عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

الجدار | إلزا نصره

تواطؤ الزمن والقدر رمى بي في تلك البقعة من العالم.. المسورة بجدران منيعة، الغارقة في ليل حالك طال أمده.. آه كم أضناني الشوق والفضول لرؤية نور الفجر.. تساؤلات وتساؤلات تتربص في رأسي. كلمات تعصف كدوامة لا تهدأ: “كيف؟ لماذا؟ أين؟”

ها أنا أتجاهل نظرات كل من حولي وأتابع ما بدأته. ثمة أشخاص قلائل يفعلون ما أفعله، بينما الغلبة ينظرون إلينا شذراً..

الجدار خلفي بات منظره مروعاً بفعل الأخاديد والشقوق المحفورة ..لكن جماله لم يعد يعنيني..في غمرة انشغالي اقترب أحدهم مني وهمس: “كفاك جنوناً.. توقف عن فرك رأسك بالجدار. عبثاً ما تفعل”.

لم أعره أي اهتمامٍ.. وتابعت عملي بشغف.. أدميت رأسي.. وانبثق أخدود جديد في الجدار الصلب. أمعنت النظر فيه فتراءى لي ثقب في وسطه.. صوبت بؤبؤ عيني على الثقب علني أتمكن من رؤية مايستتر خلفه. كانت الرؤية ضبابية ومبهمة.. وقفت لبرهة حائراً لكنني ما لبثت أن عاودت ارتكاب فعلي مجدداً بأمل يحدوني على تحقيق المزيد.

أطياف وأطياف تعبرني. يرمقونني باحتقار، وكراهية.. يغرقونني تحت وابل من نظرات وعيد خطيرة.. يسمعونني شتائمهم.. لكن كل ذلك كان عبثاً.. ولم يحل دون إتمام ما بدأته.

لا أخفيكم.. في بعض اللحظات العابرة كانت تجتاحني مشاعر اليأس، إلا أن رؤية قلائل يقترفون فعلتي، وخاصة مشهد رؤوسهم  المدماة، وصوت كلماتهم الرنانة والجليلة يعود ليبثّ القوة مجدداً في داخلي، فأتابع عملي بلا هوادة.. وكلما نال مني التعب كنت أسترق نظرة إلى القمر الشاحب.. فأعلم أنه سيبقى هناك رغم خفوته وضآلته أمام جبروت الظلام الدامس، والمهيمن على المكان.

صوت احتكاك رأسي بالجدار أزعج الكثيرين.. فقد حدث في أحد الأيام أن اقتربت مني امرأة وشتمتني قائلة بصوت مرتفع ذي نبرة غاضبة: “ويحك أيها الخنزير.. كيف تجرؤ على تشويه جدارنا؟!” ثم ابتعدت من دون أن ينتابها أي خجل أو تأنيب ضمير.. تلاها رجل عجوز اقترب مني مردداً كلمات أوحت بأنه صاحب النفوذ والقرار الفصل: “الموت. الموت لأمثالك.. حتى النساء أفهم منك وأكثر إخلاصاً”. حرصت على أن أتجاهله، وابتسمت بسخرية وأنا أفكر بمعاني كلماته المتناقضة : “الموت، والنساء، والفهم. لم المقارنة بالنساء أصلاً؟ هل من باب رفعة مكانتهن وتقديرهن؟”.

أدرت للحشود ظهري وعدت أفرك رأسي بقوة، وبعناد أكبر وأكبر..

الأيام تمر، والدماء تسيل، والأخاديد تتبدى جليّة من دون أن أخترق الجدار. وحدها المشاعر العدائية هي الإنجاز الوحيد الناصع بلا مواربة في هذا المكان.

اليوم حدث ما لم يكن في حسباني. إذ ثمة طفل صغير تسلل نحوي، وتجرأ على الاقتراب مني بحذر.. ثمّ سألني بالخفاء: “لماذا تفعل هذا؟

توقفت لبرهة، أمعنت النظر فيه لثوانٍ.. هاهي فكرة تعتمل في عقلي، فتراني ارتكب ابتسامة آثمة على وجهي. اقتربت منه بتوجس، وهمست في أذنه: “هل تعرف ماذا يوجد خلف الجدار؟”.

أجابني بدهشة: “لا.. ماذا يوجد؟! هل ثمة ما يتوجب رؤيته؟!”.

 لم أجبه حالاً، وإنما هززت له كتفي وقلبت شفاهي. فما لبث أن اقترب وأخذ يتلمس الأخاديد بفضولٍ غامر يعتريه.

سألته مجدداً، وأنا أمسك يده وأضعها على مقدمة رأسه: “تحسس رأسك.. هل تشعر بشيء؟”.

أجاب باستغراب: “نعم.. إنهما برعمان صلبان!!.”

فقلت: “انظر حولك إلى رؤوس الجميع.. إن لم تفعل مثلي واستسلمت لما يريده الآخرون ستحظى بعد سنوات بقرنين جميلين.. ستصبح شبيههم تماماً لا أكثر ولا أقل.. ولن تحظى مطلقاً بفرصة اكتشاف ما وراء الجدار”.

رمقني الصغير بنظرات استغراب يشوبه الخوف، وما لبث أن ابتعد إلى ركن قصي. لم يتأخر أملي عن التجدد، إذ حدث في الصباحات التالية أن سمعت صوت هسيس خافت قادم من بعيد.

إلزا نصره: كاتبة سورية تقيم في سلطنة عُمان | qannaass.com

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى