عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

الطاهر بن جلّون في «عسل ومرارة».. رواية مغربية لقارئ فرنسي | أحمد عمر زعبار

في «عسل ومرارة» يستوحي الطاهر بن جلّون أحداث روايته من واقعة حقيقية عاشتها مدينته المفضلة طنجة؛ عائلة مغربية من خمسة أفراد، مراد الأب، مليكة الأم، سامية الابنة والابنان آدم ومنصف، إضافة إلى شخصية فياد المهاجر الموريتاني.

تتمحور أحداث الرواية، الصادرة عن دار الساقي 2022 بترجمة أنطوان سركيس، حول الأب والأم والابنة سامية، أما بقية الأبطال فتم توظيفهم لتأكيد الحضور المحوري لأبطال الرواية الثلاثة وتأكيد صورة واقعهم المريض من زوايا مختلفة.. الأب والأم يعيشان في قبو منزلهما الذي شيداه بأموال الرشوة التي يحصل عليها الأب بتشجيع ودفع من الأم ولا توجد إشارة واضحة عن سبب اختيارهما العيش في القبو دون المنزل, ربما ليتسنى  للقارئ حرية التأويل فهل أن القبو رمز للمغرب أم للحياة نفسها التي كان حلوها في حياة الابطال الثلاثة الرئيسيين (الأب والأم والابنة سامية) قليل بل أقل من القليل.

أما سامية التي يهيمن شبح حضورها على حياة أبطال الرواية فهي فتاة عادية تحب الشعر وتحلم (بواقعية) في مجتمع كل ما فيه يحطم الحلم, تحلم بنشر أشعارها ف(يصطادها) أحد أصحاب المجلات الأدبية ويستدرجها ثم يغتصبها فلا تجد من حل ينقذها من حربها مع نفسها ومع المجتمع سوى الانتحار. 

لا تبدأ الرواية بالحدث الأهم المتعلق باغتصاب سامية بل يضعنا بن جلّون في صورة ووقائع البيئة العائلية والاجتماعية التي أدت إلى عملية الاغتصاب ثم الانتحار.

الصورة: غلاف الترجمة العربية من الرواية (دار الساقي – بيروت)

لا تبدأ الرواية بالحدث الأهم المتعلق باغتصاب سامية بل يضعنا بن جلّون في صورة ووقائع البيئة العائلية والاجتماعية التي أدت إلى عملية الاغتصاب ثم الانتحار، هذه الوقائع هي العامل الأساسي والسبب في ما حدث لجميع شخوص الرواية وما عملية الانتحار إلا نتيجة عادية للظروف المؤدية إليها في مجتمع يدين الضحية لأنها امرأة.. فقط لأنها امرأة ومن هنا كان النقد الجارح لمجتمع مدينة طنجة (ومن ورائها المجتمع المغربي ككل) بحكم أنه المتسبب الحقيقي في الانتحار ليس بسكوته وحسب عما يحدث لسامية ومثيلاتها وإنما أيضا وأساسا بسبب مشاركته في الفساد والانخراط فيه.

اعتمد بن جلّون السرد الهادئ والبطيء ومتعدد الأصوات بتعدد الرواة ليس لنقتفي نحن القراء سيرة كل واحد منهم بل لنتعرف على وجهة نظر كل بطل من أبطال الرواية من خلال رؤيته الخاصة لما حدث ومن خلال ما يرويه بنفسه وبلسانه عن الأسباب والنتائج المحيطة بانتحار سامية إلا أن الرواية تجاوزت وجهات النظر الذاتية وردود الأفعال الفردية لتحفر في فساد المجتمع, فعسل ومرارة كأغلب روايات الطاهر بن جلّون فائضة بالنقد لمظاهر الحياة الاجتماعية المغربية ويبدو أنها كتبت لغرض وحيد هو إدانة المجتمع المغربي بكل اشكاله وجوانبه.. ندرك أنه من حق الكاتب أن يكون حرّا في نقد كل المظاهر التي يراها سلبية أو مسيئة وندرك أنه من حقه تشريح كل مظاهر الفساد التي يراها تحيط به لكن أن يقتصر كل ما يكتبه الكاتب على الإدانة والتركيز على المظاهر السلبية وإبراز مجتمع بأكمله بصورة العفن الذي لا يُستخلص منه إلا العفن يبدو أمرا غير موضوعي إن لم نقل أكثر, خصوصا أن بن جلون يكتب بالفرنسية وللقارئ الفرنسي أساساً لكنه رغم ذلك لم يكتب روايات فرنسية أو أوروبية بل كتب روايات مغربية/عربية، أبطالا وأحداثا وعقلية بلغة فرنسية فهو لا يكتب عن مجتمع فرنسي أوروبي بل يكتب عن المغرب وكل رواياته تقريبا مصدرها مخزون ذاكرته المغربية.

اعتمد بن جلّون السرد الهادئ والبطيء ومتعدد الأصوات بتعدد الرواة ليس لنقتفي نحن القراء سيرة كل واحد منهم بل لنتعرف على وجهة نظر كل بطل من أبطال الرواية من خلال رؤيته الخاصة عن الأسباب والنتائج المحيطة بانتحار سامية.

الصورة: الطبعة الفرنسية من الرواية (دار غاليمار – باريس

يختار بن جلّون من المواضيع ما يرضي الذائقة الغربية ليؤكد النظرة الاستشراقية السلبية لمظاهر الحياة العربية خصوصا أن القارئ العادي في فرنسا أو غيرها من دول أوروبا ينظر إلى العرب كوحدة اجتماعية حتى إن تجزأت جغرافيا.. يركز بن جلّون على مظاهر تجاوزتها وتتجاوزها الأجيال الجديدة خصوصا فيما يتعلق بعادات الخطوبة والزواج والعلاقات بين الجنسين فهل مازالت الأغلبية في المغرب أو غيرها من بلدان شمال افريقيا تعتبر مثلا أن الفتاة اذا بلغت سن 22 تكون قد تأخرت عن الزواج (ص21) وأن الخطيبين لا يلتقيان إلا بعد أن يتزوجا.

في الرواية تكريس للصورة النمطية للمجتمع المغربي/العربي، الصورة التي يرغب الغرب في القراءة عنها وترسيخها في العقول ورغم أنه ليس هناك من جدوى لإنكار وجود هذه الظواهر والسلوكيات لكن تعميمها واعتبارها وكأنها السائد الوحيد فيه تجني على المجتمع المغربي خصوصا أن أحداث الرواية تقع مع بداية الألفية الثالثة التي شهد فيها المغرب تطورات اجتماعية تجاوزت عادات وتقاليد الماضي.. الانتقاد الشديد لبعض ظواهر المجتمع المغربي مثل الرشوة والفساد السياسي والظلم وتجاوز القانون أمر مقبول بل مطلوب إذ لا تطور دون نقد لكن التعميم بالمطلق خطأ, وحتى فيما يتعلق بالمرأة فباستثناء الضحية سامية التي رسمها بن جلّون (ربما بغرض الامعان في إدانة المجتمع) كشخصية شابة تحمل أفكارا عادية وأحلامها طبيعية واقعية, مدركة لواقعها ومشاكله تحلل بمنطق سليم, لا تعاني من عقد وليس في شخصيتها ما يوحي بالارتباك أو الضعف أو الخلل النفسي أو الانطواء المرضي الذي قد يكون دافعا للانتحار, باستثناء سامية أدان بن جلّون المرأة في المجتمع المغربي فهي الضحية لكنها المفسدةُ وأداة الفساد أيضا كما في حالة الأب الذي ولد مستقيما لكن الزوجة حنت ظهره فتخلى عن عزة نفسه (ص 223).. هناك رمزية سلبية حتى في اختيار اسم الأم فمليكة اسم تقليدي ويحمل رمزية المرأة التقليدية وتُصور في الرواية وكأنها سبب كل المآسي التي حلت بالعائلة رغم قول زوجها كنّا ضحيتين وانقضضنا على بعضنا بعضا (ص240) لقد منح بن جلون المرأة حق رواية حكايتها لكنه لم ينصفها, صحيح أنها ضحية النظام الأبوي البطريركي لكنها أيضا حارسة ذلك النظام وبصرامة غير مبررة ولا مفهومة.

الطاهر بن جلّون الذي لا يعرف الكثيرون أنه إلى جانب كونه روائي هو أيضا رسّام، حيثُ أقام عدّة معارض لرسوماته في فرنسا، رسم في «عسل ومرارة» مجتمعا عربيا بعيون غربية وكان كل ما رسمه سلبيا بداية من المرأة الزوجة والأم مرورا بالإعلام الكاذب والشاعر المُغتصب والمليء بالفراغ وصولا إلى الإسلام السياسي وإلى الدين, إيديولوجيا النفاق, وحارس الفساد وخالق المبررات الغيبية لكل ما في الواقع من ظلم ومآسٍ وتجاوزات.

أحمد عمر زعبار: شاعر وإعلامي تونسي يقيم في لندن

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى