فوتوتشكيلمرآة الضوء

الكينونة وجدلية المادة والوجود في نحت أحمد عسقلاني                     

هذه المنحوتات بمثابة «حوارات وجودية» من خلال «اللغة البصرية للمادة»

أحمد عسقلاني: نحت الكينونة في جدلية المادة والوجود

بقلم: د. إنجي عبد المنعم

يُطلّ الفنان أحمد عسقلاني على المشهد النحتي المعاصر في مصر بلسانٍ فلسفي عميق، يتجاوز فيه دور النحات التقليدي ليغدو مُفكرًا يختبر حدود الوجود والهوية عبر لغة الخامة. إنّ تحويله للخوص والطين والصخر من مجرد مواد صماء إلى كائنات تنطق بأسئلة كونية، هو ما يضع أعماله في مصاف الأعمال الفنية التي لا تُمتع البصر فحسب، بل تُحفّز العقل وتُعمّق التأمل. فمن خلال تجربته، لا ينحت عسقلاني أشكالًا جامدة، بل يخلق «كينونات» تزاوج بين المُدرَك والحسي، بين الواقع والمتخيل، في فضاء وجودي يتسع للحدس والاستبصار، ويُجيب على قضايا راهنة تتصل بالذات والآخر، وبالدور الفاعل للمادة في صياغة المعنى.

إن القراءة الفلسفية لأعمال عسقلاني تتجلى كضرورة ملحّة لفهم أبعادها الوجودية والتأويلية، خاصةً عند مقاربتها بمنظورات فكرية معاصرة تتناول الجسد، والهوية، والمادة، والعلاقة بالآخر.

الجسد كقضية وجودية: جدل الرأس الغائب وثقل الكينونة   

تُعدّ منحوتة «الرأس الغائب» لـ أحمد عسقلاني تأملًا فلسفيًا حادًا في جوهر الكينونة الإنسانية. إنّ هذا التكوين البصري، الذي يجمع بين أقدام ضخمة وجسد مكتمل ورأس غائب، هو «انزياح مقصود» يُنتج «صدمة وجودية». هنا، يمكننا استحضار طرح مارتن هايدجر حول «الوجود في العالم»؛ فالجسد في هذا العمل يُلقى به في مواجهة مصيره المادي الخالص، وكأنه يُذكّرنا بأن وجودنا الأولي، قبل أي تفكير أو وعي، هو وجود جسدي ملموس، «ملقى» في العالم.

غياب الرأس، الذي يرمز غالبًا إلى العقل والفكر، ليس إعلانًا عن انتصاره، بل عن اختباره الصارم أمام ثقل الجسد المادي. العمل يدعو إلى نقاش فلسفي حول أسبقية المادة على الفكر، أو العكس، ولكنه لا يقدم إجابة نهائية بقدر ما يُشكّل سؤالًا بصريًا ماديًا. فالتمثال، بكتلته البرونزية الثقيلة، يُجسّد الفكرة القائلة بأن الفكر ليس مجرد حضور داخلي مستقل، بل هو يتجلى ويُختبر في وجوده ككيان مادي ثقيل. إن هذه العلاقة الجدلية بين الفكر والمادة، بين الغياب والحضور، تضع العمل ضمن سياق فلسفي أوسع يتحدى الثنائيات التقليدية، ويُعلي من شأن التجربة الجسدية المباشرة كمدخل للمعرفة الوجودية.

الاحتضان: الهوية في رحاب الآخر                  

تُقدم منحوتة «الاحتضان» لـ أحمد عسقلاني نموذجًا بصريًا مُكثفًا لفلسفة العلاقة بالآخر، متجاوزةً الحدود الفردية للذات نحو «كينونة واحدة». إن هذا التصوير البصري للانصهار بين جسدين هو تجسيد عميق لمقولة الفيلسوف الفرنسي كلود ليفي شتراوس بأن «وجود الإنسان يتم في علاقته بالآخر». ففي الاحتضان يتلاشى الحد الفاصل بين جسدين، ليُعلنا أن الوجود ليس حالة قارة مُحايدة داخل الذات، بل هو «فعل تلاقٍ وتبادل وجودي مع الآخر». هذا التعبير يتناغم بوضوح مع صدى «وحدة الكائنين ككينونة واحدة» الذي طرحه ليفي شتراوس في تحليلاته للعلاقات الاجتماعية والبنية الإنسانية ككل.

تُقدم منحوتة «الاحتضان» لـ أحمد عسقلاني نموذجًا بصريًا مُكثفًا لفلسفة العلاقة بالآخر، متجاوزةً الحدود الفردية للذات نحو «كينونة واحدة». إن هذا التصوير البصري للانصهار هو تجسيد عميق لمقولة الفيلسوف الفرنسي كلود ليفي شتراوس بأن «وجود الإنسان يتم في علاقته بالآخر». ففي الاحتضان يتلاشى الحد الفاصل بين جسدين، ليُعلنا أن الوجود ليس حالة قارة مُحايدة داخل الذات، بل هو «فعل تلاقٍ وتبادل وجودي مع الآخر». هذا التعبير يتناغم بوضوح مع صدى «وحدة الكائنين ككينونة واحدة» الذي طرحه ليفي شتراوس في تحليلاته للعلاقات الاجتماعية والبنية الإنسانية ككل.

يُعدّ هذا الخطاب الفني امتدادًا طبيعيًا لنقاشات جوديث باتلر حول الهوية. فإذا كانت باتلر تؤكد على أن «الهوية نتاج علاقات وظروف اجتماعية وتاريخية»، فإن أعمال عسقلاني تُقدم دليلاً ماديًا على هذا الطرح، حيث يمثل «الاحتضان» تحديًا مباشرًا لفكرة الهوية المفردة الجوهرانية، ويُظهر كيف أن الذات تُعاد تشكيلها وتتعمق في «تآلف واندماج» مستمر مع الآخر. يصبح الجسد المُتشابك في المنحوتة «سياقًا يتحدى الهوية المفردة»، مُقدمًا سردًا بصريًا لعملية «التكوين» التي لا تنتهي، حيث تتأثر الذات وتُؤثر في الآخر باستمرار. إنه يُبرز كيف أن «الوجود الفردي يجد معناه في الوجود المشترك»، وهو ما يتماهى مع اتجاهات فنية حديثة تُعلي من قيمة التواصل والتكامل كأعمدة أساسية لبناء السرد الجمعي للهوية. هذا التماهي هو تأويل فني لعمق الوجود الإنساني كوجود بيني.

همس الخوص: المادة كفاعل فلسفي

في منحوتاته المصنوعة من الخوص، يُقدّم لـ أحمد عسقلاني تأملًا في جوهر الوجود من خلال المادة. الخوص، كـ«عود إلى الأرض والجذور»، يصبح استعارة مكثفة للوجود الإنساني الذي يتميز بالهشاشة والمتانة في آنٍ واحد. هذه المفارقة تُشير إلى أبعاد فلسفية تتعلق بالطبيعة المزدوجة للإنسان، والتي يمكن ربطها بفكرة مارتن هايدجر عن «وجود الإنسان كمسألة زمنية وتكوّنية في العالم». إن التفاعل مع الخوص، بملمسه العضوي وتحديده للمكان والزمان، يُمكن قراءته كتصوير لـ«إعادة اكتشاف المكان والذاكرة في الفعل الفني». فالمادة هنا تُؤرخ لتاريخ أكثر من أن تُشكل شكلًا، بل، وتُعيد استحضار علاقة الإنسان الأول بأرضه وأدواته، في تداخل عميق بين الطبيعي والمُصنّع.

وما يجعل هذه الأعمال أكثر إثارة فلسفيًا هو تحويل الخامة إلى «فاعل فكري». هنا تتجلى مقولة كينيث فلامر بوضوح: «فلسفة المادة كفاعل وليس وسيط». فالخوص، بتشوهاته هو «سياسة مقاومة للجمال التقليدي»، يُنتج المعنى بذاته. الضوء والظل اللذان يمنحان العمل «حياة متجددة»، هما جزء من لغة المادة التي تتجاوز حدودها الفيزيائية لتصبح حاملة لدلالات وجودية. إن «التشوه» الذي يُحدِثه الخوص، أو الذي يتعمد عسقلاني إبرازه، يتحول إلى أداة لـ«إعادة تعريف الجمال في سياق معاصر يتحدّى التماثل الكلاسيكي ويجتاز الحدود بين الطبيعي والاصطناعي». هذه الفاعلية للمادة هي فعل أنطولوجي يُعيد تشكيل فهمنا للجمال والحقيقة.

تُقدم هذه الأعمال أيضًا مدخلاً لفهم كيف يمكن للمنحوتات أن تكون بمثابة «حوارات وجودية» من خلال «اللغة البصرية للمادة»، وهو ما يُشير إليه فكر ماريان إروين في فلسفة التشكيل والوجود. فالخوص، بهمسه وصمته، يُحاور المتلقي حول معنى الصدق والبساطة، حول قدرة الهش على الصمود، وحول العلاقة الحميمة بين الإنسان وبيئته.

فلسفة جمالية راهنة.. تشظّي الشكل ووجودية المواد

تُقدم منحوتات أحمد عسقلاني حوارات وجودية عبر اللغة البصرية للمادة (كالخوص)، مُستكشفة مفاهيم الصدق، الصمود، والعلاقة بين الإنسان وبيئته. يتجاوز مشغله كونه فضاءً تقنيًا ليصبح فضاءً فلسفيًا يعيد تعريف الجمال؛ حيث تُستخدم استراتيجيات «التشوه» و«الإزاحة» لتكسير الصور النمطية وتوليد معانٍ جديدة، متناغمة مع فلسفة ما بعد الحداثة التي تحتفي بالتنوع واللامركزية.

تبرز أعمال عسقلاني كـ«إنتاج حي» يُواجه الحاضر بتساؤلات وجودية، مُثبتة قدرة المادة على أن تصبح «حجة فكرية». هو لا يُقدم فنًا فريدًا فحسب، بل فلسفة عملية (Praxis) فني؛ حيث يكون الفن أداة فعالة لتشكيل الواقع وإعادة تأويله، مما يجعله صوتًا جوهريًا في النحت العالمي المعاصر.

*****

اقرأ أيضا في قنّاص لـ إنجي عبد المنعم:

المفارقة الجمالية في نحت سيدة خليل.. مدخل إلى الهوية التكنو-عضوية المعاصرة

د.إنجي عبد المنعم؛ فنانة تشكيلية وناقدة فنية مصرية

خاص قنّاص – فوتوتشكيل

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى