أهوى الهوى كتابمكتبة بورخيس

وميض البرق للكازاخي أورالخان بوكييف..  قصصه سهوب للروح

الجبال عند أورالخان بوكييف ليست متشامخة فحسب، بل وكئيبة، إنها شجية وملعونة، وهي تتنفس، وتتعذب، وتحب. والجبال لديه جبال- أناس، جبال- وحوش

وميض البرق للكازاخي أورالخان بوكييف

بقلم: سامر أنور الشمالي

نعثر في سجلات الأدب على أدباء حققوا انجازات لا تنكر رغم أنهم لم يبلغوا شهرة واسعة على مستوى العالم، وهذا لا يعني عدم أهمية تجربتهم الأدبية، بل إن وسائل الإعلام قد تكون غير منصفة لأسباب تتعلق بالظروف الموضوعية للأديب نفسه، أكثر من تعلقها بأهمية ما أنجز، كأن يولد الأديب في بلاد بعيدة عن دائرة الضوء فلا تتاح له الظروف للتواصل مع المشهد الأدبي في العالم، لهذا تظل مؤلفاته تنتظر مصادفة سعيدة لتصل إلى قارئ يقدر الأثر الثمين أنّى عثر عليه!

من الأدباء المغمورين عالميا، رغم التميز الذي وصل إليه بأعماله الكاتب الكازاخي أورالخان بوكييف (1993-1943) الذي لم يترجم  له إلى اللغة العربية غير مختارات من قصصه جمعت في كتاب واحد تحت عنوان (وميض البرق)، بترجمة سليم توما (دار التقدم – موسكو 1982).

يمتاز أورالخان بوكييف (Oralkhan Bokeyev) في اشتغاله على قصص مسبوكة كالألماس البراق المستخرج من بين الفحم الأسود المدفون في باطن الأرض. فهذا الكاتب لا يكتفي بإتقانه صنعة القص، ويشتغل على سرد يتميز بجماليات خاصة، فيشكل الوصف لوحات سردية تعج بألوان الدروب التي تحفها الأشجار الباسقة، والوديان الخضراء حيث البحيرات تعكس ألوان السماء الصافية أو الملبدة بالغيوم، وذلك في تآلف وانسجام تجيد جمعها ريشة ماهرة ترسم بالكلمات قصصا لا يمكن نسيانها بسهولة.

كل من يقرأ قصص بوكييف يتنبه إلى هذه الخاصية المدهشة عنده، ولعل أهم من كتب عنها الناقد (فلاديمير ليتشوتين) الذي وجد أن (الجبال عند أورالخان بوكييف ليست متشامخة فحسب، بل وكئيبة، إنها شجية وملعونة، وهي تتنفس، وتتعذب، وتحب. والجبال لديه جبال- أناس، جبال- وحوش). ص6. وكذلك كل مكونات الطبيعة لديه كالبشر تمتلك إحساسها الخاص، وتشارك الناس مشاعرهم.

أجب يا مهري

عاش الشيخ في قصة (أجب يا مهري) حتى أدرك أن عليه مغادرة هذا العالم لأنه أخذ نصيبه من الحياة بما يكفي، فطلب حمله على المحفة إلى الجبل كي يموت قريبا من السماء العالية. فالموت جزء من التحولات المستمرة في الطبيعة، لهذا نجدها تشارك الإنسان طقوس الموت: (في غضون ذلك هدأت الرياح، وأخذت تتساقط قطرات المطر. لقد عزمت السماء على توديع العجوز بالبكاء). ص70.

ولكن الطبيعة لا تقف عند موت أي إنسان، لهذا تستمر الحياة في مجراها الطبيعي: (أخذ المطر يخف، وسرعان ما بدت السماء الزرقاء عبر الفجوات بين الغيوم. وولد العالم من جديد، وها هي تظهر الشمس التي طال انتظارها. وكانت الغابة في الأسفل ترسل البخار وتنفث الضباب الرمادي اللون، أما هنا، في الأعالي، فأصبحنا نتنفس بحرية وخفة). ص71. إذ سرعان ما أنهت الطبيعة طقوس العزاء بعد دفن الميت، وهذا ما انعكس على أقارب الميت لهذا شعروا بالبهجة وهم يشاهدون الطبيعة تحتفي بالحياة من جديد. فالحياة على الأرض لا تتوقف عند الموت لأنه جزء من تحولات الحياة نفسها.

الإنسان الأيل

نجد أن أورالخان بوكييف يرسم في قصصه صورا للمكان الذي تجري فيها أحداث القصة ليس لغاية تزيينية، بل لإثراء القصة برفدها بدلالات إضافية ضمن سياق السرد، ففي قصة (الإنسان الأيل) التي يرسم فيها مشهدا لبيوت القرية، وحيواناتها، قبل أن يهجرها سكانها الذين كان حضورهم هو ما يجعل ذلك المكان يضج بالحياة: (كان الدخان الهادي الزكي الرائحة ينهض فوق السطوح الذهبية اللون من شمس المساء. والقطعان تعود من المراعي البعيدة وتندفع إلى طريق القرية، وتعج في كل مكان الحياة المسائية الكثيرة المشاغل). ص115. ولكن تلك القرية غير خالية تماما، فقد بقي فيها رجل لم يهجر منزله الفقير. ويرسمه القاص ضمن الحيز المكاني الذي ينتمي إليه، فيصبح أحد مكوناته.

هنا الجمادات دليل على حضور الإنسان، أما الحيوانات المدجنة كالحصان، أو غير المدجنة كالغربان، فمن عناصر الحدث لإظهار الحالات الداخلية والخارجية للشخصية، فلا ضرورة لأن يقدم بوكييف بطله بالحديث عنه بشكل مباشر، بل يستطيع وصفه عندما يتحدث عن البيت الذي يسكنه، والحصان الذي يركبه، والسماء والشمس والغيوم من فوقه، والأمطار التي تبلله، وذلك ضمن تشكيل بصري منسجم في لوحة سردية معبرة: (وسار في الطريق نزولا من جديد في يوم مكفهر. كانت تتساقط من السماء قطرات متقطعة وكأن الشمس تبكي بشح وقد تاهت في عتمة الغيوم المبعثرة، وبفعل الرطوبة انتفخت واسودت جذوع البيت الخشبي، وسطح السقيفة المكسو بالعشب، وأعواد السياج. والأرض نفسها تشبعت بالبلل وتنضح الآن بالوحل المائع من تحت حوافر الحصان. والغربان البليدة وحدها، التي لا شأن لها على الإطلاق بجمال الطبيعة أو بشاعتها، تنعق بأعلى صوتها وتطير متنقلة أسرابا من مكان إلى آخر). ص133.

لقد أطلقوا على هذا الرجل الذي يعيش بمفرده لقب (الإنسان الأيل) لأن هذا الحيوان البري غير قابل للترويض: (كانت تجعدات شعر الإنسان الأيل الداكنة، وهو واقف على الزلاجتين عند طرف المرج والممسك في يده بقبعة رأسه، مغطاة بندى مثلج أبيض. إلا أن ذلك لم يكن ندى مثلجا! فلدى الإنسان الأيل، الواقف والقبعة في يده، شعرات رأس مغطاة بشعر أشيب كثيف ظهر حديثا). ص159. نرى في هذه القصة انسجام الإنسان مع الطبيعة من حوله وكأنه جزء منها، لهذا قد يصعب التمييز بين ندف الثلج والشعرات البيضاء في رأس الرجل الهائم بمفرده، كأغلب أبطال القصص الذين لا يعثرون على الطمأنينة التي تنشدها أرواحهم القلقة.

نلحظ أن أبطال قصص بوكييف طيبون جميعهم، وبسطاء. لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد أناس أشرار أو سيئون في تلك القصص، ولكنهم لا يقومون بأدوار البطولة، ويظلون على هامش الأحداث. فالحدث الرئيس ليس مكرسا للصراع بين البشر، أو بين البشر والطبيعة، بل بين الإنسان وذاته.

ذوبان الثلوج

قد يعيش أبطال القصص عزلة جغرافية، ولكنهم يعرفون الحب جيدا، كحب الأرض التي لا تبخل بالعطاء، وحب الرجل للمرأة التي تشبه الطبيعة في جمالها وعطائها، لهذا يرى المحب في قصة (ذوبان الثلوج) الأنثى كالشجيرة الصغيرة، وكالزهرة اليانعة: (أيتها الشجيرة الدقيقة الساق التي نبتت في هذا السهب اللامحدود! عندما أسمع بهذا الوضوح لحنك الحزين والوحيد حتى الألم فأنا على استعداد لأن أهرع إلى السهب وأجدك وأضمك وأبكي، أبكي طويلا آسفا على فقدانك. ولكن ذاب في هذه الدموع الحارة للغاية هذا الثلج الأخير في شهر آذار). ص196.

نلحظ أن الثلج يتواجد ويهطل في أكثر قصص أورالخان بوكييف، بينما تختلف دلالته بحسب الحالة النفسية لأبطال القصص، وقد تختلف الدلالة في القصة نفسها، كما في هذه القصة، حيث نجد الدموع الحارة الحزينة تذيب الثلج رغم برودته، وتوهج الحب الدافئ يذيب الثلج رغم كثافته. فالطبيعة تشارك الشخصيات مشاعرهم في تقلباتها أيضا، وهنا الطبيعة والإنسان من مكونات اللوحة ذاتها: (كان يحلو لنا الذهاب إلى الخص الذي كانت ما تزال تقف عليه قبعة من الثلج آخذة في التقلص يوما بعد يوم. في كل مرة كنا نجلس طويلا على جذع شجرة أمام باب الخص وقد شبكنا أيدينا على ركبنا، ونلوذ بالصمت مدركين قيمة الاستقرار الروحي الذي جمع بيننا وهدهدنا. خص نصف مهدم، ومن حوالينا ثلج أبيض يعمي البصر، وجبال وأعمق السكون والهدوء. تلك هي الثروة التي تستطيع الروح أن تستكين بها). ص204.

أما المحبوبة (يانار) التي فقدت بصرها فهي  فتاة نقية تذوب في الروح، كما يذوب الثلج المتساقط في البحيرة لأنها طاهرة كالثلوج: (صادفت فتاة أسقت روحي بماء الطهارة الشفاف والبارد. يانار، إنك ذوبان الثلج في روحي). ص207. لقد كانت تلك الفتاة ببساطة أفعالها، وحنان قلبها، ورقة مشاعرها، مجرد حلم عابر في بال بطل القصة، وأبطال القصص يعيشون الواقع القاسي بعد رحيل الأحلام التي لن تعود.

إن الكازاخي الطيب في قصص بوكييف لا يجد نفسه منفصلا عن البيوت الخشبية البسيطة، والمواشي التي تعرف دروبها، وإن ابتعد عن قريته الصغيرة عله يجد السكينة المنشودة لروحه القلقة. ولكن إحساسه بالوحشة يزداد وهو يتأمل الجبال الشامخة المكللة بالثلوج، والسهوب الواسعة المعشوشبة حيث النهر الصافي. ففي أعماق تلك الشخصيات أغلال لا يمكن كسرها، وإن عاش في كوخ بسيط ليس فيه ما يغري للانشغال بالأمور العابرة تحت نور شمس تنير كل ما على الأرض، ولكن لا يصل الضوء إلى حجرات القلب المعتمة. وربما هذا الشعور بالوحشة هو قدر الإنسان الذي جعله جديرا بالكتابة عنه بقلم يجعل المآسي لوحات جميلة في صفحات من قصص تعلق على جدران الأدب.

*****

خاص قنّاص – أهوى الهوى كتاب

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى