عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

تأويل النّسق الثّقافي في شِعر «أدونيس» | د. فاطمة علي عبّود

لم تتوقَّف تيارات الحداثة وما بعد الحداثة عن الدَّعوة إلى الخروج عن بنية النَّص، وربطه بأطرٍ خارج نصيَّة، تُعدُّ مرجعاً مؤثِّراً في بنية النَّص، بشكليه الظَّاهر والمضمر، فدراسة شعريَّة النَّص من خلال الكشف عن أدبيَّته أبعدته عن النَّظرة الشُّموليَّة التي ترى في النَّص رؤيةً يقدِّمها المبدع للعالم انطلاقاً من المقولات الذِّهنيَّة، فربط النَّص بمرجعيَّته الثَّقافيَّة يعدُّ ممارسةً لحريَّته من خلال مدِّه على مساحةٍ أكبر، تشمل النَّشاط الإنسانيَّ، ومنظومته الفكريَّة التي تؤثِّر في النِّصوص من خلال الأنساق الثَّقافية المتغلغلة في بنية النَّص، هذه الأنساق تحتاج إلى جهودٍ نقديَّةٍ مكثَّفةٍ للكشف عنها وتأويلها، وربطها بسياقها النَّصيِّ، إنَّ دراسة هذه الأنساق تقوم بدورٍ مهمٍّ في التَّغيرات التي تطرأ على المقولات الذِّهنيَّة، كما تلعب دوراً أساسيَّاً للتَّمييز بين المجتمعات من خلال الهويَّة الثَّقافيَّة التي يحتفظ بها كلُّ مجتمعٍ، بوصفه منتجاً لها، ومعايشاً لتفاصيلها، ممَّا ينعكس على بنية النَّص الأدبيِّ ويعطيه تفرُّده وخصوصيَّته.

يشكِّل الموروث التُّراثيُّ خطاباً أنتجته المجتمعات الإنسانيَّة عبر العصور، واختزنته الذَّاكرة في لاوعيها الجمعيِّ، ثمَّ أعاد المبدع إنتاجه في أعماله الفنيَّة بوصفه رمزاً يحمل دلالاتٍ ثريَّةً وخصبةً، بما يتلاءم مع رؤيته الحداثيَّة، فعمليَّة العودة إلى التُّراث “ليست مطلقاً عمليَّة اقتباسٍ لنصٍّ من التُّراث، وإنَّما هي عملية تفجيرٍ لطاقاتٍ كامنةٍ في هذا النَّص يستكشفها شاعرٌ بعد آخر، كلٌّ حسب موقفه الشُّعوريِّ الرَّاهن”1؛ بمعنى أنَّ الشَّاعر حين يستحضر رمزاً أسطوريَّاً أو حكايةً شعبيَّةً ما، فإنَّه يُسقط عليها تجربته الشِّعريَّة الخاصَّة، ليعبِّر عن رؤيته مستنداً إلى معطياتٍ التُّراث التي تتقاطع مع همومٍ ومشكلاتٍ معاصرةٍ، يطرحها النَّص في فضائه الجديد، فقد استلهم الشُّعراء من التُّراث تموز وعشتار وطائر الفينيق، لكنَّ استخدامهم لتلك الرُّموز لم يتجاوز حدود الدِّلالة التي تخدم رؤية النَّص اعتماداً على المضمون الإنسانيِّ المشترك، مع الاحتفاظ بالمؤشِّرات الدِّلاليَّة التي تقدِّمها الرُّموز، ومن ثمَّ تتجاوزها ضمن أفقٍ رؤيويٍّ معاصرٍ.

وبذلك يحمل الخطاب الشِّعريُّ القائم على التَّناص التُّراثيِّ بُعدين: أحدهما حاضرٌ وماثلٌ في الفعل اللُّغويِّ المكشوف في تجلِّياته البلاغيَّة والجماليَّة التي تُعنى بإنتاج الدِّلالة، ويقوم عليها الدَّرس البلاغيُّ والنَّقديُّ في نظريَّات الاستقبال والتَّأويل، والآخر يمسُّ المضمر الدِّلاليَّ للخطاب، هذا المضمر الفاعل والمحرِّك الخفيُّ الذي يتحكَّم في كافَّة علاقاتنا مع أفعال التَّعبير وحالات التَّفاعل2، هذان البُعدان يُحيلان على نسقٍ ذي طبيعةٍ تاريخيَّةٍ وجماهيريَّةٍ، يهيمن على أفراد المجتمع ليغذِّي سلوكهم الواعي وغير الواعي، وتغدو مهمَّة النَّقد هي البحث في تلك الأنساق وكشفها في النِّتاج الشِّعريِّ الحامل لها.

 التساؤلات التي يطرحها الشاعر تحيل على أعماق الذات الشِعرية في لحظة توحدها مع الرمز الأسطوري، والصورة الشِعرية تقدم مشهد الاحتراق كاملاً، بكل تفصيلاته المادية والمعنوية، فحين يتوغل الشاعر داخل رمزه تثيره الرغبة في المعرفة، معرفة الحاضر الماثل في النص زمناً، ومعرفة المستقبل الرؤيوي الممكن المصاحب لعملية الاحتراق.

الصورة: غلاف “هذا هو إسمي” (دار الآداب، بيروت)

ويتجلَّى النَّسق الثَّقافيُّ القائم على التُّراث الأسطوريِّ عند أدونيس في رؤيةٍ شعريَّةٍ تتَّسم بفرادةٍ قد لا نجدها بهذا الزَّخم عند شاعرٍ حداثيٍّ آخر؛ إذ يعمد الشَّاعر إلى استنطاق الأسطورة، ودفعها لخدمة تجربته الشِّعريَّة، عن طريق الدِّلالات المتنوِّعة التي ينسلها من رموزه؛ لأنَّ “الأساطير مثل اللُّغة حيث لا يوجد المعنى مرتبطاً فقط بالعناصر الموجودة بالأسطورة، ولكن بالأسلوب الذي تمَّ به جمع الأسطورة”3، وحين يمتح الشَّاعر من هذا المعين الخصب، فإنَّه يقدِّم صورةً شعريَّةً حداثيَّةً تسبح في فضاءٍ أسطوريٍّ، يتجاوز حدود زمانه ومكانه ليدخل عوالم التَّجربة الشِّعريَّة الأدونيسيَّة، فقد تفرَّد أدونيس بطريقته الخاصَّة في توظيف أقنعته الأسطوريَّة، وجعلها تندرج ضمن مشروعه الحداثيِّ؛ إذ يُسقط ملامحها التَّاريخيَّة والأسطوريَّة، ويحيلها إلى أصداء بعيدةٍ، فلا يبقى منها سوى بعض الخطوط التَّجريديَّة المبعثرة التي تتخلَّله فراغاتٌ مقصودةٌ، وهي وسيلةٌ لاستثارة القارئ، ودفعه إلى التَّأمُّل بدل الاسترجاع والتَّحقُّق4، ونستطيع بدايةً أن نحدِّد نسقاً غالباً على شعر أدونيس، وهو نسق الهدم والبناء، ومن الرُّموز التي استخدمها الشَّاعر لتأكيد هذا النَّسق رمز طائر الفينيق المنبعث من رماده حاملاً معنى التَّجدُّد والاستمرار، من خلال ثنائيَّة (الموت/الهدم) و(الحياة/ البناء)، يقول أدونيس في “نشيد الغربة”:

فينيقُ؛ إذ يحضنُكَ اللَّهيبُ، أيَّ أفقٍ ترودُه؟

والزَّغبُ الضَّائعُ كيفَ تهتدي لمثلِهِ؟

وحينما يغمرُكَ الرَّمادُ أيَّ عالمٍ تُحِسُّه؟

وما هو الثَّوبُ الذي تريدُهُ – اللَّونُ الذي تحبُّه؟

وما تعاني حينما تَهمدُ كلُّ خَلْجةٍ؟

والسِّحرُ الذي امتلكْتَ شمسَهُ الأميرَه

فينيقُ ما يكون؟

وما تكونُ الكلمةُ الأخيرةُ – الإشارةُ الأخيره؟ 5

إنَّ هذه التَّساؤلات التي يطرحها الشَّاعر تحيل إلى أعماق الذَّات الشِّعريَّة في لحظة توحدُّها مع الرَّمز الأسطوريِّ، والصُّورة الشِّعريَّة تقدِّم مشهد الاحتراق كاملاً، بكلِّ تفصيلاته الماديَّة والمعنويَّة، فحين يتوغَّل الشَّاعر داخل رمزه تثيره الرَّغبة في المعرفة، معرفة الحاضر الماثل في النَّص زمناً، ومعرفة المستقبل الرُّؤيويِّ الممكن المصاحب لعمليَّة الاحتراق، فهو احتراقٌ واعٍ بمصيره، احتراقٌ يدرك انبعاثه، ويستعدُّ له، لهذا كان الإقدام عليه فعلاً بطوليَّاً، أراد الشَّاعر أن يتقمَّصه، وأن يحتذي بهديه، فالشَّاعر يعاني من الغربة الرُّوحيَّة والجسديَّة، واغترابه نابعٌ من رفض المجتمع لتوجُّهه الفكريِّ والفنِّيِّ الذي دأب الشَّاعر على التَّنظير له في مؤلَّفاتٍ متعدِّدةٍ، يقول أدونيس معبِّراً عن هذه الغربة:

أغنيتي، يُقال عن أغنيتي

غريبةٌ

ليسَ بها من الرُّكامِ وترٌ ولا صدى

وجبهتي، كما يُقال، مثلها غريبةٌ.

غربتُك التي تُميتُ غربتي

أزحتُ عن وجودي الرُّكامَ والفراغَ والدُّجى

بلهفتي إلى السِّوى – بحبِّي العظيمِ؛ لا تزالُ خلفي البوَّابة

الكبيرةُ، السَّلاسلُ – الرُّكام والفراغ والدُّجى

ترصدُني، تعلِّقُ التفاتها بخطوتي

مشرَّدٌ أحبُّ حتَّى المالئين جبهتي سلاسلاً

الكامنين في الدُّروبِ غيلةً

مشرَّدٌ أحسُّني طفولةً

أحسُّني أرفعُ بعلبكي العاشقةَ، الوالهةَ الحجاز

أحترقُ

يكبرُ فيَّ الأفقُ – يولدُ فيَّ الأفقُ

وحينما يستيقظُ الصَّباح

يطلعُ لي من أوَّلٍ، جناحُ

مثلك يا فينيق

يا أيَّها الرَّفيق 6

تجلَى النَسق الثَقافيُ القائم على التُراث الأسطوري عند الشَاعر أدونيس في رؤيةٍ شعريَةٍ تتَسم بفرادةٍ قد لا نجدها بهذا الزَخم عند شاعرٍ حداثي آخر؛ إذ يعمد الشَاعر إلى استنطاق الأسطورة، ودفعها لخدمة تجربته الشِّعرية، عن طريق الدلالات المتنوعة التي ينسلها من رموزه.

الصورة: غلاف “فاتحة لنهايات القرن” (دار العودة، بيروت)

ينبعث الاغتراب الذي يعانيه الشَّاعر من أعماق الذَّات الشِّعريَّة التي تواجه موقفاً حادَّاً يجعلها ممعنةً في إصرارها على متابعة موقفها من القصيدة العربيَّة في شكلها ومضمونها، فقد هاجم أدونيس الشِّعر التَّقليديَّ لغةً ورؤيا وأسلوب تعبيرِ؛ لأنَّ الحداثة الشِّعريَّة من منظوره تعني “تساؤلاً جذرياً يستكشف اللُّغة الشِّعريَّة ويستقصيها، وافتتاح آفاقٍ تجريبيَّةٍ جديدةٍ في الممارسة الكتابيَّة، وابتكار طرقٍ للتَّعبير تكون في مستوى هذا التَّساؤل، وشرط هذا كلّه الصُّدور عن نظرةٍ شخصيَّةٍ فريدةٍ للإنسان والكون”7، لذلك ينبغي علينا أوَّلاً تصُّور ملامح القصيدة التي يغترب الشَّاعر عنها، وعن المتمسِّكين بصرامة القوانين فيها؛ إذ يراها الشَّاعر قصيدة (سلاسلٍ وركامٍ وفراغٍ ودجى)، ولابدَّ لمواجهة هذا المَوَات من موقفٍ بطوليٍّ لإعلان الأغنية الجديدة، ولا بدَّ من الاحتراق ليكون بعثاً فاعلاً، فأدونيس يغدو فينيق عصره، واحتراقه هو اختيارٌ واعٍ، وكسرٌ للمألوف، وتمرُّدٌ على السَّائد، لهدم بنى قديمةٍ، وإعلاء صرح بنى جديدةٍ، تتناسب مع الرُّؤية الجديدة للإنسان والكون، وتغييرٍ للنَّسق المسيطر والطَّاغي الذي يسيء للشِّعر بجموده وتكراره لنفسه. ويبدأ أدونيس/فينيق بالاحتراق والمعاناة مواجهاً بلهبه السَّلاسل والرُّكام، وهو يعي كما وعى الفينيق من قبل أنَّ الأفق سيكون واسعاً حين يقوم من رماده، فحياة الفينيق المتجدِّدة حياةٌ فاعلةٌ خالقةٌ لنسقٍ جديدٍ عن طريق الهدم والبناء، وهي رؤيةٌ للعالم يتبنَّاها الشَّاعر لتحقيق رؤيةٍ تمتدُّ جذورها من التُّراث إلى الحاضر، من دون انقطاعٍ أو تشويهٍ، فهي رؤيةٌ تعيد النَّظر في النَّسق وتكشف عن عيوبه، لتتجاوزه “نحو التَّحرر من إساره إلى أفقٍ أكثر تجريديَّةٍ وطلاقةٍ، تستشرف مستقبله في صيغةٍ تفاؤليَّةٍ كسبيلٍ لإرادة تغييره، ليكون في ذلك إعلانٌ عن رفض مواصفات عالم الواقع، وثورةٌ على القيم السَّائدة فيه”(8).

وبذلك يعيد النَّص الأدبيُّ إنتاج دلالة الأنساق الثَّقافيَّة، وذلك بما ينسجم مع التَّجربة الشِّعريَّة، لذلك كان من غير المقبول عزل البنية الثَّقافيَّة عن البنية الأدبيَّة في الدِّراسة النَّقديَّة؛ لأنَّ الأنساق الثَّقافيَّة تقدِّم في مرحلةٍ متقدِّمةٍ، تتخطَّى فهم البنى الدَّالة، تفسيراً لتلك البنيات، تعطي تلك التفسيرات نتائج أكثر شموليَّةً للنَّص الأدبيِّ المعبِّر عن رؤية العالم الشِّعريَّة.

الهوامش:

(1) عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الكاتب العربي والنشر، 1967م، ص 32.

(2) عبد الله الغذامي، النقد الثقافي- قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، المغرب العربي، ط3، 2005م، ص-68 69 بتصرف.

(3) آرثر إيزابرجر، النقد الثقافي، تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، تر: وفاء إبراهيم، رمضان بسطاويسي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2003م، ص 178.

(4) عبد السلام المساوي، الموت المتخيل في شعر أدونيس، محاكاة للدراسات والنشر والتوزيع، سورية- دمشق، ط1، 2013م، ص 88.

(5) أدونيس، هذا هو اسمي وقصائد أخرى، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 1996م، ص 68.

(6) أدونيس، هذا هو اسمي وقصائد أخرى، 69-70.

(7) أدونيس، فاتحة لنهايات القرن، بيانات من أجل ثقافة عربية جديدة، دار العودة، بيروت، ط1، 1980م، ص 321.

(8) محمد الأمين بحري، البنيوية التكوينية من الأصول الفلسفية إلى الفصول المنهجية، كلمة للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2015م، ص 37.

فاطمة علي عبُّود: ناقدةٌ سوريةٌ، تقيم وتعمل في تركيا، حاصلة على الدكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها، اختصاص نقد حديث، خريجة جامعة حلب، أستاذة اللغة العربية لغير الناطقين بها في جامعة سلجوق، تعمل لدى منظَّمة كارا للأكاديميين السُّوريين، عضوة في الجمعية السورية للعلوم الاجتماعية، مهتمَّة بالدِّراسات النسويَّة والنقدية، لها عدة أبحاث منشورة في عدد من المجلَّات العربية.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى