السدود | ممدوح عبد الستار

لوحة التشكيلي المغربي محمد عاطف

مازال البرق يخطف بعض الظلمة، ويباغتني برجفة. ربما يقصدني، وربما يُصبح بشارة أو وعيد. ستختفي الظلمة عما قريب، ويبهت البرق، وسيعود النهار حتماً. هذا رجائي، فعدتُ للدار بعدما توجستُ، وارتجفتُ، ورميتُ ما أنا فيه بغطاء ثقيل.

ما إن صحوت من نومي بعد طول الرقاد، حتى دنوتُ من أمي، والتصقتُ بها، ننظر للشارع الخالي، ورذاذ المطر يهبّ على وجهي عنوة. تحسستُ ساعتي بعد مدة، فكساني الحزن والغمّ برداء ثقيل، وفتحتُ النافذة الأخرى، فأيقنتُ أن السماء تغسل أرضيتها الرمادية. الليل هرب من الصبح، والصبح وقفٌ على ليل، والليل والصبح في هذه اللحظة شيء واحد: (الوقت متأخر، لا عليك) فارتديتُ ملابسي، وهممتُ بالخروج، وفتحتُ بوابة الدار. نظرتُ الطريق. الطرق موصدة أمامي: (لن أصل إلى ما أريد) فرضيتُ كَرهاً بالجلوس، والنور الطبيعي والصناعي قد ذبلا، وانطفأ برذاذ المطر. أشعلتُ سراجاً لا يُسمن ولا يُغني، وتحلقنا حوله، وملأنا بطوننا. عقارب الساعة هاربة، ومختفية. لا أحد منا يجيد الحكي، ولا يملك غريب اللفظ، أو النكات. الكل يدور، ويبحث في وجه الآخر عن شيء نغلّ به الوقت، ونزج به قرباناً لصبح آتٍ. ندور جميعاً بين الغرف. مَلَّ مِنّا الدوران. ذبالة ضوء السراجة لا تفي بقراءة سطور أي كتاب، فطللتُ بجذعي من النافذة. المطر يهبّ على وجهي، الذي اكتسى ببرودة مبهمة.

***

النسوة يحملن الجرار المملوءة بالماء السماوي، يذهبن إلي ترعة الباجورية، ويعدن سريعاً، ليحملن غيرها. النشاط يدبّ في أجسادهن، ولا يخجلن من كشف مناطق أنوثة بَضّة. والرجال في قعر البيوت يتسامرون مع ذكريات شحيحة، ودخان النرجيلة يغطي حالهم الممزوج بالسكون. صنعتُ مركبة ورقية، وألقيتها في بركة ماء، لكنها لم تتحمل كل تلك الأنوثة البَضّة في شارعنا، وانتفخت أحشائها بالماء، ومارت، ولم أجد لها أثراً.

شارعنا- شارع النصارى- ينخفض حيناً، ويرتفع حيناً. حين ارتفع بالماء شبراً، تفتق ذهن الرجال والنسوة بإقامة السدود. كلٌ علي حسب مساحة داره، وبإقامة السدود، أو الحدود، بدأت الشتائم، والاتهامات، واللعنات. لا يوجد بدارنا نسوة غير أمي العجوز، فوقفتُ أرقب النسوة، وهن يصنعن السدود:

     – يا آمال، كمّلي السد للآخر يا لئيمة

فأكملته مرغمة، والمطر المنهمر لا ينقطع. وبدأ الرجال والنسوة يخافون تصدع السقوف الخرسانية.

نظر أبي ناحية اليمين، وناحية اليسار، ثم خرم سدّاً من السدود، والسدّ الثاني ينظره، وينتظر أن تدسن النسوة عليه وهو فرح. صعدنا –أنا وأخوتي- لإزاحة الماء من السطح، وقلتُ:

    – النهارده الجمعة

    – يعني إيه؟

    – القيامة

    – مش فاهم!

    – سنموت بالماء

    – مفيش فايدة من نشل الماء

    فنظرتُ من فوق السطح الخرساني إلي أسفل، فوجدتُ السدود كلها قد انمحتْ.

***

هامش

  1. حين كفّت السماء عن الأرض، وقفلت صنبورها، واطمأن الناس بشارع النصارى؛ كفّت أياديهم عن لملمة الماء من أعالي السقوف، ونزلوا مهرولين إلي الشارع، يقومون بعمل السدود مرة أخري، وأبي لن يستطيع أن يخرم أي سدّ، هذه المرة.
  2. حينما كانت السماء قطعة من ماء عالق، وحينما وجدتُ الأرض لا تبلع الماء؛ أدركتُ أنه لابد لي من عمل مركبة شراعية، ولكنني  خشيتُ -فقط- علي نفسي من سوء الظن والتأويل المفرط، وأنَّى لي بالخشب والوقت؛ فأيقنتُ أني عاجز، ولم أبد رغبتي لأخوتي، وأهلي، وسكتُ.

خاص قنآص

ممدوح عبد الستار؛ روائي وقاص مصري. صدر له: السمان يستريح في النهر، مقامات التفرد والأحوال، السامرى، ظلال. حصل على عدة جوائز منها: جائزة إحسان عبد القدوس في الرواية، وجائزة سعاد الصباح في القصة القصيرة، والرواية، بالإضافة إلى جائزة مجله دبي الثقافية، وأخبار الأدب، ونادي القصة بالقاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى