دارُ الشعرنصوص

نفورُ الزّيت | صادق الطريحي

صادق الطريحي: نفورُ الزيّت

بمشيئةِ الزّيتِ المهدّدِ بالغيابِ تؤكّدُ الأخبارُ تَعْيينَ المُواطنِ قَلقَميشَ مُمرّضًا في الأرضِ أقْصى المدينةِ، في المَجازِ المُستَديرِ بحارةِ الإخلاصِ، إذْ يتنبأ العرّافُ بامرأةٍ مُهنّدِسَةٍ، مُنَمْنَمَةٍ على مَخْطوطَةٍ في بابلَ العُظمى، تخطّطُ للزّواجِ من المواطنِ ساعةَ التّثبيتِ، كانَ مُوظّفًا، مُتَفانيًا ومُكرّسًا في خدمةِ التّفويضِ والأعرافِ والأطفالِ، عالجَ طفلةً حولاءَ في شنجارَ، كرّسَ صورةَ الحاراتِ في التّقريرِ، حاولَ أنْ يزيحَ مُخلّفاتِ الحربِ، حاولَ أنْ يزيلَ خطيئةَ المُستسلمينَ لساسَةِ المَلكُوتِ، وزّعَ وجبةَ الإفطارِ في الشّرقاطِ، عمّرَ قُبّةَ الشّيماءِ في كوفانَ، طاردَ سارقًا مُتلثّمًا في عيدِ بغدادا، ومزّقَ صُورةَ الثّورِ الرّئيسِ في ساحةِ الأسوارِ، حتّى يوقفَ الحربَ الحرامْ.  

نَصٌّ لتوقيفِ الموظّفِ، رُبّما اختلسَ الكتابَ، وغيّرَ الصّفحاتِ بعدَ زواجهِ.

زَيْتٌ لتبرئةِ الرّصاصْ.

جاءَ عبدُ اللهِ من أقصى المدينةِ، كانَ نسّاجًا بِسامرّا، وخطّاطًا بواسطَ، جاءَ يرسمُ صورةَ امرأةٍ مُترجِمةٍ بدائرةِ الخُطوطِ، تُصَمّمُ الأزياءَ للفتياتِ في البيتِ العتيقِ، وفي المساءِ تترجمُ الأسماءَ والألواحَ والأختامَ من لُغةِ السّوادِ إلى لُغاتِ العالمِ المصنوعِ مِنْ صَوتِ الرّصاصْ.

هلْ كانَ يَعلمُ التأويلَ إذْ رَسَمَ المُترجمةَ الحَبيبةَ غَيمَةً خَضراءَ يانِعَةَ المَطرْ!!

هلْ عَمّدَ الضّلّيلَ في نَهرِ الفُراتْ؟

وهلِ استطاعَ تدبّرَ الأنواءِ في البلدِ الحديثْ!

زَيْتٌ لتدبيرِ الرّصاصْ.

ببراءةِ المعدانِ تَصعدُ زُهرةُ الكوفيّةُ العذراءُ حافيةً من البطحاءِ حتّى آخرِ الطّبقاتِ في مشفى الهلالِ، تفتّشُ الرّدهاتِ عنْ مَطرِ بنِ عبدِ اللهِ..

كانَ مُبشّرًا ومُبشَّرًا بالبُرتقالِ، وكوشَرِ الأسماكِ، إذْ خدشهُ الجَفافُ، فماتَ مُعْتلّا بداءِ الزّيتِ، لمْ تأتِ النّساءُ لندبهِ، لمْ تبكِ أجيالُ النساءِ لفقدهِ، (في بعضِ أخبارِ الصّحفْ، لمْ تُعلنِ المُستشفياتُ عنِ الوفاةْ) لمْ تعرفِ العذراءُ أنّ طريقَهُ اليوميّ مِنْ تلّ الرّبيعِ إلى الجبايشِ مُشبَعٌ بالبلّغمِ الموبوءِ، والطّفحِ السّخينِ، ولعنةِ الأوزونِ، والمُتشابهاتِ منِ الرّصاصْ.

في ذلكَ اليومِ الأليمْ.

كنتُ الطّبيبَ بردهةِ التّيفوسِ، كنتُ مُناوبًا إذْ جاءتِ الحَضَريةُ العذراءُ، لاحظتُ ارتباكَ صعودِها، ونزولِها، وصعودِها المتكرّرِ المفجوعِ، لاحظتُ الحِيودَ بصوتِها الملكيّ، لاحظتُ الضّمورَ بساقها اليمنى، فحاولتُ التّودّدَ كي أفوزَ بِنَظرةٍ مِنْ عَينِها، لمْ تسألْ عنِ النّزلاءِ، قالتْ وهْيَ صامتةٌ: هو المأمولُ، كانَ ممدّدًا فوقَ السّريرِ بدارةِ العاقولِ ـ هلْ لاحظتمِ النّهرين؟! ـ كانَ مخضّبًا في شَعرِ مَفرِقِهِ كما الأبطالِ، لكنّ الزّمانَ يغيّرُ الأسبابَ، لاحظتُ اصفرارَ مسلّةِ النّعمانِ والأعشابِ، لاحظتُ انكماشًا، بلْ جفافًا في حبالِ الصّوتِ، لاحظتُ انخفاضَ مُعدّلِ الضّرباتِ، صَوّرتِ الأشعّةُ حُفرةً دكناءَ في أطرافهِ السّفلى، وفي أطرافهِ العُليا، وفي أطرافهِ الوسْطى، ستزدُادُ اتّساعَا في المَساءِ (سينكرُ الشّرَطيّ ذلك في شهادتهِ الأخيرةِ في الصّباحْ)

وسينفرُ الزّيتُ الكريهُ بقوّةِ.

نفورُ الزيّت لـِ صادق الطريحي؛ شاعر وأكاديمي وقاص من العراق، له سبعة كتب في الشعر والقصة والمقالة، منها:  بيتُ القارئات، مجموعة شعرية، متحف النصوص/ مجموعة قصصية، ديباجة الأمر بالنزول/ مجموعة شعرية، قائمة الكتّاب السومرية/ مقالات.

نفورُ الزيّت

خاص قنّاص – شعر

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى