متابعات ثقافية

جائزة الشيخ حمد للترجمة: ندوة بمناسبة اليوم العالمي للترجمة

ندوة عبر تقنية «زوم» حملت عنوان «تجارب في الترجمة»

نظم الفريق الإعلامي لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي ندوة عبر تقنية “زوم” بمناسبة اليوم العالمي للترجمة شارك فيها خمسة من المترجمين والمترجمات من لغات مختلفة، قدموا رؤاهم بشأن دور الترجمة كفعل حضاري في التجسير بين الأمم والثقافات والشعوب، وناقشوا واقع حركة الترجمة استناداً إلى تجاربهم الشخصية في هذا الجال، وتطرقوا إلى الصعوبات والتحديات التي يواجهونها أثناء عملهم.

وقالت د.امتنان الصمادي خلال إدارتها للندوة التي حملت عنوان “تجارب في الترجمة” والتي أقيمت بمناسبة اليوم العالمي للترجمة، إن جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي تسعى إلى تكريم المترجمين وتشجيعهم والاعتراف بجهودهم من خلال تقديرهم على المستويين المادي والمعنوي. واستعرضت مسيرة الجائزة التي تقدمها دولة قطر للعالم، وفلسفتها وأهدافها وغاياتها وفئاتها ومعايير الترشح لها والفوز بها.

وتحدثت د.وفاء أبو حطب، أستاذة اللغويات في جامعة الزرقاء الأردنية، في اليوم العالمي للترجمة، عن أهمية الترجمة للإنسانية قائلة: “لو أن الله عز وجل أراد لَخلَقنا أمة واحدة بلغة واحدة، لكن من آياته أن تختلف ألسنتنا وتختلف لغاتنا حتى نتعلم ونتعرف على الآخر”. وأضافت أن الله عز وجل في الآية القرآنية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) خاطب الناس بصرف النظر عن منابعهم الفكرية والثقافية والعقائدية، ما يعني أن علينا أن نتعارف ونتصل بهم، وهذا يحتاج إلى وسيط هو الترجمة”.

وأوضحت أن الترجمة “فعل ثقافي يتجول فيه المترجم بين ثقافتين نقلاً منهما وإليهما، يطرق أبواب الشعر والأمثال تارة، وأبواب المصطلح تارة أخرى، يمخر عباب بحور المعاني ويحلق في فضاء الخطاب. وذلك حتى يستطيع إيصال المعنى”. وأكدت أن المترجم سفير الثقافة بين الأمم، ووسيط بين ثقافتين، وأن الأعمال الأدبية المترجمة تمد جسراً من التفاهم والألفة بين ثقافتين، مختصرةً المسافات والفروق الثقافية.

وأوضحت أن المترجم مدعوّ لأن يوازن بين الولاء للنص الأصلي وبين الخروج بنص مترجم يخلق التأثير نفسه الذي خلقه النص الأصلي عند قارئه، مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الثقافية.

وأشارت إلى التحديات التي يواجهها المترجم، ومنها أن لا يكون مؤلف النص الأصلي على قيد الحياة، فيلجأ المترجم إلى البحث والتقصي إذا ما واجهته مشكلة خلال اشتغاله بالترجمة. وكذلك أن يجد مترجم النص الأدبي المقابلَ الذي يعبّر عن المعنى ويعطي الأثر نفسه، لأن الأدب هو “الكبسولة” الثقافية التي تختزل فيها الأمم عاداتها ورؤيتها للحياة، والتي تزخر بالأمثال والعبارات المرتبطة بثقافة دون غيرها.

وقالت أبو حطب بشأن ترجمتها “صحيح القصص النبوي” للدكتور عمر سليمان الأشقر: “كان هناك تحدٍّ على المستوى اللغوي متمثلاً في إيجاد المقابل المناسب، ففي علم مصطلح الحديث لا بد من معرفة الفرق بين الحديث الصحيح والضعيف والموقوف والمرفوع. وهناك تحدي الحفاظ على الثبات (أسلوب موحد للكتاب)، كما أن المخطوط وردت فيه بعض الكلمات العربية التي تحتاج إلى الشرح، مثل مصطلح (القسامة)، فقمت بتعريفه في ذيل الصفحة، واختيار صيغ الفعل المناسبة”.

أما الصعوبات التي تعترض طريق المترجم، فمن أبرزها بحسب د.وفاء، الحصول على إذن الناشر للغة المصدر، والعثور على ناشر للنص المترجم، وتخطيط الترجمة، أي نقل الترجمة من جهود فردية موزعة هنا وهناك إلى جهود مؤسسية.

وأوضحت أبو حطب أن المؤسسات المهتمة تقوم بالترجمة باختيار الأعمال التي تخدم أهدافها على المستويين الوطني والعالمي واختيار المترجمين، مشددة على أهمية تشجيع القطاع الخاص للمساهمة في حركة الترجمة، وخاصة الشركات الصناعية من خلال تقديم تسهيلات ضريبية لها، وكذلك أهمية دعم البحث العلمي المتخصص بتطوير الترجمة الآلية وتشجيع التشبيك مع التخصصات.

بدورها، تحدثت د.نيديليا كيتايفا التي تدرّس اللغة العربية والأدب العربي في جامعة بلغاريا الجديدة، موضحة في اليوم العالمي للترجمة، أن أول لقاء لها مع الترجمة من العربية كان أثناء دراستها الجامعية، إذ أرادت تحديد موضوع رسالتها للماجستير وكانت مترددة في اختيار مؤلف معين، وصودف أنها اطلعت الأعمال الشعرية لأدونيس فقررت أن تترجم بعض قصائده.

وأوضحت في هذا السياق: “كنت على يقين من أنني لا أستطيع الكتابة عن شاعر لم أطلع على مؤلفاته، في البداية لم أفهم من أشعاره إلا القليل، وكانت الكلمات ذات معانٍ غامضة، لكنني شعرت بعمق هذا الشعر وطاقاته الكامنة وأدركت أن تلك القصائد تضم أكثر مما نلاحظ على السطح، وأن طبقة الظاهر ترتبط بشكل غريب بالباطني فيها، ثم عثرت على تعريف هذا الشعور الذي عبّر عنه أدونيس نفسه حين تحدث عن (لغة ما وراء اللغة، وصورة ما وراء الصورة، وعلم ما وراء العلم)، وأعتقد أن هذه العبارة تعطينا أدق تعريف للثقافة العربية وآدابها بشكل عام.. تلك هي الصعوبة الأولى التي واجهتها في حقل الترجمة من العربية”.

وأشارت إلى أن ترجمتها الأولى كانت مقابلة مع أدونيس وفصل من كتابه “النظام والكلام” وبعض قصائده، وقالت: “بفضل أدونيس وقعت في فخ الشعر العربي، ثم بدأت أقرأ وأترجم لشعراء عرب آخرين، أذكر منهم قاسم حداد ونزار قباني وغادة السمان وإيمان مرسال، وشرعت أترجم قصصاً قصيرة، ثم بعض الروايات”.

وعن التحديات التي واجهتها خلال ممارستها الترجمة، قالت كيتايفا إن أبرزها أن اللغة العربية ليست لغتها الأم، وأنها لم تدرس العربية إلا في بلغاريا، لذلك كانت تحتاج للمزيد من الجرأة عندما قررت أن تترجم رواية “فيزياء الحزن” لغيورغي غوسبودينوف. وأشارت إلى أن هذا الكتاب “صعب ومعقد”، ليس من ناحية الترجمة وحسب، بل إنه “يشبه متاهة مبنية على قصص قصيرة لكونه رواية تجريبية حديثة ذات سياق ثقافي عميق”، فضلاً عن أن أسلوب الكاتب يتميز ببساطة اللغة وعمقها في الوقت نفسه.

وأوضحت أن صعوبات الترجمة تختلف باختلاف النصوص التي تتم ترجمتها، وباختلاف الأدباء أصحاب تلك النصوص أيضاً، وهذا “يتطلب الكثير من العمل إزاء كل كاتب للتعرف على التفاصيل الخاصة بعمله”. مؤكدة أن التحدي بالنسبة للمترجم يكمن في كيفية نقل روح الثقافة التي يرتبط بها العمل، فعلى المترجم أن يصل إلى تلك الروح قبل القارئ كي يتمكن من إعادة تقديمها بأفضل طريقة، وهذا يستلزم “إقامة علاقة خاصة بين المترجم والمؤلف، وأن يسمع المترجم صوت المؤلف واضحاً ويتكلم بهذا الصوت في ترجمته”.

أما المترجم المصري د.صلاح هلال، أستاذ الأدب والفلسفة الألمانية في كلية التربية بجامعة عين شمس، فقال في اليوم العالمي للترجمة: “نحتاج إلى تضافر الجهود التي تعنى بالترجمة في صورة مشروع عربي ضخم يضم متخصصين من كل الدول ويكون هو الموجه لعمل الترجمة في العالم العربي، وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية وثقافية ودعم مادي”.

وأكد أن من الضروري دعم المترجمين ليؤدوا المهمة التي يتصدون لها على أكمل وجه، مضيفاً أن دور النشر قد تقدم بعض الدعم، لكن المترجم يظل هو “الحلقة الأضعف في سلسلة إنتاج الكتب رغم أنه الأساس في عملية الترجمة”، فكثير من دور النشر “تبحث عن الكلفة المادية الأقل، ولا تختار المترجم المناسب للنص المناسب”، كما أنها ترفض وضع اسم المترجم على غلاف الكتاب، رغم أنه شريك في الكتاب ولكن بلغة أخرى.

وتوقف هلال عند مشكلة شح التمويل التي لا تمكّن المترجم من التفرغ لمشروعه، “فلو أن المترجمين يتفرغون لنشاط الترجمة لأثروا المكتبة العربية بالكتب التي نحتاجها لإحداث نهضة ثقافية”.

وأشار إلى أن المترجمين لا يستطيعون المشاركة في الفعاليات الدولية وحضور المؤتمرات ومعارض الكتب الدولية إلا إذا حصلوا على دعوة من مؤسسات أو دور نشر أجنبية. موضحاً أنه كلما زادت خبرة المترجم زادت معها صعوبة الكتب التي يتم تكليفه بها دون انعكاس ذلك عليه مالياً، وهذا يؤدي إلى إحجام كبار المترجمين عن ترجمة كتب مهمة، يضاف إلى ذلك ضعف الاهتمام بعمليات المراجعات اللغوية والتحرير من قِبل دور النشر.

وأقر هلال أن العقبات لا تواجه المترجمين فقط، فهي تواجه الناشرين أيضاً، وأن هناك حاجة ماسة إلى مشروع عربي ضخم منظم وموحد ينبثق عنه مؤتمرات وورش عمل ومنح لمشاريع ترجمة فردية وجماعية، مشيراً إلى ضرورة النظر إلى الترجمة بوصفها عملاً جماعياً وليس فردياً، وإلى أن تطوير الذكاء الصناعي من شأنه أن يتيح للمترجمين الاستفادة منه.

من جهته، قال المترجم الكويتي عبد الوهاب سليمان إن اهتمامه بالترجمة بدأ في وقت مبكر، وإن الأعمال المترجمة الجميلة التي استمتع بها ارتبطت بالمترجمين كما ارتبطت بالمؤلفين. وأضاف أنه تعرف خلال دراسته علومَ الطب الحيوي والكيمياء في بريطانيا على أستاذ دراسات الترجمة في جامعة الكويت د.محمد بن ناصر، وأستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة الكويت شملان القناعي، وكانا وقتها طالبَين في مرحلة الدكتوراة، فوجّهاه وأرشداه لأسماء كبيرة في الأدب والترجمة.

وأوضح أن المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي تمثل وسيطاً ملائماً لدور النشر لاكتشاف المواهب في الترجمة، وأن هناك مجتمعات للمترجمين و(هاشتاغات) لخدمة المترجمين، وهذه الوسائط “خير معين للمترجم رغم أنها مرتبطة بجهود فردية وغير مؤسساتية”.

وعن تجربته في الترجمة، قال إنه ترجم عدداً من القصص، كما ترجم كتباً من بينها “مكتبة شكسبير الباريسية” لسيلفيا بيتش (2022). مشيراً إلى أنه حرص خلال جائحة كورونا على التعمق باللغتين الإنجليزية والعربية وعلى معرفة معاني الكلمات في سياقها الزمني.

قال سليمان إن هناك صعوبات تعترض المترجم من أبرزها التعامل مع المصطلحات الأكاديمية، إذ “لا توجد لهذه المصطلحات صيغة موحدة ولا يوجد مجمع للترجمة يوحّد المصطلحات”. وثمة صعوبة تواجه مترجمي الكتب الأكاديمية والأبحاث العلمية تتمثل في أن المصادر والكتب العلمية غير متاحة لمن يريد قراءتها مجاناً،  في الوقت الذي لا غنى عنها فيه للمترجم ليفهم سياق العمل.

وأعرب سليمان عن أمله في تطوير الذكاء الاصطناعي ليكون في خدمة المترجم وليوفر عليه الجهد والوقت.

أما المترجمة الباكستانية الناشئة آسيا عارف صديق، التي ترجمت كتباً عدة من العربية للإنجليزية والأوردية والفارسية، فتوقفت عند تجربتها في ترجمة الحكم والأمثال، موضحة أنها جمعت الحكم والأمثال من كتب مختلفة منها “مجمع الأمثال” للميداني، و”أحلى ما قيل في الحكم والأمثال” من إعداد غريد الشيخ، و”الإعجاز والإيجاز” للثعالبي، و”عيون الأخبار” لابن قتيبة.

وقالت إن الحكم والأمثال هي نتاج سلسلة تجارب الحياة التي تجاوزت العصور والثقافات واللغات، وأضافت: “إذا تأملنا في هذه الجواهر الحكيمة فهي تنقل رسالة عالمية بصرف النظر عن لغاتها”، مشيرة إلى أنها اتبعت خطوات محددة لإنجاز هذه الترجمة، منها فهم المعنى بما في ذلك فهم الخلفية الثقافية العميقة للمثل، وترجمة المثل الواحد بأكثر من صيغة (3 ترجمات لكل مثل)، واعتماد استراتيجية ترجمة الكلمات ثم المعنى بعامة، والاهتمام بالصياغة اللغوية للمثل من خلال تقصير الترجمة وجعلها ملفتة للانتباه، وتقفية الأمثال.

«تجارب في الترجمة»: ندوة عبر تقنية “زوم” بمناسبة اليوم العالمي للترجمة شارك فيها خمسة من المترجمين والمترجمات من لغات مختلفة

قنّاص – متابعات ثقافية

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى