فضاءاتمقالات

جولة في متحف علوم وتكنولوجيا المستقبل الصيني | مي عاشور

شعرت أنني أقف في شرفة، أطل منها على ساحة للمستقبل القريب؛ عبر الذكاء الاصطناعي، وقفت أمام الفلاسفة الصينيين جوانغ زى، ولاو زى، وكونفوشيوس، وكذلك رأيت ألبرت أينشتاين، وليناردو دافنشي، وستيف جوبز

مي عاشور تجول بنا في متحف علوم وتكنولوجيا المستقبل في مدينة شن يانغ، الذي يعرض بشكل رئيسي أشكال تطور الذكاء الاصطناعي في الصين

عاد مجدداً شغفي القديم بالسفر، ورجع  معه شيء افتقدته كثيراً، قد يكون إلهاماً ، أو ضوءاً غاب عني لوقت. كانت واجهتي هذه المرة إلى شمال شرق الصين، حيث أتاحت لي إذاعة الصين الدولية، فرصة فريدة لزيارة مدينة  شن يانغ -عاصمة مقاطعة لياو نينغ– والتي رأيت فيها عدة ملامح:  ثقافية، وتاريخية، وفنية، وصناعية وتكنولوجية. لازلت تحت تأثير التجربة -والتي لم تتعد أسبوعا- أستعيد  تفاصيلها مراراً،  أتأملها، وأحاول تدوين التفاصيل الثرية التي تطل لي من زوايا الذاكرة والصور التي التقطها. في رأيي أن هذه التجربة قد اجتازت حدود زيارة أماكن جديدة تطأها قدمي للمرة الأولى، بل شملت ما يصحبني إليه السفر من اكتشاف للذات، وما يضعه أمامي من دروب تقودني إلى أخرى جديدة، بالإضافة إلى الخبرات التي لا اكتسبها سوى من خلاله.

 لم أتوقع أبداً أنه في الطابق الأخير، لهذا المركز التجاري الخاص بالإلكترونيات، سيكون متحف علوم وتكنولوجيا المستقبل لمدينة شن يانغ. والذي من خلاله رأيت رؤية العين، إلى أي مدى وصل التقدم العلمي في الصين، وتحديداً الذكاء الاصطناعي.

شعرت أنني أقف في شرفة، أطل منها على ساحة للمستقبل القريب؛ المتحف يعرض بشكل رئيسي أشكال تطور الذكاء الاصطناعي في الصين، والتي تتجسد في 32 (روبوت بشري)، لشخصيات مشهورة صينية وأجنبية. فهناك وقفت أمام الفلاسفة الصينيين جوانغ زى، ولاو زى، وكونفوشيوس، وكذلك رأيت  ألبرت أينشتاين، وليناردو دافنشي، وستيف جوبز.

متحف علوم وتكنولوجيا المستقبل الصيني، تصوير مي عاشور | QANNAASS.COM

في مبدأ الأمر- لوهلة- تجمدت أوصالي، حينما بدت لي هذه الروبوتات أشخاصاً حقيقيين من لحم ودم، فأنا لا أتحدث عن شكلها وهيئتها وملابسها وحجمها وحسب، ولكن أيضاً تعابير ووجهها وقسماته، وحركاتها، وحتى نظراتها إلي، والتي كانت تبدو طبيعية تماماً كنظرات البشر. بالإضافة إلى صوتها والإضاءة والمؤثرات الصوتية.

يتيح المتحف أماكن للجلوس أمام كل شخصية، للاستماع إليها، وهي تروي قصتها.

وبينما أسير في المتحف، رأيت قسماً يعرض شكل هياكل الروبوتات، وكيفية تركيبها، وتشكيل ملامحها. كما أن هناك جزءاً يتيح للزائرين لمس الروبوتات، لرؤية تقنية صناعة طبقة من الجلد الصناعي الذي يشبه جلد الإنسان إلى حد كبير.

ويُعَد المتحف من أكبر متاحف الروبوتات البشرية في الصين، وبه روبوتات سحابية بخاصية 5G  (5G CLOUD ROBOTICS)، وتستخدم به العديد من التقنيات العلمية  المتقدمة مثل تقنية الهولوجرام. المتحف  يرسم تصوراً مصغراً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب، وإدراجه في الحياة اليومية. فمثلاً، شاهدت نموذجاً لغرفة عمليات خالية تماماً من الأطباء، بها فقط جهاز للعمليات يستلقي  عليه مريض. وكذلك رأيت روبوتاً يعمل كطاه، ويقف في مطعم يقدم المأكولات إلى الزبائن  ويحدثهم.

خارج المتحف هناك ساحة تضم ألعاباً إلكترونية متقدمة للأطفال

تصوير مي عاشور | qannaass.com

أعترف أنني لا أميل إلى العلوم بقدر ميلي  إلى الأدب والفنون والثقافة، ولكن عندما أجد نفسي أمام شيء يستحق الاكتشاف أبحر فيه، خاصة عندما يكون متعلقاً بمجال تخصصي أي الشأن الصيني. وانطلاقاً من هذه الزيارة، اطلعت  قليلاً حول الذكاء الاصطناعي في الصين، فعلمت أنه في يوليو الماضي عُقد المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في مدينة شنغهاي. وكذلك قرأت حول اهتمام الحكومة الصينية بتطوير الذكاء الاصطناعي، وتشجيعه على الاندماج في الاقتصاد والصناعة؛ وذلك من خلال «خطة تطوير الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي»، والتي أطلقتها عام 2017، وتنقسم أهدافها على ثلاث مراحل، وهي باختصار: مواكبة التقنيات العامة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستوى العالمي المتقدم، وتحول صناعة  الذكاء الاصطناعي إلى  نقطة جديدة مهمة للنمو الاقتصادي، وكذلك إفساح  الطريق للذكاء الاصطناعي بتقنياته وتطبيقاته، لشق مسار جديد يهدف إلى تحسين حياة الناس، وذلك بحلول عام 2020.

أما المرحلة الثانية، فمع عام 2025، تحقق النظريات الأساسية للذكاء الاصطناعي طفرة كبيرة، بل وجزء من تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي يصل إلى  مستوى متقدم وريادي عالمياً، بل ويتحول الذكاء الاصطناعي في الصين إلى محفز للارتقاء الصناعي، ومحرك رئيس للتحول الاقتصادي. ويحرز بناء المجتمع الذكي تقدماً إيجابياً.

وأما المرحلة الثالثة، ستكون بمجىء عام 2030، والتي تهدف إلى وصول نظريات الذكاء الاصطناعي، وتقنياته وتطبيقاته بشكل شامل إلى مستوى الصدارة عالمياً، وتصبح الصين مركزاً رئيسياً لابتكار الذكاء الاصطناعي، وكذلك يحقق الاقتصاد والمجتمع الذكيان، انجازات ملموسة وواضحة. وتؤسس الصين قاعدة مهمة لكي تكون في مقدمة الدول المُبتَكرة وذات القوة الاقتصادية. 

ووفقاً لما ورد في موقع وكالة أنباء شينخوا الصينية، أنه من المتوقع أن يصل حجم استثمارات الصين  في الذكاء الاصطناعي عام 2027 حول 38 بليون دولار، وهي نسبة تشكل 9 % من حجم الاستثمار العالمي.

يمكنني أن أقول إن تقدم الصين التكنولوجي والعلمي، ليس وليد هذه اللحظة بل  نتيجة لعمل متواصل. ويمكن رؤيته بوضوح  في المطارات، ومحطات القطارات، وكذلك من خلال  إدارة أزمة كورونا، والخروج منها بأقل خسائر ممكنة رغم الأعداد الضخمة، وفيما يتعلق بمحاربة التلوث، وتقنيات البناء، وتطوير التطبيقات الصينية المختلفة، والتي تستخدم  لتقديم خدمات شتى، كالتعامل النقدي والتسوق الإلكتروني، وكذلك استخدام  ودمج التكنولوجيا المتطورة في المجالات الزراعية والصناعية والطبية وغيرها.

متحف علوم وتكنولوجيا المستقبل الصيني، تصوير مي عاشور | QANNAASS.COM

أحب الثقافة والأدب الصيني، هذا حقيقي، لكن الكتابة عن الصين قبل الإعجاب بها، تكون بدافع نقل تجربة مختلفة تستحق التأمل، تنتمي أيضاً إلى الشرق، بَنَت نفسها اعتماداً على نفسها، ووضعت ثقافتها وتاريخها الطويل نقطة بداية وشرطاً للنهوض، ورسخت القيم الخاصة بها، وأفسحت المجال للقدرات والمهارات ودعمتها، ووضعت أهدافًا وخططاً واستراتجيات مدروسة، بل  وملموسة النتائج على المدى القريب والبعيد.

***

جولة في متحف علوم وتكنولوجيا المستقبل الصيني، بقلم مي عاشور

خاص قنّاص – مقالات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى