عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

بيروت.. مرآة العين وحاضنة المبدعين | عبد الكريم البليخ

بيروت.. من منا لا يعرف بيروت العاصمة الثقافية، والبلد الجميل الأنيق بأهله وزوّاره، جوهرة درية غنية وغريبة الشكل بمحتواها، ومستوى أهلها الثقافي والمعرفي، والتي كانت ولا تزال أسطورة الصحافة الورقية في تاريخها العريض، وفي عصرها الذهبي، ولا زالت متألقة وستظل مرآة للعين وحاضنة للمبدعين العرب في حلّهم وترحالهم.
نعم، هذه بيروت، وحواريها، وشوارعها، وناسها، وأبنيتها الشاهقة، وهواؤها العليل، وتراثها الأصيل، وكل ما حملته رسالتها الإبداعية، بصنوفها المختلفة.
أكثر ما يذكّرنا بها الفنان المبدع وديع الصافي، طيّب الله ثراه، ونصري شمس الدين، والفنانة صباح، والثلاثي الماسي للرحابنة، فيروز وعاصي ومنصور الرحباني، ناهيك عن كتّابها الكبار، وصحافييها المخضرمين من أمثال: سمير عطا الله، طلال سلمان، جهاد الخازن، غسان شربل، جبران تويني، إبراهيم الأمين، نايلة تويني، راجح الخوري، خير الله خير الله، محمد قوّاص، وغيرهم وغيرهم كثير الذين يمثلون لبنان، رغم صغر مساحته، إلاّ أنه يظل البلد الأكثر إمتاعاً وإشراقاً وأنساً وحيويةً.
وبمجرد أنك تقول إنك على أهبة الاستعداد لزيارة بيروت، الكل يقفُ مستغرباً ومندهشاً، لأنك ستزور البلد العربي ــ الأوربي، الذي تشعر وأنت فيه، وكأنك في بلد آخر، وتدهشك اللهجة اللبنانية برقتها، وبساطتها، وشهرتها، حتى كتب فيها الشاعر السوري الكبير نزار قباني معظم قصائده الجميلة، كما كتب عنها إحدى أجمل قصائده: “بيروت ست الدنيا”، أي سيدة الدنيا.

مدينة الترف والجمال

في بيروت‏..‏ لا تقل إنك جئت لترى الناس‏،‏ وإنما عش بينهم‏،‏ شاهد وراقب ما يحدث في الصباح والمساء‏،‏ وأيضاً في جوف الليل‏،‏ إنّها مدينة خرجت من رحم الحرب والدمار‏،‏ ولكنها أبقت على جمالها وسحرها‏،‏ ومع الجمال والسحر ظلّت بيروت امرأة جميلة لا تنام‏،‏ ولا تتذكر نهر الدم الذي فاض على ثوبها‏..‏ إنّه السرّ الذي لن تكتشفه إلاّ إذا جلست معها ذات ليلة، وهذا ما فعلناه‏.
‏ لم تستغرق المسألة الزمنية منذ هبوط الطائرة وحتى خروجنا إلى أبواب المطار الخارجية سوى عدّة دقائق، حيث اتسم المطار بالدّقة والنظام، وسرعة إنهاء الإجراءات‏. ‏
وفي الطريق بدا واضحاً إنّها الفنادق القديمة المشهورة، أعيد تجديدها وتعميرها، وهي المباني التي ترسمُ ملامح بيروت، وكأنها لوحات في معرض فنّي مفتوح‏.
دقائق قليلة وكنا قد وصلنا إلى الفندق في وسط المدينة، حيث قلب بيروت النابض، ومشروع إعادة إعمار الوسط التجاري على مساحة مليون وثمانمائة ألف متر مربع، تم فيه إعادة وترميم وتجديد الأبنية، وإعادة إنشاء منطقة الأسواق، وذلك على مراحل ثلاث‏،‏ وكان هذا المركز التجاري والإداري للبنان في وسط العاصمة مسرحاً للتجاريين لأكثر من خمسة عشر عاماً مما خلف دماراً شبه كامل للبنية الأساسية والتحتية‏،‏ وتعقيدات كبيرة من حقوق الملكيات والمستأجرين، بالإضافة إلى مشكلات بيئية وصحيّة‏،‏ وقد وصفت ورشة إعادة الإعمار بأنّها أكبر ورشة في الشرق الأوسط، وشملت الفنادق والجسور والطرق والمكاتب والمجتمعات السكنية‏.‏

اجتازت بيروت إذن المحنة التي ألمّت بها طيلة عقد ونصف من الزمن، واستحقت عن جدارة لقب المدينة التي تأبى أن تزول..

من أبراج بيروت الحديثة | qannaass.com

اجتازت بيروت إذن المحنة التي ألمّت بها طيلة عقد ونصف من الزمن، واستحقت عن جدارة لقب المدينة التي تأبى أن تزول، ورغم أن قسماً كبيراً من بيروت قد دمّر تماماً بفعل الحرب إلاّ أنَّ الغريب في الأمر أنَّ هناك شارعين لم يتأثرا بهذا الدمار، وهما شارع البنوك، وشارع الحمرا‏،‏ اللذان لم تمسّهما رصاصة أو قذيفة، ربما لأن التجارة تشكل جزءاً من طبيعة البيروتيين الذين اكتشفوا منذ القدم أهمية موقع مدينتهم المرفئية كمجال التقاء بين الشرق والغرب، يتمتع بخبرات تسهم في إنجاح المبادرات التجارية على اختلافها، فغدت بيروت مركزاً مالياً وتجارياً، وصناعياً مرموقاً يتعاطى جميع النشاطات المالية والخدمات المصرفية‏.‏

الغرابة والطرافة.. والمتناقضات

أما الشارع الآخر الذي لم يتأثر بطلقات الرصاص، أو قذائف الهاون، فهو شارع الحمرا، والذي ينفرد بطابع اجتماعي خاص، ورمز إلى السهر والحياة، ويجمع بين المتناقضات الجدية‏‏ والطرافة‏،‏ الطبيعة والغرابة‏،‏ الرصانة والخفّة‏،‏ الالتزام والحرية‏،‏ الغنى والفقر‏،‏ النظام والفوضى،‏ الهدوء والاضطراب‏،‏ هذا الشارع يقع في قلب مدينة بيروت‏،‏ ويلتقي فيه الجميع‏،‏ رجل المال، والوزير السابق‏،‏ والوزير اللاحق‏،‏ والموظف، والعامل،‏ ونظيره المتقاعد، والصحافي الناجح وزميله الفاشل‏..‏وشارع الحمرا الذي يتلألأ سابحاً في الأضواء، مازجاً ليله بنهاره.

شارع الحمرا يجمع بين المتناقضات الجدية‏‏ والطرافة‏،‏ الطبيعة والغرابة‏،‏ الرصانة والخفّة‏،‏ الالتزام والحرية‏،‏ الغنى والفقر‏،‏ النظام والفوضى،‏ الهدوء والاضطراب‏،‏ يقع في قلب بيروت‏،‏ ويلتقي فيه الجميع‏.

شارع الحمرا | qannaass.com


حينما تتجول في شارع الحمرا تجده مجتمعاً قائماً بذاته، وعالماً مستقلاً، وهذا ما جعل التساؤلات تدور في ذهني، كيف يعيش الناس في هذا الشارع؟‏!‏ ولماذا لا تهدأ الحركة فيه؟‏!‏ من شروق الشمس إلى غروبها‏،‏ ومن غروبها إلى شروقها في اليوم التالي، حتى لكأن الشمس لا يعنيها دوران الأرض من حولها‏،‏ وتستمر الحياة فيه بتلاحق الحلقات مع شلال دافق من الناس الذين لا يتعبون من التعب‏،‏ ولا يرتاحون من الراحة؟‏!‏.
‏ الغريب أنَّ الشارع يحفَلُ أيضاً بعددٍ وافر من المقاهي التي كانت تجذب المثقفين والفنانين والكتاب والشعراء إلى محلات تبيع “الشاورما”، بعد أن انقرضت إلى حد كبير المكتبات التي كانت تنتشر في الماضي على جانبيه‏.‏

وفي بيروت، يتجسّد مدى التراجع الكبير لدور النشر في حياة اللبنانيين، حيث انتفت الحاجة إلى المكاتب داخل المنزل لدى الأغلبية منهم‏،‏ وبالتالي، فهي، إن وجدت، يمكن اعتبارها ضمن الديكور العام للصالونات‏،‏ ومثل غيرها من التحف واللوحات التي تزيّن جدران المنزل وأروقته‏،‏ وهناك قارئ واحد بين كل مائة لبناني‏،‏ وتبقى كتب السحر والشعوذة والأبراج وفن الطبخ، في رأس قائمة الكتب الرائجة في الساحة اللبنانية‏، ‏بينما “جبران خليل جبران هو سفير لبنان في واشنطن‏!.‏ ونجيب محفوظ، طيّب الله ثراه، هو من أشهر ممثلي السينما العربية”!‏

على هامش القانون

ويؤكد اللبنانيون أنك شخص غير طبيعي إذا جئت إلى هناك دون أن تزور سوق الأحد، أو سوق صبرا‏،‏ فهم يقولون لك إن فقدت شيئاً في لبنان فإنَّ مكاناً واحداً يمكنك أن تجده فيه، هو سوق صبرا، الذي يتفرّد بوضع غريب، فهو على هامش القانون دون أن يكون مطلوباً أمام العدالة‏!‏
الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود‏،‏ هكذا يوصف السوق الذي يحوي كل شيء، وأي شيء يمكنك أن تجد فيه اسطوانة مفقودة لأم كلثوم‏،‏ كما يمكنك أن تجد فيه حذاءً فقدته يوماً على شاطئ البحر‏،‏ تجّار السوق يباهون بما يفعلون ولا يترددون بالمجاهرة بالمصدر غير القانوني لبضاعتهم‏،‏ حيث يقولون إنهم يجنون أرباحاً جيدة، إذ يتقاضون ثمن الأغراض التي لم يشتروها في الأساس‏،‏ ولا تكلفهم ضرائب عليهم حين يفترشون الأرض والطريق لعرض المقتنيات المسروقة‏.‏

ساحة رياض الصلح وسط بيروت

qannaass.com

وحينما سألت أحدهم عن المعروضات، قال: إنَّ الكثيرين يعمدون إلى سرقة ما يبيعونه أو يتسولونه، والدليل على ذلك أنَّ جميع البضائع المعروضة تتألف من ثياب رثّة، وأحذية مستعملة وغيرها من البضائع المتنوعة التي لا تجد تناسقاً فيما بينها، وحينما تجوّلت في السوق وجدت الأطفال الصغار يهربون خوفاً من السؤال، باستثناء فتاة صغيرة أكدت لي أنّها تعيش في منطقة صبرا منذ أكثر من عشر سنوات‏،‏ وأن هذه السوق قديمة تألفت منذ بدايتها من عمّال ينتمون إلى دول عربية أتوا إلى لبنان قاصدين العمل فما كان منهم إلاّ المكوث في منطقة صبرا وافتراش طرقاتها لعرض أنواع مختلفة من البضائع التي يجلبونها من بلادهم.

أزّمة اقتصادية ومالية

ظلت بيروت ولاتزال من المدن العربية الراقية في فخار بنائها، وفي إطلالتها على البحر المتوسط، وخاصة صخرة الروشة الشهيرة، وكأنها بوابة المدينة على البحر، وفي نسماتها العليلة المنعشة التي تشرح الصدر، وفي اهتمامها بزوّارها، وفي صحافتها وأدبائها المبدعين الكبار.

صخرة الانتحار في بيروت | qannaass.com


هذه هي بيروت، العاصمة اللبنانية الزاهية، الأنيقة، المحبّة للسلام، والتي حملت مشاريع عمل متعدّدة، واحتضنت العديد من المؤتمرات، وكللت الغالبية منها بالنجاح، كما لا ننسى الدور الكبير الذي لعبه المواطن اللبناني، وما تحمَّله من مشاريع قاسية، ومشاريع إنماء، ومنها انتقل إلى المشاريع التي أخذت من وقته وجهده الشيء الكثير، وخلّفت وراءها الكثير من الشتات والخراب، والاغتيالات التي لحقت، وللأسف، بنجوم الساسة اللبنانيين الكبار!.

ويواجه اللبنانيون أسوأ أزمة مالية واقتصادية في تاريخ لبنان الحديث، وقد تراجعت معها قدرة مصرف لبنان على تلبية دعم الأدوية والمواد الأساسية والمحروقات، ما أدى إلى انخفاض مخزونها، وعدم توافر المحروقات في غالبية محطات الوقود التي أقفل قسم كبير منها.
وأخيراً ماذا يمكن أن أقول في ظل الوضع الاقتصادي المنهار!. ففي كل عام كنت أحظى بزيارة بيروت.
وهناك كنت أرى أجمل ما حَبَتْه الطبيعة، جبال لبنان الخضراء. وعلى مدى البصر زرقة البحر وامتداده.
كنتُ أرى في شروق شمس بيروت أشعة ذهبية، وقد ترامت على مساحة شاسعة من مخمل أزرق لا يحدّه البصر. كنتُ أشهدُ أروع وأجملُ ما شيّدته يدُ الإنسان. رأيتُ السان جورج، والفينيسيا. وشارع الحمراء، والروشة، وتمثال الحرية ـ ساحة الشهداء، وزوارق البحر، والياسمين هدية الزائر.
ولكن ما ذا أرى اليوم؟!
لقد رأيت لبنان يتخلى عن جماله، فتخلى جماله عنه!
رأيت تفكك الراوابط والضوابط، وانفراط العلاقات!
ورأيت تهريب المحروقات والخبز والطحين والدواء، وعدم القدرة على وقف ارتفاع أسعار الدولار يومياً في السوق المحلية بمعدّلات قد تبلغ في اليوم نسبة 40-50%، وهذا أمر يسهم في التضخم الحقيقي وتقييد غالبية العائلات على تحمّل أعباء نفقات العائلة سواء للانتقال، أقساط الأولاد، العلاج الطبّي والصحّي، الإيجارات، الضرائب البلدية والاستهلاكية، وعدم الوصول إلى حلحلة تأليف الحكومة الذي يخضع لارتهانات غريبة.

الفقر يعظّ الجميع

رأيت الأطفال يموتون من الذعر. ورأيت الأباء يسقطون. قتلى وهم يحملون أرغفة الخبز إلى أطفالهم!
ورأيتُ العمارات الشاهقة في بيروت وقد تهاوت، وغرقت في مشاكل لا حدود لها!
ورأيت الخضرة، قانية الاحمرار!
ورأيت زرقة البحر، بلون الدم!

الصيادون في بيروت | qannaass.com


و ها هي بيروت اليوم، ترسم ملامح الطريق الصحيحة، وتحاول تجاوز الصعاب، وما أكثرها.. بعد أن تكالبت عليها المحن بانفجار مرفأ بيروت في العام الماضي، وانخفاض مستوى سعر الدولار بشكل مرعب، وفي ظل غياب الكهرباء والماء، وتهميش الخدمات، والفقر الذي صار يعظّ الجميع وينهش بهم!.
هذه هي بيروت. كنت أراها مدينة جميلة، واليوم أراها مدينة مشوّهة. وبلا وجه!!

إليك أيتها البيروتية، نقولها، ومن القلب الذي أحبّك، ستظلين في القلب والعين، وفي مسمع من الأذن، نبادلك الحب كما نبادل أهلك التحية والاحترام، ونتمنى لهم حياة آمنة ومستقرة، وكما نشتهي.

ملاحظة: الصور بعدسة الكاتب.

عبدالكريم البليخ: كاتب وصحفي سوري مقيم في النمسا | qannaass.com

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى