌ عليَّ كي يكون لي كلُّ شيء.

ها إنَّ يدي تفكّك أصابعها، وقلبي يفكّك شرايينه، وعيني تفكّك حَدَقتها

أضعُ في يدي أصابع بال، وفي قلبي شرايينَ بال، وفي عيني حَدَقةَ بال

وفي نهاري زمنَ بالٍ وعلى الأرض كائنات بالٍ جديدة

وإذا الرغبات عصتْ على البال، ألتقطُ كلَّ الرغبات بعدم الرغبة.

ليس النبع بيننا ولا المجرى، ولا مسافة بيني وبين البحر

يولد النبعُ منّي والبحرُ منّي، وليس عليَّ أن أجري لكي أصل

هناك هو هنا

والأرض الأخرى تمشي قبالتي ولا ألتفتُ إليها.

لم أكن أجري في نهر. كنتُ بمحاذاة الأنهار أنتظر مائي

أجلس على لا مكان، ولا يجلس معي زمن

وإذا جاء يومٌ قديم وجلس في يدي، أُعيده إلى أرضه القديمة.

رسمتُ لا مكاني وجلستُ. قعدتُ على خريطة بالي.

لا منعطفات ولا طرقات

وإذْ أُطلقُ عصافيري في الفضاء تبقى في قلبي

ذلك لأنّ الفضاءَ بالٌ والصوتَ بالٌ والمكانَ بال

ولأني لا أُنزّه الأيامَ في الوقت، بل في حديقة بالي.

يا عيني التي وحدها تشرق عليَّ، الشروق والغروب هما هنا تحت رمشي.

أُقيم في ظلّ إغماضةِ عينٍ وفي ظلّ انفتاحها، وليس في ظلّ الشموس البعيدة

ويا عشباً مولوداً من خطواتي أعيش تحت أوراقك

وتعيش معي أراضٍ ومجرَّات

وترقص مخلوقاتٌ وتغنّي.

واقفٌ هنا، حيث يعبر الجسرُ وليس الماشون عليه

يكفي أن أقف، لكي أصل.

يعبر الجسرُ بي ويعرف وجهتي، يعرف أن لا وجهة لي إلاّ الوقوف

المدى في عيني والأرض في قدمي

وإن احتجتُ إلى رفاق، هم تحت جفني

يتقلَّص الكونُ حتى يصير حدقتي

ويدي تطْلق خرافها إلى كون، مراعيه رؤية

يكفي أن تنظر حتّى تشبع

ويكفي ألاّ تنظر، لئلاّ تجوع.

لكنّي مشيتُ كثيراً حتّى صرتُ هنا. مشيت كثيراً حتّى وصلتُ إلى كون الوقوف

إلى الحياة التي بقَدَمٍ حرنة، ويأتي الكون إليها.

الأرض في قدمي والمدى في عيني، ما حاجتي إلى المشي؟

وقوفٌ، سكونٌ، صمتٌ، بهاء.

هل مرَّ ظلّي على شجرة؟ هل مرَّ ظلّي على هواء؟ ذلك أريجُ بالٍ يسبح، ذلك بخارُ سهوٍ يضوع

غيومي التي تمطر مائي

وأُوزّعُ منه في الساحات، على كائناتي الجديدة

على النظرات التي تصطفُّ مقاعدَ لأطفالي.

ها هو الكون يجلس أخيراً على حَجَرِ نظرتي

كوني الصغير الخفيف الذي يسعه حجر، وتحمله نظرة.

آتٍ من هناك، فارّاً، كي أستريح على حجر

آتٍ من الذي كان فسيحاً كي أجلس على نقطة

على شيء نحيل، لا هناك فيه ولا هنا.

آتٍ من مساحات، لكثرة ما كانت شاسعة لم أكن أرى شيئاً منها

إلى حَدَقةٍ صغيرة أعرفُ كلَّ سكّانها.

آتٍ من عيونٍ كثيرة

لكي أجلس في عيني.

(تركيب آخر لحياة وديع سعادة 2006)

= =

رفاق

لديك ما يكفي من ذكريات

كي يكون معك رفاق على هذا الحجر

اقعدْ

وسَلِّهمْ بالقصص

فهم مثلك شاخوا

وضجرون

قُصَّ عليهم حكاية المسافات

التي مهما مشت

تبقى في مكانها

أخبرْهم عن الجنّ الذي يلتهم أطفال القلب

عن القلب الذي مهما حَبِلَ

يبقى عاقراً

حدّثْهم عن العشب الذي له عيون

وعن التراب الأعمى

عن الرياح التي كانت تريد أن تقول شيئاً

ولم تقلْ

وعن الفراشة البيضاء الصغيرة التي دقَّت على بابك في ذاك الشتاء

كي تدخل وتتدفأ.

لديك رفاق على هذا الحجر

لا تدعْهم يضجرون

أخبرْهم عن الخراف التي بلا راعٍ

وعن الراعي الذي بلا خراف

عن الراعي الذي ضلَّ والخرافِ التي تعرف الطريق

أخبرْهم حكاية الذئب

وحكاية القبَّرة

وحكاية الغول

وإنْ لم يكن لهؤلاء حكايات فاخترعْها

اخترعْ حكايات

اخترعْ ذئاباً وجنّاً وخرافاً ورعياناً وفراشات

رفاقك مثلك شاخوا

ويقعدون على حجر صغير

اخترعْ لهم مسافات.

(قُل للعابر أن يعود “نسيَ هنا ظلّه” 2012)

= =

بقليل من الحطب

بقليل من الدخان

بقليل من الحطب

أُحْيي الآن ذكرى الشجر

ذكرى غابات كثيرة نبتت في ذاك الماضي في رأسي

وكنتُ طيورها

وحطَّابها

والمشتعلين في مواقدها.

شجرٌ أحاول الآن بقليل من الحطب إحياء ذكراه

ذكرى طير ملوَّن حطَّ على غصن أمامي وطار

ذكرى سُحْلية على صخرة ليتني استلقيتُ قربها قليلاً

ذكرى ثمار حسبتُها أفئدةً

وأفئدةٍ  حسبتُها ثماراً وقطفتُها

وإلى الآن لا أعرف ماذا أفعل

بدم تلك الغصون.

بقليل من الحطب المتبقّي في قلبي

أُشعل سيجارة

وأرى في دخانها رفاقي

الذين ماتوا سكارى على الطرقات

الذين عبروا النهر بلحظة واقتادوا اليباس في تجوالهم كي يكون لهم رفيق

الذين نخزوا في عروقهم أخيلةً علَّ الدم الضجر في شرايينهم لا يبقى وحيداً في الليل الطويل

رفاقي

الذين في عيونهم طرقات

وقطارات

لا تتوقف في محطَّة

الذين تركوا المفاتيح في الداخل وصفقوا الباب ومشوا

وفي بحار نظراتهم وُلدت أسماك غريبة

وصنَّارات

رموها

واصطادوا عيونهم.

من الحطب المتبقّي من غابات ماضٍ بعيد

أُشعل سيجارة

وأُحاول أن أختبئ تحت دخانها

وأُخبّئ معي موتى لا يُحْصون

تحت دخان سيجارة أُخبّئ موتى وأُخبّئ أحياءً كي لا يموتوا

أُحاول أن أطرد الموت

بدخان.

بالحطب المتبقّي

بالدخان المتبقّي

أُحْيي ذكرى شجر وناس

تعانقوا

وصاروا دخاناً.

(من أخذ النظرة التي تركتُها أمام الباب؟ 2011)

خاص قنّاص – ملفات

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى