الجزء الثاني من حوار مع أدونيس: لقد ولدت ثلاث مرات | ترجمة زاهر السالمي

حاورته هدى فخر الدين في مجلة الميشيغن كورتارلي ريفيو*

ملاحظة: تترجم قنّاص هنا الجزء الثاني من الحوار الذي نُشر على جزءين في الميشيغن كورتارلي ريفيو بتاريخ 25/06/2022 و 1/07/2022.

أقرأ ترجمة الجزء الأول من الحوار

أدونيس هو الاسم المستعار الذي اعتمده علي أحمد سعيد إسبر. من مواليد عام 1930 في قرية قصابين السورية، عرف البالغ من العمر 13 عامًا أن قدره أن يصبح شاعراً. عندما سمع أن الرئيس شكري القوتلي كان قادمًا للزيارة، سافر سيرًا على الأقدام إلى البلدة المجاورة لإلقاء قصيدة. بأعجوبة، انتهى به الأمر بقراءة قصيدته للرئيس الذي وعده في المقابل بالتعليم. المستحيل دائمًا في متناول اليد في قصة حياة أدونيس.

اقرأ مقدمة هدى فخر الدين كاملة

*هدى فخر الدين: متى ولماذا تم اعتقالك؟

أدونيس: اعتقلت في 1955؛ لصلتي بالحزب السوري القومي الاجتماعي. كان عدنان المالكي قد اغتيل وقتها في دمشق، وهو سياسي وضابط في الجيش، وألقي باللوم على الحزب في مقتله. فقام النظام بقمع جميع أعضاء الحزب. كنت في حلب أؤدي الخدمة العسكرية عندما اعتقلت.

*ماذا تتذكر من تجربتك في المعتقل؟

أدونيس: كانت تجربة مريرة للغاية. قضيت سنة في السجن، وبعدها سنة أخرى لإكمال خدمتي العسكرية. كان السجن واحداً من التجارب المحورية في حياتي، لا أحب التحدث عنه. سيكون موضوعاً مركزياً في السيرة الذاتية التي أكتبها.

لاحقا تركت الحزب لأن التجربة علمتني أن بناء مؤسسات فاعلة في المجتمع العربي يكاد يكون مستحيلا، ما لم يتم بناؤها وإعادة بنائها مرارا وتكرارا على أساس إرادة مستقلة وبدرجة عالية من الالتزام الأخلاقي. من المحتم أن تفشل المؤسسات، خاصة في مجتمعات مثل مجتمعاتنا التي تكون فيها النقاط المرجعية الأساسية هي الدين والطائفية والعرق. بالنتيجة؛ دائماً ما تُبتلع الأحزاب السياسية من قِبَل الوحش الذي تتمرد عليه.

*دَعْنا نتحدث عن لقاءك بخالدة سعيد، زوجتك. ربما تكون أهمّ قارئ وناقد لأعمالك.

أدونيس: لم أنشر أبداً شيئاً دون أن تَطّلع عليه. إن تعقيد علاقتي بخالدة تجاوزته الصداقة التي لا تتزعزع بيننا. اكتشفنا أن الحب لا يمكن أن ينمو إذا لم تحتضنه الصداقة، بغض النظر عن مدى قوة أو شراسة هذا الحب. صداقتنا الفكرية العميقة أنقذت علاقتنا خلال الصعوبات والاضطرابات الكثيرة في حياتنا. الصديق هو الذي يتحدّث إليك وتتحدث إليه، دون قيد أو شرط وتحت أي ظرف من الظروف. قال أبو حيان التوحيدي ما معناه: الصديق آخر هو أنت.

*متى التقيتَ خالدة؟

أدونيس: التقينا في دمشق عام 1952. كانت في كلية المعلمين. التقينا لأول مرة في منزل صديقة تدعى عبلة الخوري، وهي شخصية إذاعية معروفة في الأوساط الثقافية. كانت عبلة الخوري مرتبطة بالحزب، وشقيقها كان عضواً بارزا.

*هل كانت خالدة عضواً في الحزب السوري القومي الاجتماعي؟

أدونيس: ليس في ذلك الوقت، ولكن في وقت لاحق انضمت وأصبحت أكثر التزاماً مما كنتُ عليه. وسجنتْ أيضاً بسبب علاقتها بالحزب.  كان هذا عندما غادرتُ إلى بيروت – انضمت إليّ بعد ستة أشهر.

*هل سبق وأنْ اختلفتَ بشكل جذري مع قراءاتها لأحد أعمالك؟

أدونيس: نحن لا ننشر أي شيء دون استشارة الآخر أولا. أطلب منها أن تقرأني بموضوعية، وإذا كان هناك شيء لا تحبه، أن تضع خطّاً تحته بقلم أحمر.

*كيف تصف علاقتك بابنتيك أرواد ونينار؟

أدونيس: قد تكون هذه القصة الطريقة الأفضل لوصف علاقتنا. عندما تخرجت أرواد من المدرسة الثانوية، التحقت بكلية الفنون الحرة لدراسة الأدب الفرنسي. كان العديد من أقرانها نشطين في الأوساط اليسارية. في أحد الأيام، أخبرتني أنها تريد الانضمام إلى الحزب الشيوعي. فقلت لها ما قاله لي أبي من قبل: لن أقول لك لا، ولن أقول نعم. القرار لك. نصحتها بالتعرّف على المجموعة وطرح الأسئلة، والتنبه إلى مدى انعكاس أفكارهم في ممارساتهم. إذا مارسوا ما يدعون أنهم يؤمنون به، هذا شيء، وشيء آخر تماما إذا لم يفعلوا ذلك. لقد تركتها تتخذ القرار بمفردها – هذه هي أفضل طريقة دائما. ادرسي الأشياء بعناية، واختبريها، ثم قرري. وهذا ما حصل. بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، جاءت إليّ وهي مُستاءة. سألتها عن الأمر، قالت إنها تركتْ فكرة الحزب الشيوعي!

*هل كنت قريبا من ابنتيك في طفولتهما؟

أدونيس: لم أجد الوقت الكافي لقضائه معهما. كنت دائما خارج المنزل، إما أعمل، أو أسافر، أو أكتب. لقد عَهِدتُ تربيتهما إلى والدتهما بالكامل. ووالدتهم متعلمة ومطلعة وناقدة. عرفت كيف تربيهما وتعتني بهما بالطريقة المثلى. أشعر بالأسف، وأحيانا بالحزن، لأن صداقة لم تَنْمُ بيني وبينهما.

*حتى الآن؟

أدونيس: الآن صداقتنا فكرية، في حين كنت آمل دائما أن تكون أكثر حميمية. عندما تكون العلاقة وجدانية وحميمة، تستطيعان التحدث معي في أي شيء. يكون هناك نوع من التعاطف يتجاوز المنطق والعقل – علاقة مبنية على حياة المشاعر. لم نحصل أبدا على علاقة كهذه، ربما لأنني كنت مشغولا بنفسي.

*ما هي الظروف التي جلبتك لأول مرة إلى لبنان؟ كيف كان الانتقال إلى هناك؟

أدونيس: كان لدي موعد مع يوسف الخال في بيروت. كان في نيويورك مع الوفد اللبناني في الأمم المتحدة برئاسة شارل مالك عندما نشرتُ قصيدة بعنوان «الفراغ» في عام 1954. قرأها وكتب إليّ قائلا إنه ذاهب إلى بيروت لإطلاق مجلة جديدة بعنوان «شعر». أعجبته قصيدتي كثيراً إذ وجد فيها تحولاً حقيقياً من الشعر التقليدي إلى الشعر الذي كان يحلم به، الشعر الذي أطلقنا عليه فيما بعد اسم «شعر التفعيلة».

*وكنتَ قد كتبتَ تلك القصيدة الحديثة بمفردك دون أي تأثيرات؟

أدونيس: بمفردي.

*كان هذا في عام 1954، ألم تقرأ للشعراء العرب الآخرين الذين كانوا يجربون ذلك الشكل في العراق مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة؟

أدونيس: من حيث البنية كانت قصيدتي مختلفة. كان استخدامي للتفعيلة مختلفا.

*هل كنت على علم بكتاباتهم آنذاك؟

أدونيس: ليس بعد. لم ألتق بنازك الملائكة إلا في وقت لاحق، بعد عام 1960.

أدونيس يوسف الخال. باريس، 1980. أرشيفات أرواد إسبر

*إذن؛ كان لدى يوسف الخال مشروع واتصل بك للانضمام إليه.

أدونيس: نعم. لم أكن قد التقيت به من قبل، واتفقنا على اللقاء للمرة الأولى في بيروت. التقينا في مقهى نصر على شاطئ البحر في بيروت. التقطنا صورة معا هناك وتم نشرها لاحقا عدة مرات. كنا نحن الاثنين فقط. توصلنا إلى خطة مفصلة للمجلة، وهكذا بدأت مجلة «شعر». لقد أعددنا العدد الأول معا. ليس من قبيل المبالغة القول إنني كتبت معظم العدد الأول باليد. فتحنا العدد بقصيدة لبدوي الجبل.

*ومقدمة قصيرة لـ أرشيبالد ماكليش (Archibald MacLeish).

أدونيس: نعم. كان صديقا ليوسف.

*من موّل مجلة «شعر»؟

أدونيس: لا أحد. لقد عملنا وحدنا ومولناها بأنفسنا. لم ندفع لأي من كتابنا. قمنا بتغطية جميع نفقات الإنتاج وكان لدينا عدد قليل من المانحين من بين أصدقائنا. كان من السهل القيام بذلك، ولم تكن الكلفة كبيرة. لم يكن لدينا موظفون أو مكاتب. في وقت لاحق نشرنا بعض الإعلانات.

*هل كانت «شعر» استجابة لحركة، أم لخلق حركة جديدة؟

أدونيس: لم نهتم على الإطلاق بما كان هناك. كنا حركة جديدة. كان هناك العديد من المجلات، أهمها مجلة الآداب البيروتية. كنا واثقين من مشروعنا الجديد ولم نكن مقتنعين بالشعر السائد. 

*كيف كان إصدار مثل هذه المجلة المؤثرة؟ ماذا أنجزتْ؟

أدونيس: ساعدتني تجربة شعرفي الوصول إلى الاستنتاجين التاليين. أولا، لكتابة شعر عربي جديد حقا، يجب أن يكون لدى الشاعر معرفة وثيقة بالتراث العربي وتقدير صادق لجمال اللغة العربية. لا يمكنك إنشاء جديد أو جميل بلغة لا تعرفها ولا تعرف تراثها وذاكرتها. القصيدة الحديثة حقا هي في الوقت نفسه جزء من ثقافتها، والتقاط لتاريخها وليس مجرد بيان للآراء والمشاعر الشخصية.

ثانيا، الشعر وحده لا يستطيع تحديث ثقافة أو مجتمع. تتطلب القصيدة الحديثة مجتمعا حديثا ومؤسسات حديثة تتبعها. الحداثة في الشعر منفردة تشبه جزيرة بلا جذور، مشروع بلا قيمة. وهنا اختلفتُ مع المجموعة. كانوا مقتنعين بأن المشروع الجديد لا علاقة له بالتراث. لم أوافق واضطررت إلى الانفصال عنهم. رأيت أنه كان من واجبهم الاطلاع على السياق الأوسع، السياق العربي، والإحاطة به. فما هو لبنان في النهاية؟ إذا كان للبنان ما يُميزه كبيئة شعرية وثقافية، فهو ارتباطه باللغة العربية والتراث العربي؟  ما فائدة بودلير بالنسبة إليك، قلت ليوسف، إذا كنت لا تفهم أبا نواس أولاً؟ إذا كنت لا تعرف المعري، كيف يمكنك قراءة دانتي أو إليوت؟ لسوء الحظ، كان ليوسف الخال ومعظم أعضاء المجموعة رأي مختلف. لهذا السبب غادرت.

*إذا سنحتْ لك فرصة لمراجعة بعض مقترحاتك النظرية التي قدمتها في السنوات الأولى منشعر، فهل هناك أي شيء ترغب في تغييره؟

أدونيس: أعيد النظر في علاقة المجموعة بالتراث الأدبي العربي وآرائنا بشأنه. العديد من الشعراء في المجموعة، وخاصة الشعراء اللبنانيين، كانوا غير قادرين على قراءة الشعر العربي. كان أنسي الحاج مولعاً جدا بالعديد من الشعراء العرب، لكنه لم يستطع قراءتهم. تخيلي أن أبا نواس الذي أنشأ اللغة العربية الحضرية لا يزال شخصية هامشية. من المسلم به أن هناك مواهب كبيرة بين شعراء الحداثة العربية، ولكن بشكل عام، علاقتهم بالتراث العربي تحتاج إلى إعادة نظر وكذلك علاقتهم بالأجنبي. كانت المواقف التي عبرت عنها حركة «شعر» تجاه القديم من جهة والأجنبي من جهة أخرى متسرعة وغير ناضجة.

*ولهذا السبب أسست مجلة «مواقف»؟

أدونيس: أعتقد بأن «مواقف»كانت أكثر نضجا وتوازنا من«شعر». فشل مشروع شعر في نهاية المطاف، وسرعان ما توقفت المجلة عن الصدور بعد ذلك. مع أنني لا أحب نقد حركة «شعر»، لا بد أن أقول أن الأعداد اللاحقة التي نُشرت بعد مغادرتي وكانت انحرافاً عن المبادئ التي تأسست عليها الحركة في الأصل.

في «مواقف»، كنا ملتزمين بتنمية قارئ حديث وناقد حديث، بإنشاء جيل مثقف حديث حقا. كانت هناك مجموعة كبيرة من الأصدقاء المتفانين الذين جعلوا من «مواقف» ما كانت عليه. كان محمود درويش عضوا في هيئة التحرير في مرحلة ما وكذلك صادق العظم. الناس من جميع أنحاء العالم العربي والعالم. انتشرت على نطاق واسع. والدكِ، جودت فخر الدين، كان أيضا منخرطاً في «مواقف» لفترة من الوقت.

*هل أثرت تجربتك في الترجمة في لغتك الشعرية؟

أدونيس: في شعري، سعيت جاهداً إلى شحن لغتي العربية بتأثيرات غير عربية. أما في ترجماتي، فلم أستسلم للغة الشاعر الأجنبي. سعيت جاهداً لكتابة قصيدة باللغة العربية. انتقد الكثيرون ترجماتي وأشاروا إلى أخطاء فيها. لم تكن هذه أخطاء – لقد سمحت لنفسي حرية التعريب. أبحث عن الكلمات العربية التي تناسب الجملة في نصي العربي، حتى لو لم تكن أفضل معادل للنص الأجنبي. والانتقادات غالباً ما تشير إلى أخطاء مدرسية، وهي ليست أخطاء في رأيي، بل قرارات شعرية اتخذتها بوعي. ولكن بشكل عام، الترجمات إلى اللغة العربية غير قابلة للقراءة ومليئة بالأخطاء الشعرية، حتى لو كانت صحيحة بالمعنى المدرسي السطحي.

*أخبرني عن تصميم وترتيب أغاني مهيار الدمشقي.

أدونيس: تيمة واحدة وتنويعات كثيرة.

*شخصية القصيدة؛ مهيار – تستند جزئيا إلى الشاعر مهيار الديلمي. لكنه أيضا أنت يا أدونيس.

أدونيس: مهيار هو رؤيتي للإنسان العربي المثالي في المستقبل. أولاً، هو إنسان حرّ. ليس حراً فقط، ولكن حريته حرة كذلك. كما قال رامبو إن الحرية وحدها لا تكفي لتكون حرية، يجب أن تكون حريتنا حرة أيضاً، أي أن نكون قادرين على ممارستها. هذا نموذج للمستقبل: الإنسان العربي المستقبلي الحر فعلاً، الذي تكون حريته حرة. كما أني أردت أن أقول من خلال مهيار إنّ كل الأشياء وُجدت من أجل البشرية أو في خدمتها. كل شيء: الله، الكون، العالم، الحب… لأن الإنسان أو الشخص هو العالم.

بدون الإنسان لن يكون هناك عالم. سيكون هناك شيء آخر: المادة، الكواكب، الملائكة، إلخ. العالم البشري هو الوجود الحقيقي الوحيد الذي ينتمي إلينا. لذلك يجب أن يكون كل شيء من أجل الانسان، في خدمته، بما في ذلك الدين والشعر. ولكن كي يستحق كل هذه الأشياء، يجب أن يكون الإنسان حراً أولاً.

*لماذا اخترت أن تسمي المقاطع النثرية مزامير؟

أدونيس: لاستحضار التعابير القديمة. لخلط الأشياء معا وإعادتها إلى الحياة. كما أن أصل كلمة مزمور سرياني، لذلك فهي مفردة أصيلة في سوريا.

*هل كنت تستحضر الأفكار التي خرجت من مجلة «شعر» حول قصيدة النثر أثناء كتابتك «أغاني مهيار»؟

أدونيس: نعم. لكننا في «شعر» لم نبدأ كما كان ينبغي لنا. قدمنا قصيدة النثر كشكل جديد من أشكال التعبير الشعري دون أي سابقة في الذاكرة الشعرية العربية. لكن الابتكار يتطلب موهبة وثقافة. يجب تحدي المواهب وشحذها حتى تتمكن من المشاركة في العالم وليس فقط التفكير في الداخل.  كان مهيار بيانا شخصيا، مختلفا عن البيان الذي ورد في شعر.

*بين المقاطع النثرية، أو المزامير، والقصائد التي يتم تأليفها على التفعيلة، هناك قسم يستوقفني دائماً. القصيدة بعنوان «أسْلمتُ أيامي». إذا قُمت بإعادة ترتيب الأسطر على الصفحة، فيمكن أن تكون هذه قصيدة كلاسيكية، أليس كذلك؟ إنها على بحر الكامل. لكنك فككتها وموّهت الوزن التقليدي.

أدونيس: إنه شعر يتكون من تفعيلات على طريقة الشعر الحر (قصيدة التفعيلة). إنه يختلف عن البحور الكلاسيكية أو يعيد ترتيبها، لكن هذا لا يجعله تقليدياً. عندما تقرأينه أو تستمعين إليه لا تشعرين بأنه وزن التقليدي، بل تشعرين بموسيقى جديدة.

*ما هي الظروف التي جلبتك إلى باريس؟ لماذا قررت مغادرة بيروت؟

أدونيس: كنت أتلقى العديد من الدعوات من الخارج. قضيت عامين في برينستون ثم عامين في ألمانيا. أتيحت لي العديد من الفرص للمغادرة. اخترت فرنسا بسبب علاقتي باللغة الفرنسية ولأن لدي العديد من الأصدقاء هنا في باريس.

*هل ساهم الانتقال إلى باريس والعيش فيها في تطوير أفكارك حول العلمانية وموقفك من الدين؟

أدونيس: لا. هذه أفكار تأسست وتطورت خلال فترة وجودي في بيروت وخاصة خلال فترة عملي في «مواقف»كانت«مواقف» مجلة ممولة ذاتياً، أسّسها شعراء وكتاب شباب متحمسون. كما كانت أول مجلة في العالم العربي تقرر التوقف عن النشر. وقد اتخذت هذا القرار بعد أن نشرنا عدداً خاصاً عن المرأة في المجتمع العربي الإسلامي بشكل عام وخاصة من منظور حقوقي. طلبنا من المتخصصين، الذين كانوا مترددين في تقديم الانتقادات، وصف وضع المرأة في هذا المجتمع. سألنا أساتذة قانون ومحامين وأكاديميين. وكانت الاستجابة مخيبة للآمال. قالوا جميعاً إننا لا نستطيع أن نتحدث في هذا الموضوع بحرية، لأن أي وصف حقيقي لوضع المرأة سيتضمن بالضرورة انتقاداً للدين وهذا أمر خطير للغاية. فنشرنا عدداً واحداً ولم نتبعه بأعداد أخرى كما كان مخططاً لأن معظم الأشخاص الذين دعوناهم للمساهمة اعتذروا.

طلبتُ اجتماعاً لـ “مواقف”وقلت للفريق: إذا لم نتمكن من القيام بذلك، فلماذا نبقي المجلة مستمرة؟ اكتشفنا أننا نعيش في مجتمع لا يسمح لنا باستكشاف القضايا الحاسمة التي تؤثر بشكل مباشر في حياتنا. لم أجد مغْزى لعملنا في الصحافة، ولا لعملنا الثقافي، إذا لم نكن قادرين على التحدث بجدية وحرية عن الأمور التي تحدد مصيرنا.

*هل كانت هذه التجربة أحد الأسباب التي شجعتك على مغادرة بيروت؟

أدونيس: بالضبط. شعرت أنني فعلت كل ما بوسعي في بيروت، وحان الوقت لكي أحاول في مكان آخر.

*أين كنت عندما حدثت الثورة الإيرانية؟ ماذا كان رد فعلك تجاهها في ذلك الحين؟

أدونيس: كنت لا أزال في بيروت. لقد سررتُ ورحبتُ بها كما فعل كتاب وشعراء العالم.

*هل أثرت عليك وعلى كتاباتك؟

أدونيس: لا، لم يكن لها تأثير علي. لقد سُررت من أجل الشعب الإيراني. في «مواقف»كنا نكتب ضد القمع والاستعمار والديكتاتوريات وما إلى ذلك. حقيقة أن شعبا ثار ضد فكرة الإمبراطورية، ضد القمع والتدخل الأجنبي كان شيئا عظيما. وعلاوة على ذلك، كانت ثورة مثالية، لا مثيل لها في التاريخ. لم تنظمها الطبقة العاملة وحدها. لم يكن انقلابا عسكريا. لم يتم تنظيمه من قبل فئة أو فصيل واحد. وبدلا من ذلك، نفذها الشعب الإيراني بالكامل. من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. هذا أولا. لقد كانت ظاهرة تاريخية غير مسبوقة أبْهَرتْنا. كان هذا أول شيء. مدهش حقا. هذا ما جذبني وما كتبت عنه في مقالتي الأولى عن الثورة.

كتبت ثلاث مقالات عن الثورة الإيرانية. وأعيد نشر المقالات في «الثابت والمتحول». لكن قلة قليلة جدا قرأتها. أنا متأكد من أن أولئك الذين انتقدوني وهاجموني في هذا الموضوع لم يقرؤا المقالات الثلاث.

في المقالة الثانية، ذكرت بوضوح أنني ضد ثورة تبني مشروعها على الدين. نُشر هذا في الملحق العربي والدولي لصحيفة النهار حيث كتبت عمودا. كان هذا هو العمود نفسه ونفس الصحيفة التي نشرت المقالة الأولى. في المقالة الثانية، حذرت من إقامة دولة على أساس الدين في إيران.

ثم كتبت مقالة ثالثة بعنوان «الفقيه العسكري» حذرت فيه من تورط الدين في السياسة، ومن وصول رجال الدين إلى السلطة. لكن لم يقرأ أحد المقالتين الأخريين. قرؤوا المقالة الأولى وأدلوا بكل أنواع التصريحات الكاذبة حول موفقي من هذا الموضوع. ليس لدي أي علاقة عاطفية بالثورة الإيرانية. لقد علقتُ عليها فقط كظاهرة ثم انتقدتها على هذا النحو. لا أعرف أي شخص منخرط فيها. في الواقع، أنا أعرف منتقديها أكثر من مؤيديها. لم أُدْعَ لزيارة إيران أبداً بينما زارها جميع الكتاب اللبنانيين تقريباً.

*رأيك في الأحداث السورية معروف. لقد شجبت الثورة لأنها، كما قلت، خرجتْ من المساجد. هذا الموقف أغضب وخيب آمال الكثيرين الذين توقعوا منك، بصفتك الثوري المشارُ إليه بالبنان، أن تتخذ موقفا ضد النظام.

أدونيس: أولاً، تراجع العديد منهم عما قالوه. اتصلوا بي واعترفوا بأنهم كانوا مخطئين، وكنت على حق. انتقدني آخرون دون قراءة شيء مما كتبته حول هذه المسألة. على سبيل المثال، كتبت كتاباً بعنوان «غبار المدن بؤس التاريخ»، طُبع باللغتين العربية والفرنسية، انتقدت فيه النظام وقلت إنني دعمت المعارضة الداخلية. ومع ذلك، ما زلت أعتقد أنه من الخطأ، بل من المستهجن، أن تدعي ثورة بأنها ضد النظام الحاكم وألّا تدعو علناً إلى تحرير المرأة والمساواة في الحقوق. من غير المعقول أن تعتمد ثورة على نظام سياسي آخر، أي الولايات المتحدة، أباد مجموعة كاملة من السكان الأصليين. من غير المعقول التعاون مع إسرائيل، الدولة الإرهابية التي تقتل شعبنا، الفلسطينيين، يومياً. ليس هناك مبرر أخلاقي لهذا بغض النظر عن عمق فساد النظام، وهو فاسد. علاوة على ذلك، لا يمكنك الخلط بين النظام والشعب. تدمير مدينة تَدْمر ليس إسقاطاً للنظام.

*لماذا قررت التخلي عن الشعر لبعض الوقت؟ ماذا كنت تفعل بدلا من ذلك؟

أدونيس: ظننت أنني قلت كل ما كان عَليّ أن أقوله، لكن الشعر شدني إليه من جديد.

*لكنك كتبت «كونشيرتو القدس» بدلا من ذلك.

أدونيس: همستُ في أذن الشعر، لكنه لم يستمع. لقد قال لي: «لن أسمح لك أبدا بأن تنتهي مني».

*أخبرني عن «كونشيرتو القدس». من أين أتت هذه القصيدة؟

أدونيس: أتت من علاقتي المعقدة مع فلسطين، سياسيا وفكرياً. أستطيع أن أدافع عن “حماس” وحقوقهم كجزء من الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الاحتلال، لكنني ضدهم عندما يصبحون دولة. لا أستطيع أن أقبل بدولة فلسطينية مبنية على أساس الدين. لا أستطيع أن أقبل أي وضع يكون فيه دين ما في حالة حرب مع دين آخر.

إذا كانت الديانات، المسيحية واليهودية والإسلام، تعترف ببعض الحقائق المشتركة، فمن المفترض أن تظهر هذه الحقائق المشتركة، على أقل تقدير، في المدينة التي نسميها القدس. كان ينبغي أن تكون القدس أروع مدينة على وجه الأرض، بموضوعية. لأنها المكان الذي تتقاطع فيه جميع الديانات التوحيدية التي تحكم هذا العالم، لذا من المفترض أن تكون مثالاً للتعايش والثقافة المشتركة. إذا كان هناك حقيقة في هذه الممارسات الدينية، فيجب أن يتبع ذلك أن تكون القدس أعظم وأجمل مدينة على وجه الأرض. ولكنها في الواقع الأقبح. «كونشيرتو القدس» كتبتْ لتقول هذا.

*دعنا نتحدث عن كتاب لم يترجم بعد إلى اللغة الإنجليزية: الكتاب. في هذا العمل، تضع الشعر في المتن وتدفع التاريخ إلى الهامش. حدثنا عن العلاقة بين الشعر والتاريخ. وأنت مشغول دوماً بالتاريخ، تفككه وتعيد كتابته…

أدونيس: قمت في «الكتاب» بما يشبه عمل تي.أس. إليوت في «الأرض الخراب» أو عزرا باوند في «الأناشيد». لكنني أعتقد أن «الكتاب»يخترق السطح بعمق أكبر مما فعلا.

*لماذا سميته «الكتاب»؟ عادة ما تشير هذه الكلمة إلى القرآن الكريم، أو ربما كتاب قواعد اللغة العربية لسيبويه.

أدونيس: يشير مصطلح «الكتاب» إلى شيء تأسيسي وشامل في الوقت نفسه. إنه يمهد الطريق لمرحلة أخرى، لما سيأتي بعده.

*في «الكتاب»، هناك تجريب على مستوى الوزن واللغة. ما الذي كنت تحاول تحقيقه من حيث الشكل أو الموسيقى في الكتاب؟

أدونيس: أعتقد أن الشيء المبتكر فيه هو بعده الدرامي، كالمسرح. كان من الممكن أن يكون قصيدة سردية، مثل هوميروس أو جلجامش أو دانتي. ومع ذلك، فضلت أن أضع التاريخ كله على صفحة تواجه نفسها وتتشابك مع نفسها، كما لو كانت الثقافة العربية دراما تُقدم على خشبة المسرح. هذا هو الجديد في ذلك.

*هل كنت تفكر عمدا في الوسائط السمعية والبصرية عندما كنت تصمم الصفحة فيالكتاب، مثل شاشة التلفزيون.

أدونيس: نعم، لقد استلهمت الفكرة من فيلم لـ Ingmar Bergman. لا أتذكر الآن أي واحد كان.  كنت أشاهد أحد أفلامه. شاهدت في لقطة واحدة شخصاً يستمع إلى الموسيقى ولوحة على الحائط. على الشاشة، على الصفحة نفسها. قررت أن الصفحة في «الكتاب» يجب أن تبدو مثل هذه الشاشة. كنت أبحث عن نموذج لمدة عام تقريباً، وهكذا وجدته. فبدأت بكتابة «الكتاب».

*لقد وصفت اللغة العربية ذات مرة بأنها ميتة، لكنك تصر أيضا على أنها المكان الذي تقيم فيه، وطنك. ما هو مستقبل اللغة العربية؟

أدونيس: أتفق هنا مع يوسف الخال، الذي قال إن مستقبل اللغة العربية أن تكون بدون علامات تشكيل. هذه اللغة العربية التي أتحدث بها أنا وأنت الآن هي مستقبل اللغة. هذا رأي منطقي. لماذا لا نكتب بنفس الطريقة التي نتحدث بها؟

*هل ترى نفسك تكتب باللغة العربية المحكية (العامية)؟

أدونيس: لا. الكتابة باللهجات المتداولة يتطلب إتقاناً ووقتاً وتراثا. لا أستطيع الكتابة بلغة لا أتحكم فيها. سأكتب بالفصحى دائما، حتى لو كنت أعرف أنها ستموت غدا. أنا لست قادرا على الكتابة بأي لغة أخرى. من المهم للمرء أن يعرف حدوده. لا أستطيع أن أكتب سوى بالفصحى.

*هل تقرأ الشعر المكتوب باللهجات العربية؟

أدونيس: نعم، بالطبع. وأنا أشجع على ترجمة الشعر باللغة العربية المحكية إلى لغات أخرى. بعضه شعر عظيم. ما الذي يمنع هذه اللغة التي نتحدث بها من أن تصبح لغة الكتابة؟ سيقول البعض مسألة القرآن. ماذا عن القرآن؟ يمكن أن تكون له لغته الخاصة. وعلى أي حال، فإن لغة القرآن في مَوات، لا أحد يقرأه حقا. المسلمون لا يقرؤون القرآن على الرغم من أنهم يطبعون ملايين النسخ منه كل عام.

*ما هي الموسيقى التي تستمع إليها؟

أدونيس: لطالما كنت مفتونا بالموسيقى الكلاسيكية الغربية. لقد انجذبت إلى عالمها الشاسع منذ سن مبكرة. المؤلف الموسيقي الذي يتحدث إلى كياني هو بيتهوفن واللذان يتحدثان إلى فرحتي ومتعتي هما موزارت وباخ. أتساءل عن هذا الاختراع الفريد الذي قدمته أوروبا بمفردها للعالم.  يمكننا القول أنّ الثقافة الأوروبية هي في الغالب نتاج التفاعل مع الثقافات الأخرى والاقتراض منها، لكن الموسيقى الكلاسيكية وحدها نتاج محض لأوروبا واستمرت في الازدهار أولا وقبل كل شيء في أوروبا. لماذا؟ يقول البعض إن سبب ذلك له علاقة بدور الكنيسة. لا أعلم.

لم أكن دائما من محبي الأغنية العربية. ذات مرة، عندما كنت أكتب في «لسان الحال»، كتبت مقالا قصيرا انتقدت فيه أم كلثوم. اكتشفتُ لاحقا أنها قرأته وقالت إنها ترغب في مقابلتي. كان لدي صديق من أشد المعجبين بها وكان يصر على أنه يجب عَليّ الاستماع إلى عملها بعناية أكبر. اعتقدَ أنها عبقرية. كان اسمه حنا دوميان. أعاد تعريفي بها وأصبحت في النهاية من المعجبين. من بين الأصوات العربية، أم كلثوم وفيروز هما المفضلتان لدي. لدي بالطبع علاقة وثيقة بعمل الأخوين رحباني. هناك أصوات مدهشة أخرى تبهرني، مثل وديع الصافي وأسمهان.

*نعلم أنك لست من المُعجبين بأحمد شوقي؟ هل تحب الاستماع إلى أم كلثوم وهي تغني قصائده؟

أدونيس: نعم، أحب ذلك لأنها تعيد كتابتها بصوتها. ما يتبقى هو صوت أم كلثوم الذي ينسيك ركاكة الشعر. أم كلثوم قادرة على تحويل القبيح إلى شيء جميل. ولذا أصبحت مع الوقت من المعجبين بها.

*أين تكتب؟ هل هناك مكان محدد يأتيك فيه الشعر؟

أدونيس: أكتب في أي مقهى صغير في أي شارع صغير. يمكن أن يكون المقهى في باريس أو بيروت. لقد كتبت الكثير في مقهى (Horseshoe café) ومقهى الروضة في بيروت.

*هل لديك طقوس كتابة؟

أدونيس: لا، ليس لدي طقوس كتابة. لم أستطع أبدا كتابة قصيدة جالسا خلف مكتب. كتابة الشعر، كالشعر، ليس لها قواعد. كل قصيدة لها قواعدها الخاصة. عندما تقرر كتابة قصيدة، فإنها لا تأتي أبدا.

*صف يوما في حياتك. ماذا يحدث عند استيقاظك في الصباح؟

أدونيس: لا يوجد يوم لي مثل الآخر. ليس لدي جدول زمني أو روتين. أنا لا أخضع لمفهوم الأيام بالمعنى العام.

*لا يوجد يوم مثل الآخر. كيف؟ ماذا ستفعل عندما تستيقظ غدا؟

أدونيس: لا أعلم. هذا سري. أنا لا أخضع لفكرة الأيام التي يشترك فيها الآخرون. أكون دائما في حركة. لا ألتزم بالوقت المشترك. أخْلق وقتي الخاص. الوقت المشترك هو للمشي، للجري. إنه للمجموعة، للمجتمع. يتطلب الشعر الذي يُخلق خارج الزمن وقته الخاص. كل ما هو مشترك وشائع بين الناس، أرفضه بشكل جذري في الشعر.

*إن لم يكن الوقت، هل لديك أماكن تكتب فيها؟

أدونيس: الأماكن تتغير طوال الوقت. معظم شعري وخاصة القصائد الأطول كتبتها في الخارج، في المقاهي وفي الشارع. نادرا ما أكتب في المنزل. على سبيل المثال، كتبت أجزاء من «قبر من أجل نيويورك» بينما كنت أسير في شوارع بيروت ثم في نيويورك. كتبت أجزاء على متن الطائرة. كتبت النهاية في دير بـ «بكفيا» في الجبال اللبنانية.

*كم من الوقت تقضيه في المراجعات؟

أدونيس: تتكون الأشياء بالكامل تقريبا في ذهني. لا أراجع كثيراً لكنني أقضي وقتاً في ترتيب المقاطع وتنظيمها. يستغرق هيكل القصيدة وقتاً، وليس الأجزاء.

*هل تستخدم الكمبيوتر للكتابة؟

أدونيس: لا، لم ولن أفعل ذلك أبد. لا أحب أن يفصل شيء يدي عن القلم والورقة. لا أستطيع الكتابة على شاشة.

*هل هناك أوقات لا يمكنك فيها الكتابة؟ ماذا تفعل حينها؟

أدونيس: نعم، هناك أوقات لا أستطيع فيها الكتابة. لقد اكتشفت مؤخرا الكولاج. هذا يُبقي يدي مشغولة عندما يكون ذهني عالقا. عندما تكون الأصابع مشغولة بالألوان والحبر والورق، يشتغل الخيال. 

*هل تفكر في الموت؟

أدونيس: لا، أنا مشغول جدا. لا يزال لدي أشياء أقوم بها. أنا لست خائفا من الموت. أعلم أنه قادم ولكن ليس لدي الوقت للتفكير فيه الآن.

*مستعيدة مهيار الدمشقي، أسألك: من أنت؟

أدونيس: طالما أنا على قيد الحياة، فإن الإجابة مستحيلة. حتى بعد الموت، ستظل الإجابة مفتوحة، وعلى غيري أن يبحث عنها.

*هل تشعر بأنك منفي؟

أدونيس: أنا منفي من الداخل، منفي عن نفسي. كل فنان في منفى أبدي. يجب أن تكون هناك مسافة بين الشاعر وذاته. وفي هذه المسافة أو هذا الفضاء يحاول الشاعر أو الشاعرة سد الفجوة أو قطع المسافة باللغة، بالخيال، بالعمل الفني. ينتهي المنفى بالموت. نتحرك عبر مراحل المنفى من خلال الكتابة. الكتابة حياة أخرى ووجود آخر.

*المصدر

د. هدى فخر الدين: باحثة وأكاديميّة لبنانية تقيم في فرنسا (الصورة: الجزيرة نت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى