عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

الطين والمرايا | زاهر السالمي

نشاط مَدْرسي، نمارسه في الفصل المطير، عندما توحل الأرض.

أول مرة؛ بقيتَ أياماً تنظر إلى زملائك كيف يفعلون. لم تفهم الفكرة عندما شرحتها المعلمة!

مُجَسّمات من طين ومرايا. كل طالب يصنع تكويناً طينياً مزروعاً بالزجاج، الذي يتحول إلى مرآة عندما يلتصق بجدار الطين. وكلما زاد عدد المرايا في المُجسّم كان أفضل. والمرايا بأنواعها المسطحة و المقعرة و… بألوانها المختلفة، بينما أنتَ حُرّ في استخدام كل هذا، وبطريقتك.   

الفكرة ليست بسيطة كما تبدو! البراعة تكون في الصورة التي تشاهدها في المرآة الأخيرة بعد انعكاسات متُسلْسلة السقوط من مرآة لأخرى. والبراعة ليست في وضوح الانعكاس الأخير فقط، إنما في فنتازيته وعجائبيته، لتظهر الطبيعة والأشياء والوجوه في أوضاع تدهشكَ مرة، ومرة تضحكك: وجوه مصغرة أو مكبرة، مبعوجة، المعلمة محدودبة، الأبقار سمينات، كل ما يمكننك أن تتخيله وتجسده في صندوقك الطيني.

أعجبتُ بمجسّم لأحد زملائي. يحتوي على ثلاث مرايا: الأولى والتي تستقبل المشهد الخارجي مُسطّحة غير ملونة. أما الثانية فكان لونها أزرق سماوي. الثالثة مُحّدبة، حيث ننظر فيها مُغيّرين المشهد المنعكس كل مرّة، فتظهر الأشياء بألوان وأشكال فاتنة وغريبة.

وبما أنّها تجربتي الأولى؛ لم أتَعَنْتَر: وبعد أن جفَّفْته في الشمس، سلّمتُ مُجسّماً في حجم قبضة اليد، مربع الشكل تقريبا، وفي وسطه مرآة مُسطحة، تعكسك كما ترغب في أن تكون!

في صغري لا أذكر أني تشبّثْت بمرآة، ربما كانت عيون الآخرين مرآتي. لكني تعلّقت بذلك الوجه المتموج، الساقط في الماء، وأنا أستحمّ في الفلج، فلج الظاهر. أقضي وقتاً طويلاً معه، حتى تقلق جدتي فتطلّ عليَّ. صار صديقي ذلك الظل المتموج مع التيار، والزمن ينساب. نلعب معاً في مغامرات مائية، مطاردين سمك “الصَدِّ” الصغير جداً، الذي يعيش في المياه العذبة.

كان انعكاسي في حوض المزرعة “الجابْيَهْ” مُخضرّاً، بتأثير من طحالب القاع. نقفز في حركات بهلوانية مُقلدين سباّحي الألعاب الأولمبية، حيث الشقاوة جنّة مائية، نحن ملائكتها.

كان للمرآة في عُمْر المراهقة معنى آخر، وبدأت أدمن تلك البدْعة التي تعلّمتها ممن هم أكبر مني. لكنها لم تكن تستهويني كثيرا، لم أثق بها. ليست كمرايا طفولتنا، التي صنعناها بأنفسنا!

وحتى تتأكد من فتنة هذه المغامرة، عليك أن تجرّب. اخترْ المجسم الذي يُعْجبك، بمرآة واحدة أو مرايا. أنظر، إنها مرآة ربما صادقة. مرآة أليفة. لن تجد مثيلتها إلا تلك المصنوعة بيد طفل، من طين أفريقي، في زمن سوف يكون، زمنك.

جرّبها، خذْها معك إلى البيت، إلعبْ بها مع إخوتك وجيرانك، وعندما تملّ منها أعِدْها. إنها وفيّة، وفيّة لك. ومع تَغيّر هَيْأتك اليومية وملابسك ومزاجك، ستعكسك تماماً كما ترغب في أن تكون. ستعكس الكون كما تتخيله. هذا هو سِرّها، الذي ستُسِرّه لي حين تُعيدها: السِرّ الكامن، الراعف، المشاكس، المكشوف على سماء تَقْطر. سر تلك المرآة، المجبولة في يد طفل، بطين الأرض الأولى.    

– مقطع من كتاب سردي قيد الطبع بعنوان «منازل طَلْعة الشمس».

خاص قناص

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى