موسكوفيادا لـ يوري أندروخوفيتش: رواية نهاية الإمبراطورية السوفيتية | جودت هوشيار

الصورة: الروائي والشاعر والموسيقي الأوكراني يوري أندروخوفيتش

سلسلة مقالات في الأدب الأوكراني الحديث -2

منذ أن نالت أوكرانيا إستقلالها في العام 1991، سعت إلى ترسيخ هويتها الوطنية، وتمهيد الطريق لمستقبلها. كانت إحدى أكبر المشاكل، التي واجهتها، هي تحديد علاقاتها مع روسيا والإتحاد الأوروبي. في هذه العملية الانتقالية، عكس الكتاب والفنانون والفلاسفة الأوكرانيون في أعمالهم عملية إعادة تقييم الهوية الوطنية والثقافية والاجتماعية والسياسية لبلادهم. وهم يسعون اليوم إلى ترسيخ أنفسهم في سياق أوروبي، بينما يتعافون في الوقت نفسه من ماضيهم السوفيتي المؤلم، حيث وصِمَت لغتهم وثقافتهم على أنها محلية وغير متطورة.
كتب الروائي والشاعر والموسيقي الأوكراني يوري أندروخوفيتش (المولود في العام 1960 بمدينة إيفانو فرانكوفسك في غرب أوكرانيا) عدة روايات باللغة الأوكرانية تتناول هذا الموضوع بأسلوب ما بعد الحداثة، ما أعطى زخماً لتطور هذ االتيار الأدبي في الأدب الأوكراني المعاصر. وهو اليوم في طليعة الكتّاب الأوكرانيين الذين يجدون إقبالاً كبيراً على قراءة أعمالهم الأدبية المتميزة ليس في أوكرانيا وحدها، بل أيضاً في روسيا وأوروبا الغربية وأمريكا. وتعد روايته الموسومة «موسكوفيادا ( 1993)» من أهم أعماله الأدبية والأكثر إثارة للجدل.
تحمل “موسكوقيادا” عنواناً فرعياً «رواية رعب». ولا عجب في ذلك، لأن الأحداث تجري في موسكو في أواخر عهد البريسترويكا المضطرب. إمبراطورية ضخمة على وشك الانهيار، وما تزال المخابرات السوفيتية (الكي جي بي) تحاول بطريقة ما السيطرة على الدولة المفككة. الفراغ الروحي يسود المجتمع السوفيتي والناس حائرون ومرتبكون ولا يعرفون ماذا سيحدث غداً ؟
الرواية تحكي عن يوم واحد طويل، حافل بالمغامرات في حياة أوتو فون ف، وهو شاعر أوكراني يدرس في معهد الأدب العالمي في موسكو، ويعيش في منزل طلابي تابع للمعهد. ويشعر أنه غريب ومحبط، ولا يمكنه كتابة أي شيء إبداعي..
المنزل الطلابي، “صورة مصغرة للدولة الشمولية”. يقول بطل الرواية أوتو فون ف «أن الدولة العظيمة السابقة قد تحولت إلى نزل عادي بالمعنى الأسوأ للكلمة: استقرت خيبة الأمل بين جدرانه، التي لن تتم تغطيتها أبدا بلوحات تذكارية.. أحداث هذه الحفرة اللعينة رتيبة للغاية وتتكرر من يوم إلى يوم. في هذه المتاهة المكونة من سبعة طوابق، في قلب إمبراطورية مريضة “كل شيء غارق في الفجور والأوساخ والكحول».

 

الرواية تحكي عن يوم واحد طويل، حافل بالمغامرات في حياة بطل الرواية، طالب أوكراني يعيش في نزل للطلاب في موسكو، حيث يقول: أن الدولة العظيمة السابقة قد تحولت إلى نزل عادي بالمعنى الأسوأ للكلمة: استقرت خيبة الأمل بين جدرانه، التي لن تتم تغطيتها أبدا بلوحات تذكارية.. أحداث هذه الحفرة اللعينة رتيبة للغاية وتتكرر من يوم إلى يوم. في هذه المتاهة المكونة من سبعة طوابق، في قلب إمبراطورية مريضة “كل شيء غارق في الفجور والأوساخ والكحول.

غلاف الطبعة الأوكرانية

لا يختلف أوتو فون ف. نفسه عن زملائه. فهو فاجر، ومتسكع، وأناني وساخر ويسكر مثلهم. هو نفسه يدرك هذا، وهذا هو سبب غضبه الشديد لوفاة المظلي الشاب رسلان: «لماذا يضطر شاب، مظلي قليل الخبرة في بلادنا، على المخاطرة بحياته من أجل زجاجة فودكا؟ لا حرية هنا، إلا بما يكفي للسقوط من الطابق السابع؟… لكن هذه الأسئلة ظلت عالقة في الهواء. لأن المسؤولين، الذين يمكنك طرح هذه الأسئلة عليهم، لم يعودوا اليوم قادرين على الإجابة عنها».
ويصف أوتو نفسه بأبشع الكلمات: «داخلياً أنا لا أبدو مثل أي شخص آخر، أنا ابن عاهرة، حمار غبي، شخص غير سياسي، عاطل، أحمق شرير من سلالة الأعداء، وان كنت شاعرا موهوباً، أنا أسوأ عدو لنفسي».
ذات يوم يستيقظ أوتو في غرفته. ينزل للاستحمام في الطابق السفلي حيث يمارس الحب مع فتاة غير معروفة من مدغشقر. عند عودته من الحمام يجد في غرفته أصدقائه الثلاثة الأكبر سناً (يورا هوليتسسين وأرنولد هوروبتس وبوريس رويتمان) الذين اقترحوا عليه الذهاب إلى حانة سيئة السمعة في شارع فونفيزن. يشرب الأصدقاء الأربعة كمية كبيرة من البيرة الرديئة. يلقي أوتو خطابًا يدعو إلى انفصال أوكرانيا عن روسيا وسط تصفيق الجميع.
ولكنّ أوتو سرعان ما يغادر الحانة –وهو في حالة سكر شديد- لأنّ لديه موعد مع زميله كيريل في شقة الأخير، من أجل المشاركة في إعداد نشر صحيفة أوكرانية تقدمية، ولكن قبل زيارة زميله عليه شراء هدايا لأطفاله من المتجر الكبير «عالم الأطفال ». وفي طريقه إلى المتجر يقرر أوتو زيارة صديقته غاليا مروضة الأفاعي. يشرب بعض الفودكا معها. وبعد حدوث شجار بينهما، يهرب أوتو بصعوبة، تاركًا معطفه المطري وشريط صوتي لموسيقى مايك أولدفيلد.
يتوقف عند مطعم رخيص وقذر، ويهرب بصعوبة دون أن يصاب بأذى عندما يحدث انفجار في المطعم. في متجر «عالم الأطفال» يدخل إلى دورة المياه ويمر به رجل في منتصف العمر من أصل جنوبي أو ربما من أصل غجري، اعتبره في البداية مثلياً وسماه «البارون». بعد ذلك بوقت قصير اكتشف أن محفظته قد اختفت من حقيبته وأدرك أن البارون هو الوحيد الذي يمكنه سرقتها. تحتوي المحفظة على بعض الأموال، ولكن الأهم من ذلك –على تذكرة طائرة إلى كييف، حصل عليها بصعوبة بالغة. يلاحق أوتو البارون الذي اختفى للتو خلف أحد الأبواب المؤدية إلى غرف تخزين المتجر.
تنتهي المطاردة المجنونة عبر متاهة في ممرات الطابق السفلي. وفي صراع قصير بين الاثنين. ينتصر البارون بينما يتأوه أوتو على الأرض بساق مصابة. ومع ذلك، يسقط البارون المنتصر من خلال فتحة مجاري مفتوحة بسبب عدم الإنتباه، ما يترك أوتو وحده في الطابق السفلي. يدرك أن وقت إغلاق المتجر قد حان، وسيتم إغلاق جميع الأبواب المؤدية إلى الأعلى. بعد بعض المحاولات اليائسة للخروج يجد بابا يفتح أمامه بعد أن اصطدم به، لكن عندما يخطو للأمام يجد نفسه داخل أنفاق مترو موسكو، وسرعان ما يتم القبض عليه من قبل صائدي الجرذان المسلحين الذين سلموه على الفور إلى أيدي المخابرات السوفيتية، التي لاتزال تعمل تحت الأرض. أوتو محتجز في قفص، لكنه جاء بشكل غير متوقع إلى غاليا، التي كما يعلم، عميلة للمخابرات السوفيتية. غاليا تساعده على الخروج من محبسه. بعد خداع حراس الأمن. يدخل أوتو قاعة كبيرة، حيث تقام مأدبة احتفالية للمخابرات السوفيتية وبعض المنظمات الحكومية السرية الأخرى.
أوتو يلتقي بأحد معارفه القدامى، الشاعر ييجيفكين الذي يبدو أيضاً أنه عميل للمخابرات. وبعد شرب بعض الكحول يجد ييجيفكين عاهرتين لنفسه ولأوتو. ولكن الأخير تحت تأثير مزيج المشروبات الكحولية التي تناولها على مدار اليوم غير قادر على ضبط نفسه، ويندفع إلى الحمام حيث يتقيّأ. في الحمام يلتقي أوتو برجل عجوز يساعده، بعد بعض التحذيرات في حضور ندوة عن الموتى. للوصول إلى هناك، يجب عليه أن يرتدي قناعاً، يختار أوتو قناع المهرج. بمجرد دخوله، رأى عدداً من الشخصيات الملثمة التي تمثل القادة الأقوياء في التأريخ الروسي– إيفان الرهيب، لينين، دزيرجينسكي، إلخ. خطة رهيبة يتم التحضير لها الآن. تعلن شخصية غامضة ترتدي جوارب طويلة سوداء فوق رأسها عن خطة لتعظيم قوة الامبراطورية على حساب إخضاع دول أخرى (فنلندا وفرنسا وإسرائيل وغيرها) وتحويل مواطنيها إلى عبيد طائعين. يواجه أوتو خياراً –إما الجلوس وترك الخطة تمضي، أو القيام بشيء لنزع فتيلها، يستعير مسدساً من عميل مخابرات تم تخفيض رتبته بسبب هروب أوتو. أوتو يطلق النار على القادة الروس واحداً تلو الآخر. إنهم يسقطون كأكياس محشوة بالقش. ثم يطلق النار على نفسه. لكنه يبعث من جديد ويستقل قطاراً إلى كييف حيث دمرت موسكو في فيضان هائل.

 

«موسكوفيادا» رواية ذات حبكة سردية محددة بوضوح، ولكن السرد يتقطع أحيانًا بسبب المفاجآت الغير متوقعة وذكريات البطل وإشارات متعددة إلى شخصيات تاريخية وثقافية مشهورة لا تظهر مباشرة في الرواية. فهي ليست رواية فنية متجانسة، بل خليطاً من عدة أساليب وأجناس أدبية: (السيرة الذاتية، الواقعية السوداء، الواقعية السحرية، الإثارة، السخرية) لهذا تعرضت إلى نقد شديد لاذع حين صدورها لافتقارها إلى بناء متماسك. ومع ذلك، فإن اللعب بالإشارات، والتلميحات، والاقتباسات، والمحاكاة الساخرة، وتداخل الأجناس الأدبية المختلفة يمنح المؤلف ميزة التفرد.

غلاف الطبعة الانجليزية

كل ما حدث في أوكرانيا لاحقاً حتى يومنا هذا تنبأ به أنروخوفيتش منذ عام 1993. ففي نهاية الرواية، وفي محادثة مع ملك أوكرانيا الوهمي أوليكو الثاني يسأله بطل الرواية: «أنا ذاهب إلى بلدي، يا صاحب الجلالة. أخبرني إن كان هناك بلد يعيش فيه رعاياك، تحميهم الجبال من غزو الشرق». رعايا الملك كانوا يحلمون بالهجرة إلى أوروبا، ولكن أحلامهم لم تدم طويلاً.

ملاحظات لا بد منها

أندروخوفيتش يبالغ كثيراً في تصوير الحوانب السلبية للحياة الموسكوبية، وتوجيه سهام السخرية لها، وكأن موسكو هي الجحيم الذي وجد نفسه فيها بسبب خطاياه (مغامراته الجنسية العشوائية، والسكر الدائم، والتخاذل وفقدان الإرادة)، في حين أن كييف ما بعد الإتحاد السوفيتي كانت أكثر مدعاة للسخرية. ومع ذلك فإن الكثير من الظواهر التي يصفها في روايته واقعية إلى حد كبير في تلك الفترة العصيبة التي سبقت انهيار الامبراطورية السوفيتية.
لا توجد في الرواية كراهية للشعب الروسي، أو الثقافة الروسية. أندروخوفيتش يسخر من النظام السوفيتي الشمولي الآيل للسقوط.
فقط مرة واحدة يظهر صوت زائف: «بعد كل شيء، على مدى الثلاثمائة سنة الماضية، أصبحنا مثل هؤلاء الشماليين القساة. لسبب ما، بدأ أوكرانيون آخرون يولدون -بعيون الخنازير، وأنوف مستديرة غير معبرة، وشعر عديم اللون.. من الواضح أن الرغبة الطبيعية لأسلافنا في أن يصبحوا روساً عظماء في أسرع وقت ممكن أدت إلى بعض الطفرات التكيفية». هذه الفقرة لم يكتبها أندروخوفيتش ولا حتى الشاعر أوتو، بل جاءت معبرة عن الشعور القومي الجامح.
وإذا كانت مظاهر الحياة في موسكو (فوق الأرض) في تلك الفترة لا يختلف كثيراً عن الواقع. فإن ما يحدث في موسكو الثانية– تحت الأرض -محض خيال.
«موسكوفيادا» ليست رواية فنية متجانسة، بل خليطاً من عدة أساليب وأجناس أدبية: (السيرة الذاتية، الواقعية السوداء، الواقعية السحرية، الإثارة، السخرية) لهذا تعرضت إلى نقد شديد لاذع حين صدورها لافتقارها إلى بناء متماسك. ومع ذلك، فإن اللعب بالإشارات، والتلميحات، والاقتباسات، والمحاكاة الساخرة، وتداخل الأجناس الأدبية المختلفة يمنح المؤلف ميزة التفرد.
«موسكوفيادا» ذات حبكة سردية محددة بوضوح، ولكن السرد يتقطع أحيانًا بسبب المفاجآت الغير متوقعة وذكريات البطل وإشارات متعددة إلى شخصيات تاريخية وثقافية مشهورة لا تظهر مباشرة في الرواية.
الرواية مكتوبة بلغة مشرقة وغاضبة وحادة، إلا أنها تحتوي على العديد من الجمل باللغتين الروسية والألمانية مكتوبة بالأوكرانية للحصول على تأثير هزلي أكثر وضوحاً، حيثُ يستخدم الكاتب أحياناً الألفاظ السوقية، حين يصور حياة أفراد الطبقات الدنيا في المجتمع، الذين تتردد الكلمات الفاحشة على ألسنتهم.
يبدو تأثر الكاتب بشكل واضح برواية الكاتب الروسي فينديكت إروفييف «موسكو- بتوشكي»، الصادرة في باريس عام 1977، وفي موسكو عام 1988. بطل الرواية فينيا (فينيتشكا) ييروفييف مثقف مدمن على تعاطي الكحول، يسافر بالقطار من موسكو إلى بيتوشكي عند عشيقته وطفله. يصف الراوي بيتوشكي كنوع من المكان الطوباوي.
ومن ناحية أخرى، فإن «موسكوفيادا» شبيهة برواية الكاتب البولوني تاديوس كونفيتسكي «القيامة الصغيرة» حيث يقوم فيها البطل بجولة حول العاصمة. وقد قام أندروخوفيتش نفسه بترجمة هذه الرواية إلى اللغة الأوكرانية قبل صدور «موسكوفيادا».

 

خاص قنآص

جودت هوشيار؛ كاتب ومترجم عراقي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى