آثار الصوفية في أوروبا الغربية لـِ جون  لويس جيروتو | ترجمة كريمة سماعلي

 تقدم الصوفية ذاتها عبر كلّ الطرق الروحانية على أنها وسيلة للتأمل قبل كلّ شيء، إذ نادرًا ما كان لها تأثير واضح على مختلف ظواهر المجتمع مثل الصراعات السياسية أو الاجتماعية أو النضال من أجل السلطة. هذا النأي الظاهر يدفع بالمؤرخين أحيانًا إلى التقليل من شأن التأثير الحقيقي الذي تمكّن الفكر الصوفي من ممارسته على أسس الحضارة الإسلامية، أو  حتى ما يمكن أن يكون قد أثر فيه بشكل مباشر على أوروبا المسيحية في القرون الوسطى.

 وعلى الرغم من ذلك فما كان يتمتع به الأئمة الصوفيون من حكمة وقداسة أكسبهم وهجًا في العالم الاسلامي لما كان لهاتين الصفتين من أثر على الوعي، ومن الطبيعي جدًّا أن نعثر اليوم على الكثير من المؤلفات والشهادات لمريدين ومعلمين يمثلون الطرق الصوفية في قلب مختلف الحضارات الإسلامية التي ميزت القرون الأربع عشرة الأخيرة.

ولكي نذكر في هذا المقام إلا بعض الطرق المنتشرة عبر العالم، بإمكاننا أن نستحضر الطريقة النقشبندية الموجودة أساسًا بآسيا، والدراويش المولوية في الأناضول وأوروبا البلقانية، والقدريين والشاذليين  المتواجدين بشكل كبير في المغرب والشرق الأوسط، والطريقة التيجانية في أفريقيا. وقد انتشرت هذه الطرق المختلفة داخل الصوفية منذ القرون الوسطى حيث يسعى المريد -السالك- من خلالها إلى إحداث  تحول داخلي  يرشده في ذلك معلم على قيد الحياة. و تواصل هذه الطرق الانتشار إلى غاية اليوم، فبفضل حركات الهجرة الواسعة في السنوات الأخيرة   تمكنت من الانتشار داخل الاراضي الأوروبية.

لقد حظيت العديد من أعمال الصوفيين المشهورين بالترجمة إلى لغات أخرى بشكل رئيسي للإنجليزية والفرنسية مما سمح لمؤلفين مثل ابن عربي والغزالي والرومي من استقطاب شريحة واسعة من القراء بشكل متزايد. في مقابل ذلك لم تكن الطرق الصوفية في أوروبا حكرًا على الرجال والنساء الذين ينحدرون من الثقافة الإسلامية فقط، بل تتشكل أيضا من أشخاص ذوي أصول أوروبية كانوا قد تأثروا قبل كل شيء برسالة موجهة للقلب. فالراغب في اتباع تعاليم أحد الأئمة الصوفيين لا يخضع لشروط تتعلق بالسّن أو المستوى الاجتماعي أو القدرات الثقافية ولا أن يكون ضليعًا في اللغة العربية: فما يهم هنا، هو صدق الرغبة المنبثقة من داخل الشخص.

وجدير بالذكر أن بعض المثقفين الأوروبيين اشتهروا شعبيًا بفضل ما قدموه من دراسات ذات جودة حول الصوفية كإبراهيم بوخاردت من سويسرا، ميشال فالسان رومانيا ثم فرنسا، مارتن لنكز من انجلترا، ميشال شودكيفييتش ورينيه غينون من فرنسا.

وقد كان لهذا الأخير بدون أدنى شك دور الرائد بالنسبة للأوروبيين الباحثين عن المعنى، إذ لا تزال أعماله تحظى بمكانة استثنائية لما تقدمه من دراسات حول تقاليد الرمزية وامكانيات البدء الروحي الحقيقي. كما أن كتبه ومقالاته التي كتبت خلال النصف الأول من القرن العشرين لازالت محافظة على تأثيرها بلا منازع إلى غاية أواخر هذا القرن بفضل مفردات بسيطة تجيب بعمق ووضوح عن إشكاليات الروحانيات المستمدة من الواقع، التي نشأت مع ولادة العالم الحديث.

 نظرة على الماضي 

يتوجب علينا أن نوضح  في المقام الأول، أن الصوفية تألقت في مختلف الحضارات الاسلامية بعيدًا عن الطرق الروحانية الخاصة بها، فألهمت بشدة كل طبقات المجتمع. فنكشف منذ القرون الوسطى الأولى عن وجود كتاب الفتوة داخل الطوائف التي كانت لديها القدرة على تحفيز الزخم الروحاني في مختلف المستويات الاجتماعية. ولم تكن هذه الطوائف في الحقيقة إلا امتداد طبيعي لروحانية الصوفية، التي تجد في هذا الأنساق التعبيرية فرصة لتطبق في العالم التعاليم التي تلقتها من أعماق القلب.

في الحقيقة لايمكن أن نجزم أن كل أعضاء طبقات الفرسان أو الطوائف كانوا صوفيين بيد أنه يتوجب علينا الإشارة إلى أنه كان ثمّة الكثير من القيم المشتركة مع الطرق الصوفية داخل هذه المنظمات: التوجيه القبلي، البحث عن سلوك حسن، كرم في الأفعال اليومية روابط أخوية بين الاعضاء، استعمال كلام رمزي، استشعار قوي لجمال الخلق.

وإذا كنا سنتبنى  نظرة خارجية حول العلاقات التي ربطت أوروبا الغربية بالإسلام، بالإمكان أن نستخلص  مبكرًا أنها عُرفت دوما بأنها سلسلة من الصراعات أو الحروب المتعاقبة وعدم فهم متبادل. ويبدو أن كلاًّ من المسيحية والاسلام في القرون الوسطى كانا يستثنيان بعضهما البعض جذريًا  ويدافع كل منهما عن أحقية أن يكون هو الديانة الوحيدة العالمية. هذه الرؤية أكدتها الأحداث كالحروب الصليبية وسقوط الأندلس التي لا يذكر التاريخ عنها إلّا الجوانب العنيفة، لكن أثناء الفحص الدقيق لشهادات منحدرة من هاتين  الديانتين، تفاجأنا بالتشابه الجزئي, والتأثيرات المتبادلة التي بمقدورنا الكشف عنها في مجالات الفن المقدس و الأدب وتفكير المجموعات المُسّاريّة ( غنوصية).

وعلى هذا الأساس، كان ممثلو الصوفية مدعوين للاضطلاع بدور حيوي و أساسي. في الحقيقة حاول الصوفيون ربط علاقات مع ممثلي المنظمات المسيحية وعيّا منهم بأهمية التبادل بينهما، يتعلق الأمر حتى بالأحداث العدائية المتبادلة بين الأشكال الخارجية للمسيحية والإسلام، هذا النوع من العلاقات يفلت من كل أشكال التبشير، ويستدعي الروابط العميقة التي تربط الأشكال التقليدية الأصلية.

تواجد إسلامي في أوروبا الغربية

من المفيد التذكير أنّه خلال الألف السنة  الأخيرة، لم تكن أوروبا المتوسطية جلها مسيحية. ففي واقع الأمر كان الإسلام منتشرًا بكثافة في آسيا وأفريقيا وأوروبا خلال القرن السابع والثامن للميلاد، إذ تولى المسلمون على مدار عصور شؤون إدارة إسبانيا وإيطاليا، ولم تسقط مملكة غرناطة  واستعادها الكاثولكيون إلّا سنة 1492 للميلاد. وفي القرن الحادي عشر وحين كانت أوروبا المسيحية تشهد تهاوي حكم شارلمان، كانت الحضارة الإسلامية في إسبانيا وصقلية تعيش عصرها الذهبي الذي امتاز يومها بفورة ثقافية وابداع فني لا مثيل له، الكثير من الأعمال المعمارية التي لازالت خالدة إلى  يومنا هذا تشهد على ذلك: مثل المسجد الكبير في قرطبة والمئذنة القديمة في إشبيلية أو قصر الحمراء في غرناطة، كلها شواهد على سمو سلالة حكام المسلمين المتعاقبين على مر سبعة قرون  على الاراضي الإيبيرية.   

لقد تمكن التواجد الإسلامي من تطوير الطرق الصوفية، ليكون محي الدين ابن عربي المولود بمرسية عام 1165 للميلاد أحد أهم الأئمة الصوفيين والأكثر بروزًا. عُرف ابن عربي بكماله الروحاني المتميز، مخلفًا وراءه إرثًا مكتوبًا لا يزال إلى اليوم يمثل مرجعًا أساسيًا في الأدب الصوفي، ويصف في أحد مؤلفاته “الدرة الفاخرة فيمن انتفعت به في طريق الآخرة” صورًا للكثير من الرجال والنساء من سكان جزيرة إبيبرية كانوا قد بلغوا مستويات متقدمة  في مسالك الصوفيين، في حين ظلت حكمتهم مثلا يحتذي به مريدوهم المعاصرين.

ولما  كان جزء من لانغيدوك قد أصبح محمية إسلامية، كان الغال الجنوبي خلال القرن الثامن يستقبل على أراضيه رسلًا أتوا من إسبانيا والمغرب. إلّا أن البقايا المادية لهذه الحقبة نادرة، رغم ذلك فقد عُثر على أعمال فخارية ونقود  بالقرب من قرقشونة، بيربيينا وأربونة.  أما عن الجانب المعماري فأهم ما تبقى من آثار تلك الحقبة التي بناها المسلمون وجد بالقرب من فرنسا في سرقسطة عند سفح جبل البرانس. وبالإمكان زيارة قصر قديم (الجعفرية) الذي شيد تحت حكم بني هود سنة 1050 للميلاد وبه مسجد خاص، كانت زينته وزخارفه من ميزات فن الموحدين.

ظلّ تواجد المسلمين  في “لايغندوك” و “برفنس” موثقًا حتى  بعد دستور حكم الكارولنجيون ثم المجتمع الاقطاعي، ومن جملة الآثار المادية الرئيسة المتعلقة بالمجتمع المسلم والتي بقيت شاهدة على تلك الحقبة  شواهد القبور التي عثر عليها أثناء عمليات التنقيب  في الايرو وفي قلب مونبليه والتي يعود تاريخها إلى القرن الحادي والثاني عشر، لقد كانت هذه الشواهد استثنائية. إذ بالإمكان أن يُقرأ على إحداها “هنا قبر الفقيه لسنة 533  الموافق ل 1138 من التقويم المسيحي  علاوة  على ذلك كتب …”  أشهد   أن لا اله الا الله وحده لا شريك له …”  إن هذا النوع  من الاكتشاف سهل التصور إذ ما اعتبرنا أن مونبليه  كانت بوابة حيوية ومفتوحة على  حافة  البحر الأبيض المتوسط  خصوصًا  على إسبانيا وفلسطين اللتين لعبتا دورًا  اقتصاديا بالغ الاهمية.

لقد خلف تواجد سلالات حاكمة ومجتمعات مسلمة في أوروبا الغربية ،و طريق القديس يعقوب  و حج الأرض  المقدسة وإقامة الكثير من المسيحيين في بلاد المسلمين أين تعايش مسلمون ويهود ومسيحيون بالغ الأثر على تطور مجتمعنا. لقد أصبح اليوم واضحًا أن المسلمين هم من نقل إلى المسيحيين عن طريق علماء يهود في أحيان كثيرة عديد المعارف في العلوم مثل الفلسفة و الرياضيات والفلك والطب. في الواقع كلّ الاسهامات  في هذه  المجالات والمنحدرة من العالم المسيحي متأخرة بقرن على الأقل عن ما يقابلها  عند المسلمين ،فقد أخذ المسيحون عن العلماء الشرقيين حججهم ودلائلهم بإخلاص ثم كيفوها مع الثقافة الغربية. بموازاة ذلك ، استفادت  المجالات المتعلقة  بالروحانية  من هذه الروابط،  وسنقوم هنا باستعراض بعض التشابه بين الثقافتين.

المحاكات والتجانس

تعود أصول الكيمياء إلى مصر القديمة حيث تطورت في العديد من المراجع الصوفية، عرفت بشكل خاص لدى شريحة واسعة من الناس كتقنية تملك القدرة على تحويل الرصاص إلى ذهب. في الحقيقة  و على المستوى الرمزي تحدد بالمراحل المختلفة  للتحول الداخلي  التي يحدث لدى  الأفراد الذين انخرطوا  في درب المسّاريّة ( الغنوصية ).  لقد أحرزت الكيمياء تطورًا معتبرًا في المسيحية الباطنية في القرون الوسطى وعصر النهضة . فالتحول الصادق في العقيدة والطريقة الأصلية  واضحين،  من جهة عن طريق  المصطلح التقني  الذي  استعمله الكيمائيون  المسيحيون  و الذي  نقل مباشرة من العربية  ( الكيمائي , اكسير,  انبيق )، و من جهة أخرى بالعودة  لبعض العلماء الذين كانوا يعيشون في المشرق. 

أما فن العمارة فالتأثير الإسلامي  كان حاضرًا في الفن المسيحي المقدس، بشكل عام الفن الرومانسي , فعلى الرغم  من عمق أصالته إلا أنه  يحمل  نقاط تشابه مع  نماذج العمارة  الخاصة بالعالم الإسلامي  : تسلسل الأقواس والأعمدة , الأقواس ذات الزوايا الحادة , ديكورات وزخارف زهرية. لقد ولد  هذا الفن في أوروبا المتوسطية، حيث كانت  تتم مختلف  تبادلات  بين المشيديين   لهاتين الثقافتين واللتين  تربطهما علاقات متينة  .

لقد  ولّد  هذا التبادل أساليب جديدة  لازالت تميز  العبقرية الإسلامية مثل الفن  الموزارابي ( المستعرب)  الذي نقله وطوره المسيحيون الذين كانوا يعيشون تحت الحكم الإسلامي أو الفن المدجن الذي انتشر عن طريق المسلمين في جزيرة إسبانيا التي بقيت تحت  الملك المسيحي  بعد سقوط الأندلس و بالضبط في طليطلة، أو الفن العربي الصقلي  الذي نشأ  كنتيجة لالتقاء النورمانديين والمسلمين  في إيطاليا  الجنوبية في القرن الحادي عشر .

أمّا في فرنسا ، فآخر  قطعة  مشهورة من الطراز الرومانسكي “ساكف”  يعلو كنيسة قرية سانت جنيز فونتان والتي  تعود إلى سنة 1020  للميلاد ،يحمل في ثنايا زخارفه  شبهًا كبيرًا  لمعايير نماذج الفن الإسلامي الذي ظهر قبل قرنيين من الزمن. في  هذه  المنطقة و ككلّ المناطق   المتواجدة في إسبانيا  ثمّة  الكثير من أبراج  الأجراس رفيعة ومنفصلة عن صحن الكنيسة، قاعدتها المربعة وفتوحاتها الصغيرة المقوسة تذكرنا بعمارة المآذن في المغرب مثل مسجد  قتيبة في مراكش .

ومن الإشارات الأكثر وضوحًا، إمكانية الإشارة إلى  الكتابة بالخط الكوفي  لمشبّكة الله على ساكف  كنيسة قديمة  لامالو لبان  (الايرو) أو الباب الخشبي  لكاتدرائية   دي بوي  (لورا العالية) التي   تحمل كتابة بالخط الكوفي ،في حين ما يتعلق بالفن  التصويري ، نذكر لوحة العذراء لجينتيلي دا فابريانو (1370-1450) التي كان لديها مكانة استثنائية ، تحوي هالة العذراء على زخرفة تزينها، كان يعتقد لمدة عشرات السنيين  أنها عبارة  عن زخارف أرابيسك إلى غاية القرن التاسع عشر، أين كشف عالم شرقي  أن الكتابة “لا اله الا الله ”  العبارة الرئيسة للإسلام  مكتوبة بالخط  الكوفي .  

ثمّة الكثير من التماثلات التي لا تخلف عند الوهلة  إلّا القليل من الأهمية ، إلا إذ رغبنا في الكشف عن دلالاتها فسيكون لدينا آنذاك “الجزيرة الخضراء” أو “أصدقاء الله”، فقد اهتدى  المستشرق هنري  كوربان أن هذه العبارات موجودة في الكتابات الروحية الإسلامية الإيرانية وفي كتابات مجموعة فرسان  القديس يوحنا التي تأسست في ستراسبورغ  في مكان يسمى  الجزيرة الخضراء  في القرن الرابع  عشر  وكان أعضاؤها يسمون   “أصدقاء  الله”  وربطتهم  علاقات  دائمة مع  جون تاولر (1300-1361) الطالب الشهير للمعلم اكهرت. المراسلات  المكتوبة   للمؤسس الرئيسي رولمان ميرسوين  التي لازالت محفوظة لغاية اليوم وثقت كل الروابط الروحانية  التي جمعتها بشخصية غامضة  تسمى  صديق الله في الأوطان العالية والذي لم يكن من الممكن التعرف على شخصيته الحقيقة   وكان بمثابة ” قطب روحاني” ملهم  لكل المجموعة

والعبارة” أصدقاء الله” الموجودة في الروحانية الإسلامية  تملك مرادفًا  دقيقًا وهو” أولياء الله” والتي تعني الرجال، -لا رجال الدين ولا علمانيين-  مرتبطين بميثاق الشهامة  الذي يوجههم لتحقيق  الكمال الروحاني بالله ,  كما نجد أيضا  العبارة ”  الجزيرة الخضراء”  في العديد من الأساطير المسّاريّة التي تذكر فيها أرض رمزية  منيعة  تقع على تخوم البحر الأبيض . يقيم عليها القطب الروحاني للعالم ويشاع ” أن السّكان الذي  يعيشون فيها،  يبقون في حالة من الشباب الدائم” . في حين يوجد تشابه آخر لافت يكمن في استعمال كلمة ” فقير”. فهذه المفردة تعني تلاميذ ( i poveri) سانت فرنسوا دي اسيسيس (1182-1226) وملهمي  الطريقة الصوفية (  فقراء  بالعربية ، دراويش بالفارسية).

تسعى عقيدة سانت  فرنسوا دي أسيس إلى التجريد الداخلي بغية طرد  كلّ قوة للانا ، وهي تعكس بذلك تشابهًا كبيرًا مع التعاليم الخاصة بالطرق الصوفية . قام سانت فرنسوا  بالعديد من الرحلات إلى المغرب ومصر  داعيا لإقامة علاقات  نبيلة مع المسلمين يتجنبون فيها كل تفكير  يحمل اختلافًا  بإمكانه أن يثير عداوات بين المجتمعين   خلال تلك الحقبة .” كل خير موجود في كتابات الوثنيين (المسلمين) ليس لهم  و لا لأي شخص  آخر , إنما لله وحده الذي لا يأتينا منه إلّا كلّ خير “.

ففي حوار  يعود تاريخه الى سنة 1219 للميلاد ظلّ  مشهورًا عبر الزمن جمع سانت فرنسوا دي أسيس مرفوقًا  ببعض تلاميذه من جهة و السلطان المالك الكامل بصحبة الإمام الصوفي فخر الدين الفارسي  أحد مريدي الحلاج  من جهة أخرى، و إذ كانت المراجع  التاريخية لا تذكر  ما جاء في  اللقاء- الذي دام أيامًا” على وجه  الدقة ، فإنها تشير أنه  انتهى بتبادل لأسمى عبارات التبجيل والاحترام.

 رؤية الأوروبيين للصوفيين

في جلّ سرديات المسيحيين ذات الصلة  بالإسلام، ثمّة إقحام جدلي وانطباع سلبي يكشف عن خصومة وعدم فهم، إذ أن مواضيع النزاعات تتجاوز  في الغالب الجوانب اللاهوتية المحضة  فتنحصر في الاختلافات الثقافية، في حين  يبدو في الكثير من الحالات -على الأقل-  أن نظرة الأوروبيين   للغموض الصوفي وممثليه  أكثر إيجابية  خاصة بالنسبة للذين  سمحت لهم  الظروف بالاقتراب  منهم .

كتب اللاوهتي الكتلاني رامون لول (1235-1315) العديد من المؤلفات يحاول من خلالها إثبات صحة العقيدة المسيحية إذ ما قورنت بالإسلام. فأقبل  يتعلم اللغة العربية  وأسس الثقافة الإسلامية، رحل من أجل ذلك إلى شمال إفريقيا قاصدًا دعوة المسلمين إلى الديانة الحقيقة – المسيحية- “. في أحد مؤلفاته  المعنون ب”كتاب المحب والمحبوب” قال وقد اشتعل حماسة: ” هؤلاء يسمون صوفيين ، عبارات الحبّ والامثلة الدقيقة تعطي  للرجال ولاءً كبيرا ” .حديثه  الدائم عن مواضيع تخص  الروحانية الإسلامية ملفت للانتباه  فاعتبره أحد الشارحين في  بداية القرن أنه ” صوفي نصراني “

لقد رأينا سالفًا أن الكيميائيين المسيحيين استخدموا بوضوح مراجع تعود للصوفية. الفيلسوف الكبير والعالم الإنجليزي الملقب بالدكتور  المحبوب روجير باكون ( 1220-1292)  لم يتوان في التأكيد  أن جابر  يتوجب أن  يعتبر” سيد الأئمة”  لقد عاش   أبو موسى جابر الصوفي في سنة 800  بالقرب من بغداد  له  مؤلفات كيميائية  حظيت  بالعديدة من الترجمات وانتشرت  عبر أوروبا .

ليس بعيدًا عنا، كان الأمير عبد القادر (1808-1883) قد عرف بدوره المقاوم ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر و كذا جسارته وفكره النبيل. ارتباطه منذ الصغر  بالطريقة الصوفية  وثراء كتاباته  التي  لا تنضب  تشهد على عظمة البعد الصوفي لهذا المحارب والكاتب الاستثنائي، بعد استسلامه  لفرنسا عاش محميًّا مع أهله في العديد من الإقامات المحروسة في مدينة باو ثم  امبواز وأخيرًا باريس، وفي  سياق متوتر  كالذي كانت تعيشه الجزائر مع فرنسا  كان من الممكن  أن ينظر إليه على أنه عدو لفرنسا ،غير أنه و كان كلما نزل بأي مكان في فرنسا يستقبل بحرارة من طرف  الشعب  الذي  يرى في الرجل رغم كل شيء  ميزات قلبه وشجاعته .

بعد مرور سنوات وجد الأمير  عبد القادر نفسه لاجئا في دمشق ، يحمي ملايين المسيحين الذين كانوا معرضين لمجزرة  أثناء حرب  بين المسلمين  والمسيحيين، لقي موقفه يومها إشادة عالمية واعتبروه  مثالا يحتذى به  في الكرم  والعفو . و في الحقيقة إن أفعال الأمير كانت تطبيقا للتعاليم التي تعلمها وموقفه في العالم كان الامتداد الطبيعي لتأمل الواحد.

 الحب النبيل الشرقي و الغربي

أحد السّمات المميزة للعبقرية العربية وبشكل خاص الثقافة البدوية، الروعة والمرونة والسهولة التي يعبرون بها عن مشاعرهم وعن الرموز الأكثر قوة من خلال الشّعر. في الواقع سبق و أن استعملوا هذه الطريقة التعبيرية بشكل كبير  -أي فترة ما قبل الإسلام- في مواضيع العشق التي تثار عن طريق  العلاقات المعقدة  بين عاشق متيم وامرأة مثالية ، لا يمكن الوصول إليها  والتي تكون في الغالب  موسومة  بكلّ صفات التقديس .

لقد استعمل الشّعراء الصوفيون مرارًا  هذا النوع  لوصف حالة من التمجيد , العذاب و الحيرة، حالة الخضوع  وحالة الاكتفاء المرتبطة  بالتجربة العشقية . يصبح الحبّ البشري في هذه الحالة عبارة عن صورة من العشق الروحاني ، يجسد العاشق  المريد الطامع للارتباط بالله  الذي يرمز له بالمرأة  المشتهاة .

في هذا البيت لأبن الفارض  يعطي تصورًا  لاعتناق الحبّ الذي يكتنف العاشق خلال سفره الداخلي ”  أنا عبدك ولا  أفكر في أن أحررني من هذه العبودية . إن كنت ترغب في منحي حريتي فإني أرفضها ،و إن كنت ستبعدني عنك سأعود إليك . جمالك سجنني ..واقتادني سحرك إليك  لكن  عبوديتي    بالغة العذوبة !” 

“عبادة السيدة” تثير بدون مقاومة الحبّ النبيل الذي تغنى به الشّعراء في القرون الوسطى المسيحية. التروبادوريون(1) الاكستانيون  والتروفيريون(2) في شمال فرنسا والشعراء الجوالون في ألمانيا.. كلهم كانوا شعراء ناقلين مؤثرين و أصليين لهذا الفن الجديد الذي برز فجأة في قلب أوروبا إلا أن الإرث الثقافي والروحاني لهذا  الفن لا يتجاوز بضع مؤلفات معروفة .

في الواقع  لا تظهر هذه القصائد خصائص مشتركة مع قصائد الثقافة الإغريقية  اللاتينية إلّا قليلا،  وعلى النقيض من ذلك فإن الشبه يتجلى مع الشّعر العربي بشكل لافت : المواضيع، الكلمات، الشكل  الغنائي و القوافي , بنية الأبيات الشعرية، المصاحبة الموسيقية،  كما أن الأسماء  التي تدل على  الآلات الموسيقية في تلك الفترة ،كالعود والطبل و القيثارة  هي  في الأصل كلمات عربية أو فارسية .

في  العالم المسيحي كان أول تروبادوري معروف هو  وليام التاسع دوق أكيتاين (1071-1127)  الذي خرج والده منتصرا  في معركته ضد المسلمين في بربشتر ( إسبانيا)، عاد هذا الأخير محملا بغنائم تتمثل في المئات من الأسيرات  قدمن من معسكر العدو، وكان أغلبهم مغنيات أو موسيقيات .من جهة أخرى  تزوجت  شقيقة وليام التاسع  من الفونسو السادس  ملك القشتالة وليون، وكان رجلًا شجاعًا  عاشقًا للشطرنج  يلقب “بنصف عربي” ،  يذكر أنه  قد عقد قرانه في زواجه الثاني  على امرأة تدعى سعيدة  ابنة أكبر شعراء الأندلس .و نتيجة لهذا التزاوج الثقافي من جهة ومن جهة  أخرى وجود سلسلة جبال  البريني  ظهرت فكرة  عبودية الحبّ  التي  بلغ صداها  كامل اوروبا . لقد تم اكتشاف منمنمة في مخطوط  ترانيم مريم  الذي ألفه ملك قشتالة  الفونسو الخامس الحكيم (1221-1284)  تعكس هذا التبادل الثقافي , إذ تُظهر منشدين أحدهما مسلم والآخر مسيحي  يعزفان معًا على العود،  كانت نظرات  الموسيقي المسيحي  في تجاه المسلم  كما لو أنّه وجد مصدر إلهامه.

 حالة استثنائية – دانتي

يعد دانتي أليغييري الأب الروحي للشعر الإيطالي وتعتبر ملحمته “الكوميديا الإلهية” بالإجماع جوهرة الأدب الأوروبي إذ يصف هذا العمل السفر الرمزي لدانتي أليغييري عبر الجحيم والأعراف ثم الجنة بقيادة فيرجيل ثم بياتريس واخيرًا سانت بيرانر. في معظم الدراسات التي عنيت بهذا الكاتب، فُسرت جل التزامات دانتي من زاوية سياسية أما مؤلفاته فقد حظيت بالدراسة بفضل ما تضمنته من إلهام شعري. في الواقع أن “الكوميديا الإلهية” ككل مؤلفات دانتي هي قبل كلّ شيء نص للتأمل وبالإمكان أن ينظر إليه من زاويا مختلفة، أما رمزيته فكانت وفية للمفاهيم التي طورها الشعراء الصوفيون وتعكس بشكل كبير الكثير من التطابق مع “كتاب الاسراء إلى مقام الاسرى” لابن عربي الذي كتب قرنًا قبل ذلك خاطًا فيه الطريق نحو الجحيم ومعراج نبي الإسلام عبر مختلف السموات، من خلال التشابه الموجود بين الكتابين يصبح بمقدورنا أن نحصل على وصف لجهنم والجنة أو مختلف المراحل التي مر بها المسافرون أثناء رحلتهم الروحية.

يبدو أن حالات التماثل موجودة بشكل مرضي ودقيق لتفند الفرضية التي تشير أن التشابه في المؤلفين ما هو إلا مصادفة بسيطة و طارئة. ويبدو أن دانتي قد ألهمته المراجع الإسلامية حتى تمكن من التعبير بتلك المفاهيم الميتافزيقية. ومن الممكن أن  دانتي  قد استفاد كثيرًا من المعارف المأخوذة من مختلف التراجم- اللاتينية والفرنسية- لكتاب المعراج الذي انتشر خلال القرن الثالث  عشر في قصر الفونسو الخامس في قشتالة، إذ يحمل هذا الكتاب في ثناياه شهادة النبي محمد عندما قاده جبريل عبر السموات، ومن المرجح أن يكون قد سهل على دانتي وضع تصور لمؤلفه.

إلا أن فرضية أخرى يقدمها رينيه غينون ـ يرجح فيها ارتباط الشاعر الإيطالي بمنظمة ذات طابع سري تسمى “أوفياء الحبّ” الذي كان أحد قادتها، هذه الجمعية كانت من إلهام شخصيات تسمى “إخوة لاورز كوروا” الذين كانوا قادرين على تدريس العلوم الخاصة بالروحية الاسلامية. “شكل هؤلاء حلقة في السلسلة التي تجمع الشرق بالغرب رابطين اتصالا دائمًا مع الصوفيين، إتصال يرمز له برحلات مؤسسهم الأسطوري كريستيان روزنكروتز. 

في الختام، إذا كانت الروحانية الصوفية ممثلة بشكل واسع  اليوم في الغرب ،فإن مختلف العناصر  التي جمعناها هنا تشهد  على التأثير الذي مارسه الإسلام على الغرب المسيحي  منذ بداية القرون  الوسطى وفي حقبات مختلفة من التاريخ، خصوصًا بفضل مملكة إسبانيا وإشبيلية  أي بفضل المسلمين . لقد كان الفضل في هذا التـأثير لممثلي الصوفية الذين ربطوا علاقات عميقة مع بعض المنظمات المسيحية التي نقلت إليها  العديد من المفاهيم العميقة.

ساهمت هذه العلاقات في تطوير واعادة بعث العبقرية الفنية والروحانية لأوروبا الغربية عن طريق عناصر رئيسة: الطائفة ومنظمات الفتوة  وشعراء الحبّ النبيل أو الكيماء. تقع جل هذه العلاقات عند مستوى يمكن أن تتشكل فيه رابطة روحانية حقيقية بعيدة عن التوافق المبتذل أو التشابه القسري، مستوى تتفاعل فيه وحدة جامعة لكل الشرائع  الأصلية خصوصًا ورثة الديانة الابراهيمية اليهودية والمسيحية والاسلام.

“من يعرف نفسه ويعرف الآخرين سيعترف كذلك أن الشرق والغرب مرتبطان ارتباطا وثيقًا” يوهان فون جوته.

الهوامش والمراجع:

1- شعراء جوالون في جنوب فرنسا من القرن الجادي عشر الى غاية نهاية القرن الثالث عشر.

2- شعراء غنائيون في القرن الثاني والثالث عشر.

النص الأصلي نشر في 28 ماي 2014

كريمة سماعلي: مترجمة وباحثة من الجزائر

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى