فضاءاتملفات

وديع سعادة والتآخي مع الطبيعة | د. علياء الداية

كثيرة هي محطاتي مع إبداع وديع سعادة، ففي العام 2008 صادفت مقاطع من قصائده، وسرعان ما تصفحت موقعه الإلكتروني الذي وجدت فيه كل إصداراته الشعرية، لأقضي ساعات من القراءة مع مفردات قصائده، وكانت المحطة الثانية حين حصلت على نسخة من ديوانه المطبوع في العام نفسه. أما المحطة الثالثة فكانت مقالاً كتبته حول رمزية الماء في شعر وديع سعادة عام 2011، ونشر في موقع ميدل إيست أونلاين، والمحطة الرابعة إعدادي مقدمة لأعماله الكاملة التي صدرت إلكترونياً بمبادرة من الشاعر عماد الدين موسى في دار أبابيل- 2016، وختاماً كانت المحطة الخامسة إشرافي الأكاديمي على الطالبة سارة ميسّر في جامعة حلب، وقد اختارت دراسة الشاعر وديع سعادة في مشروع السنة الأولى للماجستير- 2019، ثم نشرت مقالة عنه في موقع ثقافات- 2021.

تجربة وديع سعادة تنتمي إلى روح العصر وتتناسب مع جيل الشباب، فحالة تعدد الهموم والقضايا الجزئية في القصيدة الواحدة تتيح للراغبين اقتباس سطور قليلة وتأطيرها لتحمل شحنة شعورية موجهة لتكون حكمة تارة، أو مرثية، أو وقفة حالمة، ولاسيما أن الأزمنة تتداخل لديه، فليس من السهل التقاط الماضي أو فصله عن الحاضر وعن المستقبل. وتتميز تجربة وديع سعادة الشعرية بانطلاقه من الخاص إلى العام، من مفردات البساطة والتوغل في أعماق الذات ومساحتها المحددة إلى الفضاء الواسع حيث يتنامى تأثير تجربته وتماهيها مع الواقع العام، كانطلاقه من البيت البسيط الصغير، وقطرة الماء، وأوراق الأشجار اليابسة، والتراب، والرمل. فكأن الشاعر يحرص على توقيع خصوصية اسمه “وديع” في حالة من التآخي مع الطبيعة، وثبات الشخصية، ولكن من دون مقاومة لما يجري، فهو يقف على ضفة الحدث ويتأمل مستعيناً بمفردات الأحلام، والغيوم، شاهداً على الطوفان، وعلى صراعات البشر. ويكاد الشعور الأبرز في تجربة وديع سعادة الشعرية يكون هو الحنين إلى نقطة البدء في كل شيء، وإلى أدق التفاصيل، وإلى أضعف العناصر، محاولةً منه للقبض على الحقيقة الهاربة، لتتمحور حولها هموم الشاعر، في حيرة مفاهيم الصداقة والأخوّة، والحزن، وتيه الترحال، والدهشة الدائمة أمام ظواهر الطبيعة. إنّ الذات الشاعرة في القصائد تواكب ما يحصل حولها ولكنها لا تتدخل في توجيه الأقدار، بل تستسلم للمصائر، فكأنه ذلك الشاعر المهزوم، أمام الدمار، والنار، والريح، والأبواب، والوطن البعيد، وأمام الغرق الذي يشمل بسطوته الكائنات والذكريات.

*د. علياء الداية: ناقدة وأكاديمية من سوريا

إقرأ أيضا في هذا الملف:

الشِعر في العراء | د. هدى فخر الدين

وديع سعادة أو «كان ما يمكن» | احساين بنزبير

وديع سعادة في «أعماله الكاملة».. الشعر يُصادِق الحياة | شريف الشافعي

إيروسية الصمت عند وديع سعادة | ممدوح رزق

وديع سعادة.. الشاعر المعبّر عن الحزن | عزيز العرباوي

الشاعر الذي مشى في شوارع الدّهشة | عبد الجواد الخنيفي

خاص قنّاص – ملفات

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى