أرخبيل النصوصجسدُ السرد

مرآوية صخور البحر | بلال الخوخي

لك أن تختار، بين أن تذعن للمكتوب فأتلاشى من هنا تاركا المكان لك، أو أن تعتبر القصة قصة لا قدرا، فتعود أدراجك، وتتخذ طريقا أخرى

مرآوية صخور البحر

ركع واضعا كفيه على ركبتيه، يقطر من جبينه العرق ببطء، بانتظام، تماما كصنبور قديم لم يُغلق بإحكام. نظر تجاه البحر، ثم مرر يمناه على وجهه مزيحا كتلة سائلة شفافة. إن الاكتفاء برؤيته من بعيد قد توحي بأنه أحد ممارسي الجري اللائذين بالإطلالة الجميلة، لكن، عند الاقتراب منه سينبجس الرعب من عينيه المحمرتين، ومن ركبتيه المرتجفتين، وكذا من لهاثه الشديد كما لو سيلفظ قلبه.

دنا من الحافة، حيث اصطفت بعض الصخور مشكلة درجا طبيعيا. هبط واحدة؛ فبدت له بجانب أخرى عن يساره قبعة دائرية وصنارة تخترق الهواء وينسل منها خيط رفيع ممتد نحو البحر.

تذبذبت القبعة مع هبة ريح خفيفة؛ فتزحزحت من تحتها شعيرات بيضاء لرجل خمسيني ساهم في الأفق. التفتَ كأنما أحس بالعينين المراقبتين على يمينه؛ صدر مبتل وشعر أسود ملتصق بالجبين، وأبخرة تُنفث على دفعات متتالية.

 أشار إلى اللاهث بأن يقترب ويجلس جواره على الصخرة؛ فلبّى الأخير مطمئنا إلى الوجه المكسو بتجاعيد شبيهة بانكسارات أمواج اصطخبت وتلاطمت على قارب خشبي.

هدأت أنفاسه، واستطاع أن يستجمع كلماته الأولى:

  • شكرا على لطفك سيدي.
  • لا بأس، ارتح كأنك في منزلك، ولو أن الوضع مختلف طبعا.
  • منزلي؟ مِن منزلي هربت دون توقف أو التفات، إلى أن وصلت هنا.

نظر إليه بارتياب:

  • مِمّ، وما سبب هروبك؟
  • شيء فظيع؛ شيء كنت أطالعه في القصص والروايات كثيرا، إلى أن ابتليت به.
  • كيف ذلك؟
  • استيقظتُ كعادتي هذا الصباح، بعد أن رن هاتفي المضبوط على السادسة، ظللت ممددا لدقائق معدودات، أراقب تحركات عنكبوت صغيرة على شبكتها المثبتة في ركن السقف. فكرت في أن أجلب المكنسة وأزيحها، لكني بمجرد دخولي الحمام نسيت؛ انشغلت بتنظيف أسناني والتوضؤ. صليت الصبح، وأذكر جيدا أنني قرأت بعد الفاتحة سورة الهمزة، ثم في الركعة الثانية سورة الماعون…

قاطعه الصياد:

  • يبدو أن ذاكرتك تعمل جيدا رغم حالة الرعب التي تملكتك.
  • ما كانت ذاكرتي لتعمل لولا هذا الرعب؛ فما كنت لأتذكر أني استعملت الملعقة التي حركت بها قهوتي في دهن الخبز بالزبدة، ولا أنني سمعت طقطقات تنهال على جدار بعيد في وقت لا يليق فيه إصلاح شيء… إنها تفاصيل تتكدس في اللاشعور على ما يبدو، لا تكاد تلقي لها بالا حتى يلتقيك أحدهم فيخبرك أنه رآك عندما كنت تفعل كذا وكذا؛ فتتذكر حقا أنك كنت تفعل ما قال.
  • ومن الذي ذكرك في حالتك أنت؟
  • الفيسبوك

ضحك الصياد:

  • ومتى صار الفيسبوك متلصصا؟

ضحك كذلك وأجاب:

  • منذ الأزل، وهو بارع في عمله.

تابع الضحك إلى أن كاد ينقلب بكاء، فقال بحرقة:

  • قبل أيام، نشر أحدهم قصة أعجبني عنوانها، فنسختها على هاتفي إلى أن أقرأها بعد الخلاص من التزاماتي القرائية السابقة، وحين هممت بقراءتها؛ وجدتُني أقرأ تفاصيل صباحي كما هي. تملكني الرعب، وتوقفت عن القراءة.
  • ثم هرولتَ هاربا من منزلك.
  • لا، لم أفعل ذلك في البداية؛ فبنفس الدرجة التي تملكني بها الرعب، تملكني الفضول كذلك.

رفع قبعته قليلا وتأمل ملامح المتكلم التي لم يجف عرقها بعد.

  • لقد قررتُ أن أواصل القراءة، وبعد تجاوز السطور المتحدثة عما فعلتُه برز أول حدث لم يقع بعد، أن يُدخل أحدهم أوراقا إشهارية لـ «مرجان» من تحت الباب. هنا نهضت مسرعا وأحضرت كرسيا، ثم جلست أراقب أسفل الباب.
  • وماذا حدث؟
  • قبل أن يحدث أي شيء، تهتُ في سراديب التفكير مستحضرا القصص والروايات التي قرأت، مستذكرا تلك المنتهجة تقنية المرآوية والانعكاس الذاتي؛ لقد كانت كثيرة جدا، عن أناس يجدون كتبا تروي عن حياتهم كما عاشوها، أوعن آخرين كلما قرأوا سطرا رأوه يتحقق، والعديد العديد مما يتشابه أو يتقاطع مع هذا الأمر.
  • اممم
  • تخيل نفسك تعيش مطمئنا تحسب أنك تملك زمام الأمور، إلى أن تجد كتابا… وكأنه لوح أقدارك قد ألقى به الإله كي يعبث الناس به، أو كي يعبث بك.
  • عن نفسي، سوف أتجاهله، سأحرقه وأتابع حياتي.
  • هذا ما تظنه فقط.
  • ولو… دعني أسألك ولتكن صريحا مع ذاتك، ماذا لو كنتَ أنت من تتقمص القصة المقروءة فتسقطها على نفسك وتستدعي أحداثها إلى حياتك؟

ضحك من الفكرة وقال:

  • هذا لا يمكن؛ فبعض التفاصيل ليس لي يد فيها، وآخرها تلك الأوراق الإشهارية، هل أنا من دعوت صاحبها لإدخالها من تحت الباب؟
  • اسمع يا بني، إن كثيرا من اللاممكنات في هذه الحياة، إنما هي لاممكنات في أذهاننا فقط، وكذلك الممكنات.
  • ماذا تقصد؟
  • الوحدة مثلا، الوحدة قد تجعل الواحد منا يختلق أمورا مستحيلة.
  • هه، يبدو… يبدو أنك ستُأوّل معاناتي كما يحلو لك، تجلس هنا مرتاح البال، لا يهمك إن تزحزح خيط الصنارة أم لا، تقضي ساعاتك ببطء، ثم تلقي بتعليقاتك وأحكامك على حيوات الناس.

ابتسم الصياد وردّ في هدوء:

  • أوليس هذا ما تفعله أنت الآن؟

همّ واقفا ثم أردف:

  • فلندع كل هذا، أين هي القصة المزعومة؟

أخرج هاتفه ونقب بسبابته، ثم مد الشاشة في وجه صاحبه:

  • ها هي القصة.
  • حسنا، انتقل إلى النهاية، إلى آخر فقرة، واقرأها عليّ.

فبدأ يقرأ:

  • عند الصخور المطلة على البحر، التقى رجلا تكسو التجاعيد وجهَه، كأنها انكسارات أمواج اصطخبت وتلاطمت على قارب خشبي. اطمأن لجلوسه الهادئ بجانب صنارته المتصلة بالبحر بواسطة خيط رفيع، فحكى له عن الرعب المستولي عليه ظانا أنه سيخفف عنه أعباء كثيرة، لكن الصياد سايره إلى النهاية، وجادله، ثم كشف له عما هو أسوأ من رعبه السابق…

احتبست الكلمات في حلقه، رفع رأسه عن الهاتف، حدق في التجاعيد، ولا شيء غير التجاعيد: «هل يمكن حقا، أن تكون انكسارات أمواج؟»، عاد يتابع القراءة صامتا، بذهن مشوش، وشفتين مرتجفتين.

أدخل الهاتف في جيب سرواله، ثم وقف متقابلا مع الصياد؛ أخذ منه القبعة ووضعها على رأسه، لكنه أوقفه:

  • ليس بالضرورة أن نذعن للمكتوب، هناك دائما مجال للاختيار.

رد عليه بصوت متهدج يشي بالاستسلام:

  • حتى الاختيار جزء من المكتوب.
  • لا بأس، لكني سأُذَكّرك، للمرة الأخيرة، لك أن تختار، بين أن تذعن للمكتوب فأتلاشى من هنا تاركا المكان لك، أو أن تعتبر القصة قصة لا قدرا، فتعود أدراجك، وتتخذ طريقا أخرى.

*****

بلال الخوخي كاتب مغربي، صدرت له مجموعتان قصصيتان: «شتات» عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، الأردن، «جئتك بنبأ» عن دار المصورات للنشر والتوزيع، السودان.

خاص قنّاص – جسد السرد

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى