جَدَل القراءاتمكتبة بورخيس

السيرة الروائية «بلاد لا تشبه الأحلام» وتشظي الذات الحالمة

كتاب بشير البكر أشبه بمعراج روحي في بلاد لا تشبه الأحلام عبر نصف قرن من زمن صعب مخاتل

بلاد لا تشبه الأحلام لـ بشير البكر

بقلم: محمد شويحنة

بشير البكر كاتب وصحفي وشاعر سوري، وُلد في الحسكة عام 1956. وعاش فيها طفولته وشطراً من يفاعته، ثم غادر سوريا أواخر السبعينيات هرباً من القمع السياسي، وعاش في عدة عواصم منها بيروت وبراغ وباريس، وعمل في الصحافة الفلسطينية قبل أن يستقر في أوروبا.

في كتابه السيري «بلاد لا تشبه الأحلام» لفتني حقيقة هذا الشكل الجديد، المختلف والمغاير لما ألفناه من مذكرات وسير ذاتية، بل ومن روايات وقصص. فالشاعر بشير البكر يخوض غمار تجربة طازجة من حيث التقاليد الأدبية، إذ يقدم سرداً آسراً بلغة رهيفة حارة فريدة مفصلة على مقاس الأحلام والأساطير من ناحية، وعلى بانوراما الوقائع والأحداث التي عايشها من ناحية أخرى، وفي صيغ تجعل الكتاب أشبه بمعراج روحي في بلاد لا تشبه الأحلام عبر نصف قرن من زمن صعب مخاتل.

يُصنف الكتاب على أنه سيرة روائية صدرت عام 2025 عن دار نوفل/هاشيت أنطوان في بيروت. ويقع في حوالي 256 صفحة. في الكتاب لا نجد أنفسنا أمام سيرة ذاتية تقليدية، بل أمام مزيج فريد مكون من السيرة والتأمل السياسي والمعرفي، مكتوب بلغة شعرية تفكيكية تمنح النص طابعاً خاصاً وتجعله ينأى عن التصنيف والتجنيس، وينحو إلى جهة صيغة أدبية جديدة تجمع ما بين السيرة الذاتية والبحث المجتمعي والرواية والتاريخ والتأمل الفلسفي والتقرير الصحفي والشعر والنقد والتحليل، كل ذلك سنجده في الكتاب حقيقة، لتتشكل في المحصلة حالة من التشظي النصي الطافح بالغنى والدلالات، حالة مفارقة للتصنيفات الأدبية الجاهزة والمستقرة…

بلاد لا تشبه الأحلام، عنوان يمضي إلى ما هو أبعد من الأحلام والرغائب، فيستكشف من خلال ذلك الهوة الكبيرة بين الحلم والواقع، في مقابلة أو تضاد معنوي يجعل الواقع في شكله الكابوسي في واد والحلم في شكله الروحاني في واد آخر. إذ إن الذاكرة التي تسرد والفكر الذي ينظم دائماً ما كانا يتقاطعان مع الأحلام ثم يفترقان، كما في سيرة الحسكة وأيام الطفولة من خلال إحساس عميق بالمكان والطبيعة، حيث تأخذ الاستعادة هنا شكل الأحلام الشفيفة، التي تظهر من خلال لوحات إبداعية مليئة بالحميمية والقيمة الشعورية… وهكذا فنحن أمام بانوراما سيرية تكدست أحداثها دون أن تنتظم في سلسلة، بل تكونت من انتقالات لا تجري على نسق بين سير لأمكنة وأزمنة وحوادث وشخصيات… بما يشبه محاكاة للطبيعة الحقيقية غير المنظمة لذاكرة الفرد في العادة. والرابط بين تلك السير، إذا كان ثمة رابط، هو (أنا) الكاتب ذات الحضور اللطيف المرهف في نصوص الكتاب جميعاً، عبر فيض من حنين ومن ألم ومن حب وإحساس طاغ بالآخر وبالمحيط والمكان والمفاصل الحيوية المؤثرة في التكوين الذاتي والشعوري والإبداعي للمؤلف، ومن ذلك كله ستتشكل رحلة العبور القسري من الوطن إلى المنفى، ومن بيئة محلية أليفة، إلى مروحة عريضة من البيئات الأخرى المغايرة، الأليفة والموحشة، وربما النابذة والمكللة بالفقد والخسران… إنه تشريح لجروح الماضي، وتأمل في معنى المنفى الذي لا يقتصر على المكان بل يشمل الاغتراب عن الذات والذاكرة. ورغم الحس الانتقادي والألم الذي تنضح به السطور، يحمل النص في طياته نبرة من التحدي والأمل بإمكانية استعادة الحرية والهوية على الأقل من خلال الكتابة والتذكر.

وإن البروز الأساسي في الحوادث السيرية في الكتاب لم يحفل بالحوادث ذاتها، بقدر احتفاله وعنايته باللحظات الشعورية والصور المبتكرة وبث الرؤى والانطباعات الخاصة التي خلفتها الأحداث والتجارب في النفس. فبعض هذه الصور، إلى جانب المشاعر الذاتية الفردية، تجسد تعاضداً وامتزاجاً بالذاكرة الشعبية للجغرافيا الوطنية الأم، وهي الحسكة تحديداً، والجزيرة السورية بعامة، بما هما موطن ذو خصوصية ثقافية ولغوية غنية، يسعى الكاتب لاستعادة تاريخها المهمش أمام التاريخ الرسمي. بهذا المعنى، يتجاوز الكتاب تعريف السيرة الذاتية ليكون وثيقة أدبية تاريخية تؤرشف وتوثق ما يحاول التاريخ الرسمي محوه أو طمسه.

وعلى طول الطريق السيري هناك مثول وافر للإيحاءات والرموز، إلى حد يرقى إلى صياغة أساطير أخذت شكلها من خلال حالة شعرية عرفانية مؤثرة، كما في رموز الجبل والغيمة والنهر والذئب ودفتر العائلة الضائع وما إلى ذلك…

والسيرة الروائية التي جُعلت صفة أجناسية للكتاب، سنراها تدور حول رحلة المنفى والصدى الذي تخلف في الذاكرة، مستحضرة في البداية سيرة رؤيوية لمنطقة الجزيرة السورية من منظار طفل أعطي صفحة وألواناً فرسم على طريقته وبألوانه الذاتية لا ما رأى، بل ما كان يحلم أن يرى، وكيف رأى، في حالة من الاستعاضة، بغية إعادة تخيل الوطن المفقود. والكاتب في تجسيده كثيراً ما كان يهمش الحدث البارز لصالح اللحظة الشعورية. أما في مرحلة الوعي الشبابي فالبكر ينتقل إلى توثيق مغاير، عبر تنقلات بين حلب في منتصف السبعينيات ثم دمشق، بيروت، براغ، باريس، قبرص ودول أخرى، مع التركيز على بيروت كمدخل لحياة جديدة ومكان للحرية النسبية، مضمناً سرده شهادات تاريخية عن أحداث عايشها، مثل حرب حزيران وهزيمة الجولان والاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، ودور النظام السوري، وصداقات ولقاءات عديدة بشخصيات عامة ومؤثرة في الحياة الأدبية والسياسية.

باختصار، فإن كتاب «بلاد لا تشبه الأحلام» يقدم صيغة جديدة للسيرة الذاتية، وذلك من خلال شكل مستحدث استبدل السلسلة المتوالية لأحداث السيرة بالعفوية وقدح الذات غير المنتظم. كما يعد الكتاب إضافة نوعية تكمن في كونه عملًا يحوّل السيرة الذاتية من فن البوح الشخصي إلى فن مقاومة النسيان الجماعي، وتفكيك الحوادث بعين ثاقبة، وباستخدام أدوات شعرية وبنية مبتكرة تعكس تشظي حياة المنفى، واستغراق الكائن الشعري فيها ومن ثم خروجه بحصيلة فكرية ومعرفية غاية في الثراء والقيمة.

وإنك إذ تقرأ هذا النص بصيغته الكلية، تتساءل: أهو صيغة افتراضية جديدة لشكل الرواية، أم صيغة تحديثية متطورة لشكل السيرة الذاتية، وستعلم في النهاية أن العمل في واقعه يأخذ من هذه وتلك، لينتج شكلاً حداثياً يغني سيرة الجنس الأدبي ويضفي عليها تنويعات جديدة وإمكانات جديرة بالنظر.

*****

الكاتب والروائي السوري محمد شويحنة

خاص قنّاص – جدلُ القراءات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى