أخبار ثقافية

مؤتمر «مرجعية التراث الثقافي وإشكالية التجريب»

التراث الثقافي بين واجبات المبدع وتحديات الرقمية بوطننا العربي

مرجعية التراث الثقافي وإشكالية التجريب

قنّاص – أخبار ثقافية

بقلم د. أحمد مصطفى/ القاهرة

تتزايد مخاطر الرقمية والذكاء الاصطناعي على الهوية والشخصية والإبداع العربي، مما يتطلب تنمية التجارب الإبداعية تجاه توظيف التراث، والتجريب الإبداعي الرقمي للموروث، وتوظيفه تجاه إشكاليات  الواقع، وكذلك معرفة الأهمية والأدوار والمسؤوليات، وفي ذلك كان مؤتمر “مرجعية التراث الثقافي وإشكالية التجريب” بإقليم وسط الصعيد، جنوب مصر.

حيث يتعلق التجريب في الفن والأدب بإنتاج الأفكار واستمراراية ممارسة الفنون وتطورها، فيكون تغير الفنون لمسايرة الابتكارات والأدوات في كل عصر، ووفق طبائع أهله، كيفما كانت القصيدة التجريبية المعاصرة واستغلالها الفضاء البصري والتقنيات التكنولوجية للعصر الرقمي.

تقول الدكتورة إيمان عصام خلف في دراستها عن رقمنة القصيدة العربية: إن التجريب قرين وجوهر الإبداع، فالمبدع المجرب المستند لأسس وقواعد ونسق يفتح الطريق إلى واقع مغاير، ويحدث تغييرات غير محدودة، يتجاوز بها المألوف الموروث والمتعارف عليه، فيبتكر عملا إبداعيا مختلفا ووفق طرائق وأساليب وأنماط تعبير فني، تسمح بطلاقة الحرية.

حدث ذلك في العصر العباسي، مثلا: ظهور الموشحات والقصائد الهندسية التشكيلية، وصولا إلى القرن الحادي والعشرين، كالمدارس الكلاسيكية والرومانسية، بينما نشهد حاليا: القصة السلسة، والقصيدة السمعية، والقصائد الإلكترونية والقصائد الرقمية والقصائد التفاعلية، واستغلال الواقع الافتراضي لمنح دلالات غير محدودة، أو إنتاج نص حسب الوسيط ومجال التطبيق، وإخراج النص من السكون والاستاتيكية إلى التحول والتغيير، باستغلال روابط العتبات الرقمية والمؤثرات الصوتية والألوان والصور.

تناول الدكتور سيد عبدالرازق التجريب في الفضاء البصري للقصيدة العمودية ببداية الألفية الثالثة، وقال: إن التجريب مرتبط بخبرة المبدع وقدراته، وعبر استثمار التقنيات الحديثة في عرض منتجه الإبداعي، ومنها تغيير قواعد لعبة البياض والسواد على الصفحة لمنح دلالات جمالية وفكرية، فلم يعد البياض مجرد وقفة، وإنما وسيلة من وسائل إيجاد تواشج بين التشكيل البصري والبنية العميقة للنص لمنح دلالات جمالية وفكرية، ودفع القارئ لفك شفرات النص.

استفادت القصيدة في تطويرها من تداخل الأجناس، فرأينا كسر الخط البصري السائد، وتغير النسق والشكل والبنية والموضوع والسمات، وإعطاء دلالات جديدة للغة والوزن، فالشاعر مهمته اختراع الكلمات لتبقى، صانعا منها العلاقات والتأليف بين الأضداد والبنية الإنسانية.

بينما درس الدكتور أحمد الليثي نظرية التأثير والتأثر، باعتبارها إشكالية صعبة جراء التوحد والامتزاج المباشر، وقدرة بعض الأدباء على إذابة ما ينهلون من مصادر ثقافية وتراثية وبيئية في نصوصهم، وكذلك التقارب بين الأمم بفعل الحضارات والاختراعات الاتصالية المستحدثة والتقنيات الرقمية، فالبيئة منحت الشعراء أثوابا جديدة وأشكالا مختلفة، وطرق متعددة للتوظيف الجمالي.

أما الباحث عمرو السيد مصطفى فتناول أثر الثقافة الشعبية برواية “ليالي السيد” للكاتب أحمد جاد الكريم، والتي تأثرت بالثقافة الشعبية في فكرتها وموضوعها وأحداثها، وشخصياتها.

وقدم الدكتور سعيد فرغلي حامد قراءة في ضوء النقد النسوي لمجموعة “حين يغيب العالم” لفاطمة الشريف، وهي الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية، واستنتج قيام الكاتبة بتأكيد ذاتها الساردة من أجل الانتصار لحق المرأة في الحب والحياة والصداقة، مبينا أثر الوعي الذاتي والرؤية المهيمنة على السرد، وتساؤلات النص، والتشكيل الفني والجمالي، ليشكلوا امتدادا للوعي النسوي.

وعرض الباحث عبدالناصر عبدالمولى أحمد “تمثيلات الآخر في الأدب النسوي” وأشار إلى صور التمرد في كتابات الكاتبات، كالاختلاف مع الأنساق الاجتماعية والثقافية، وتمرد الهوية والنسوية ضد التهميش والتسلط، وهذا التمرد يتم ببراعة ولا يكون منفلتا، فهو يسعى لمعالجة توظيف الرمز التراثي والأسطورة والحكاية الشعبية والنصوص الدينية.

واستعرض الدكتور محمد عبدالراضي كيفية إيصال الرسائل الاتصالية للمتلقي بشكل جمالي ودلالي يوظف الصور الفنية والاستعارات وغيرها، مطالبا بتدريس جدلية الأنا والآخر بمقررات التعليم، وربط جدلية الأنا والآخر بالدراسات النقدية المعاصرة.

أما الدكتور محمد عبيد فكشف عن سيطرة القرية على روح شعراء الصعيد، فالقرية موطن الذكريات والمخلص والمنقذ من براثن المدينة، بينما المدن قاسية، وصادمة، فيكون لجوء الشعراء إلى المدينة الحلم والذكرى مرتبطا بفيوض المحبة والأنوار حيث الصدق والإخلاص والوفاء.

بينما أشارت الدكتورة هدى صلاح الدين إلى خطورة التحول الرقمي على ثقافة الطفل ووعيه، وأهمية العمل على تمكين الأطفال وإنماء الوعي والفهم بالتحديات المتنوعة وكيفية مواجهتها.

وتحدث الدكتور محمود فرغلي: عن تأثير المكان وتشكيله رؤية لدى القارئ وفقا لمعرفته وثقافته، والذي لا يرتبط بحضور المكان أو عدمه في الأعمال السردية، فقد يكون التركيز على الشخصية أو حالتها النفسية ومشاعرها، فيكون المكان بتمثيل مشتركات الذاكرة الجمعية.

وطالبت الدكتورة أسماء محمد عبدالحميد بمراعاة مستوى الثقافة والتأثيرات غير المنتظمة التي يحكمها مستوى المادية والمدنية، والاقتراب والابتعاد عن محدداتها الأساسية وهي الدين واللغة والتراث.. ومن هنا فغرض الثقافة هو الارتقاء بالمجتمع وخلق الأصوات العالية لمن لا صوت لهم من الفقراء والضعفاء والمهمشين، وتنمية شعور المسئولية والوعي الجمعي، تجاه محاربة الفساد وتفشي الظلم، ولهذا يجب اندماج دور المثقف مع دور الأديب، من أجل صحوة المجتمعات.

وبين الدكتور يحي محمد محمود القفاص دراسته للبناء الزماني والمكاني في الإبداع القصصي، بينما الباحث سفيان صلاح هلال درس الواقع الشعري بالإقليم، هذا وأصدر المؤتمر كتابا للأبحاث، وكتاب لإبداعات 67 كاتبا.

تضمن المؤتمر، ندوة عن الراحل سعد عبدالرحمن والذي احتفى به المؤتمر تكريما لعطائه، حاضر فيها الأدباء أوفى الأنور وفراج فتح الله والدكتور مصطفى رجب، كما أقام احتفالية بمئوية الأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي، ولعل جميع ما سبق لا ينفصل عن عنوان المؤتمر الذي يتبنى مرجعية التراث الثقافي.

هذا وترأس المؤتمر الكاتب محمود مسلم، والشاعر مدثر الخياط أمينا عاما، وحضر فعالياته اللواء هشام أبو النصر محافظ أسيوط، ومحمد حافظ ناصف نائب رئيس هيئة قصور الثقافة، ووكيلي وزارة الثقافة ضياء مكاوي والباحث مسعود شومان، وكرموا الشاعر أحمد الشافعي عن “أسيوط”، والشاعر محمد فتحي ذكي عن “الوادي الجديد”.

أما الشهادات الإبداعية فتميزت بالمصداقية والشفافية، لتمنح دلالات جادة لتجربتين إبداعيتين، وهما: للشاعر رمضان عبداللاه إبراهيم “سوهاج” والذي قال: “إن حزنت كتبت شعرا، وإن فرحت أهرول إلى قلمي، واليوم الذي لا أكتب به شعرا أحس أنني غير طبيعي، أكتب الشعر لأعيش، وأعيش لأقرض الشعر”، وأما ما أسهم في استمراريته فهو مؤسسية الصحف التي تنشر له قصائده المرسلة إليها بلا علاقة أو معرفة”.

ما سبق، أكده الشاعر أحمد دياب “الوادي الجديد” وقال أيضًا: “العزلة الجغرافية أسهمت في تشكيل تجربتي، فرضت تلك الطبيعة الصحراوية بواحاتها المتناثرة والمسافات البعيدة بينها وبين العاصمة”.

يذكرنا ذلك بمصطلح “العزلة النسبية” للمفكر عبدالوهاب المسيري، والذي يرى أهمية الانفصال المؤقت عن الواقع، كضرورة لحماية النفس مما هو شائع ومألوف، وحتى نقى أنفسنا شر التفاصيل والتفاهات ولغو الحديث والأحداث اليومية، ولكن دون تقوقع تام، وانقطاع تام عن التعرف على أهل الرأي والفكر، فالمقصد الابتعاد عن المشتتات.

اختتمت فعاليات مؤتمر «مرجعية التراث الثقافي وإشكالية التجريب» بنجاح لافت، -خصوصا- والقضايا التي أثارها، مثل: المطالبة برقمنة الثقافة، وإنماء وتطوير التجريب واستخداماته وإمكاناته الرقمية، وأيضًا دور المبدع كمثقف ورسالته التي تحتم الاستفادة من خصوصية الموروث ودلالاته، وأيضًا ألا يكون سحر الخيال والترميز لديه يطغى على  تحقيق أهداف رسالته الاتصالية مع المتلقي.

*****

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى