ميس تيك لم ترحل إنها ماتزال ترسم في عيون باريس | علي سفر

الصورة: الفنانة الراحلة ميس تيك

جعلت من جدران الشوارع والمساحات الفارغة مكاناً بصرياً مؤثراً

راضية نوفات هو الاسم الحقيقي للفنانة الفرنسية ميس تيك (Miss.Tic)، التي رحلت عن الدنيا قبل أيام، بعد أن تركت أعمالها المصنفة ضمن فن الشارع، ليس فقط في الكثير من الشوارع الباريسية، بل أيضاً في صالات عرض عالمية، وفي كتب، ومجلات، بالإضافة إلى الاستيلاء على مساحات بصرية في التلفزيون والسينما، من خلال تصميم الملصقات، والتي كان منها فيلم La fille coupée en deux للمخرج الفرنسي الشهير كلود شابرول في العام 2007.

نشأت راضية التي ولدت عام 1956 لأب تونسي الأصل وأم من النورماندي، في باريس، وفي مونمارتر تحديداً، وفي شوارع المدينة التي لطالما ألهمت الفنانين والشعراء، أرادت الفنانة الشابة أن تصنع مجداً شخصياً، سيلاحظ المدقق في ملامحه، تضمنه لدوافع نسوية، تركز على إظهار النساء في لحظات القوة والتأثير، بالإضافة إلى كتابات شعرية خاطفة، مليئة بالإلتقاطات غير القابلة للنسيان.

القوة هنا تتأتى من أن الفنانة التي تستخدم تقنية الاستنسل (حفر الرسوم على الكرتون ثم بخ اللون ضمنها) تريد أن تجعل من جدران الشوارع والمساحات الفارغة مكاناً بصرياً مؤثراً، فتصبح حمولة فن الغرافيتي (صناعة الرسوم والرموز والرسائل البصرية على الجدران) جزءاً من الإطار الأوسع أي فن الشارع، حيث لابد من الكتابة لإيصال الرسائل للآخرين، وللجمهور، وللمؤسسات، والسلطة!

ميس تيك: “جئت من مسرح الشارع، وأحببت فكرة الفن في الشارع”!

من شخصية الساحرة البطة في الروايات المصورة لوالت دزني، اختارت اسمها الفني الذي يقارب كلمة فرنسية أخرى تعني الغامضة باللغة العربية، ولتتمرد ميس تيك على التنميط السائد في ذلك الوقت للنساء، لجهة كونهن أدوات للإعلان التجاري، أو (مانكانات) لعرض الموضة، فتقرر أن تصنع لهن صوراً مختلفة، أبعد من صمتهن في الصور التي تنشرها مجلات الأزياء، أو كونهن أدوات إغراء، فجعلتهن ناطقات بما يعتمل في نفوسهن من مشاعر. لقد انطلقت من حاجتها الشخصية، لاستكمال أدوات تعبيرها؛ “في البداية، قلت لنفسي سأنظم قصائد، وبعد ذلك احتجت إلى صور مع هذه القصائد، وبدأت برسم البورتريهات الذاتية، ثم اتجهت نحو رسم نساء أخريات”.

عاشت راضية في طفولتها مأساة عائلية مروعة، إذ فقدت أمها وأخيها وجدتها في حادث سير، ثم تيتمت بعد ست سنوات حين مات والدها المصاب بالصرع، لتجد نفسها في مواجهة الحياة التي قادتها لدراسة الفنون التطبيقية، والاستقرار لفترة من الوقت في كاليفورنيا في الولايات المتحدة، ومن ثم عادت إلى باريس، لتبدأ في ترك بصمتها الجمالية المختلفة في أزقة المدينة، ضمن فضاء كان يدفع نحو تقبل فن الشارع الذي أمنت به كأسلوب للتعبير: «جئت من مسرح الشارع، وأحببت فكرة الفن في الشارع»!

كانت الصفة الأبرز لهذا الفن تتأتى من كونه يتم في الليل بعيداً عن عيون مراقبي الشوارع، لكن نتائجه أو بالأحرى منتجاته تُعرض تحت الضوء وأمام عيون العابرين، الذين ستكلل يومياتهم بالجمال، عبر لوحات يصنعها فنانون محترفون أو هواة، بشكل مجاني!

غير أن ما يبدو مجرد ممارسة سهلة، سيواجه في الظل اعتراضات الكثيرين، وأولهم هم أصحاب المؤسسات التي يتم استغلال جدرانها، وأيضاً أولئك التقليديين الذين يرون في هذه الرسومات التي تحتل الشوارع تخريباً للذائقة العامة.

ستثير لوحات ميس تيك اعتراضات مُلاك الأبنية، وسيلقى القبض عليها مرات عدة بتهمة تشويه الأملاك الخاصة، في العام 1997، وستحاكم لهذا السبب، وستدفع غرامات ذلك (وصلت إلى 22000 فرنك فرنسي ذات مرة)، وقد بقيت بعض الدعاوى مستمرة حتى الآن،  لكن إصرارها على الاستمرار، وسط إعجاب الجمهور وتقبله لما ترسمه، سيجعلها تغيّر بعضاً من تكتيكاتها، فصارت تطلب الأذن من أصحاب الأملاك، في الوقت الذي بات اسمها يصبح معروفاً في الأوساط الفنية والإعلامية، وخاصة بعد أن قامت بتسجيل اسمها كعلامة تجارية في العام 2000.

ومع الإنزياح الكبير في الذائقة نحو تقبل فن الشارع، وافساح المجال له ليحتل موقعاً مميزاً في الأوساط الفنية ومن خلال الوسائل الإعلامية وتأثير شبكة الإنترنيت في توضيح مدى توسعه في أرجاء المعمورة، ستبدأ ميس تيك بالعمل مع وكالات الموضة والشركات، بالإضافة إلى تصنيع منتجات تحمل علامتها التجارية. لكن هذا لم يعن بالنسبة لها الاندماج في المنظومة السائدة، حيث أنها كانت تشير دائماً إلى أن أوليات التمرد مازالت حاضرة في كل ما تفعل. وهكذا ستجعل من عبارات ثائرة (مانيسفت) موقعها على الشبكة فتقول: «أنا لا أعترف، أعلن نفسي، نعم لقد صنعت اسمي، ذات ليلة عند الحائط، رفضت بعيون مفتوحة ما يقبله الآخرون بعيون مغلقة».

حضور ميس تيك صار أكثر من عاديٍ بعد توسع تأثير لوحاتها، لتكون من الذائقة العامة بعد 2010، حينما شاركت في كتاب Petit Larousse الشهير وفي 2011 حين ظهرت طوابع بريدية تحمل صور لوحاتها، ومع قيامها بتصميم اللوحات الخاصة بترام مدينة مونبيلييه في العام 2013.

لا تنازل عن القيمة الثقافية في أعمال الفنانة التي أعلنت عائلتها رحيلها يوم الاحد 22 أيار في باريس مرفقة بلوحة كتبت فيها «جاهزة لكل الاحتمالات»، فقد خبأت في خلفيات لوحاتها كتباً، وهذا ليس بفعل مجازي، بل إنها فعلت ذلك فعلاً، وهذا ما أظهرتها لقطات مصورة في أحد التقارير التلفزيونية. وضمن هذا المنحى يمكن التوقف فعلياً عند تجربتها، من زاوية الريادة، والعمل المضني، بهدف جعل الفن أكثر تحرراً واقتراباً من أن يكون صوت المهمشين.

علي سفر، ناقد سوري مقيم في فرنسا

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى