حواراتمسارات

مشروع «تَجلّي» الأردني: ليس في النص ما يكفي من جسد

إثنوغرافيا ذاتية جمعية للنساء: اجتمعت النساء الأردنيات ليكتبن بأنفسهن عن تجاربهن، تحت مبدأ واحد: على المرأة أن تكتب نفسها

مشروع تجلّي: إثنوغرافيا ذاتية جمعية للنساء

‎حوار: محمد عويس

مريم الدجاني صيدلانية ورائدة أعمال، وكاتبة وباحثة في الأنثروبولوجيا الطبية، خبيرة دولية في الحوكمة الصحية وأخلاقيات الأعمال. شريك مؤسس لشركة طوق الصحة الطبية، تحمل درجة البكالوريوس في الصيدلة وماجستير في إدارة الأعمال. تدمج كتاباتها المعرفة العلمية مع النقد الثقافي، تحديدا في تقاطعات الصحة والثقافة والهوية في السياقات العربية. أسست مشروع تجلّي epiphany للكتابة الإثنوغرافية، الذي يهدف إلى دمج الكُتّاب في تجارب إثنوغرافية ذاتية جماعية من خلال ورش كتابة مصممة لخلق لاوعي جمعي بوعي. يركز بحثها (موضوع الحوار) على الكتابة الإثنوغرافية الذاتية الجماعية كأداة لتحرير المعرفة وتطوير منهجيات بحثية تتجاوز الأطر الأكاديمية التقليدية لتشمل التجارب المُعاشة كمصادر مشروعة للمعرفة والتغيير الاجتماعي، يؤكد نهجها في إلغاء استعمار الأنثروبولوجيا على البحث المُتحكم به مجتمعياً وإنتاج المعرفة الجماعية كبدائل للممارسات الأكاديمية الاستخراجية.

كان لقنّاص هذا الحوار مع مريم الدجاني …

تجلّي
أعضاء ورشة تجلّي مع ماهر الكيالي

ما هو «تجلّي»؟ إنه إعادة تعريف جذرية لمفهوم البحث نفسه. بدلاً من أن يأتي باحث من الخارج ليدرس مجتمعاً «كموضوع»، نحن نقول: كل مجتمع قادر بشكل جمعي على دراسة نفسه، وفهم تجربته، وإنتاج نظرياته الأصيلة. من الإدراك العميق لخطورة احتكار المعرفة، وُلد في قلب عمّان مشروع تجلّي ليس كمشروع بحثي، وورش كتابة عادية، بل كثورة حقيقية على كل ما اعتدنا عليه في إنتاج المعرفة.

وتضيف الدجانى: هذا التحوّل ليس مجرد تبديل في المنهجية: إنه ثورة في السلطة المعرفية، عندما نحوّل الناس من «عينات بحثية» إلى «منظّرين مشاركين»، نحن نقوّض كل التراتبية التقليدية بين مَن يعرف ومَن يُعرف عنه. فنحن في موقف نقدي من كل السلطات، بما فيهم السلطة العلمية الغربية، والسلطة الأبوية، وكل سلطة، أي سلطة. تخيّلوا المشهد: بدلاً من أن يأتي باحث غربي ليكتب عن علاقة المرأة الأردنية بجسدها، تجتمع النساء الأردنيات ليكتبن بأنفسهن عن تجاربهن، ويطوّرن أطرهن النظرية، ويخلقن مفاهيم جديدة تنبع من واقعهن المعاش. في «تجلّي» نحن نمكّن المجتمعات من أن تصبح باحثة في ذاتها، مفكّرة في تجربتها، منتجة لمعرفتها الخاصة.

لكن لماذا هذا مهم جداً اليوم؟

لأننا نعيش لحظة فارقة، النساء يدخلن سوق العمل بأعداد متزايدة، يحصلن على تعليم عالٍ، يطالبن بمساحات أكبر من الحرية. هذه التحولات تحتاج لغة جديدة، مفاهيم جديدة، نظريات تولد من القلب لا تُستورد من الخارج.

وعن البداية؟

في صيف 2024، انعقدت ورشة استثنائية من بين أكثر من سبعين متقدمة من كل أنحاء الأردن، اخترنا عشر كاتبات. كان بينهن المعلمة والصيدلانية والشاعرة وربة المنزل والمهندسة والروائية وصانعة الأفلام، منهن الكاتبة المحترفة ومنهن المبتدئة، مسيحية ومسلمة، ذوات الأصول المختلفة، والأعمار المتفاوتة. الورشة بُنيت على مبدأ واحد: «على المرأة أن تكتب نفسها» انطلاقاً من فكرة أن النساء دُفعن بعيداً عن الكتابة لقرون، تماماً كما جرى تغريبهن عن أجسادهن، للأسباب ذاتها وبالقوانين نفسها، وهن: ءالاء جانبك، أسيل فاخوري، تغريد أبو شاور، دانا جودة، رنيم أبو رميلة، ضحى أبو الزّيت، علا خليل، يارا زريقات.

كيف صَمَّمت التجربة؟

دمجنا الإثنوغرافيا الذاتية مع ممارسات الوعي الجسدي، لنخلق ما أسميته «لاوعي جمعي ينبض بالوعي»، من خلال الحفر عميق في ذاكرة الجسد، وقمنا برسم خريطة الجسد الشخصية بالألوان والمواد الفنية، بعد ذلك انتقلنا إلى «الإحساس الداخلي باللحظة الراهنة». هنا دخلت معنا أحدى المدربات لتقودنا في تمرين المسح الجسدي الموجّه، وتعلمنا «تتبع الشحنة» ورسم خرائط التوتر في أجسادنا حتى وصلنا إلى «الأحاسيس الخارجية والرسائل الثقافية». هنا دخلنا في المنطقة الخطرة – ناقشنا بشكل نقدي المخاطر والعواقب المحتملة للنشر، ثم حللنا تناقضات الصحة والمرض، اللذة والألم، وأضفنا إلى خرائط أجسادنا الأغاني والأطعمة والروائح والملمس. وأخيرا تفاعلنا مع العالم الخارجي، وبدأنا في تحديد الأنماط المشتركة عبر حكاياتنا المختلفة.

لكن ما الذي حدث حتى تكون التجربة استثنائية؟

لم يكن برنامج الورشة – بل ما حدث بين السطور. كان علي أن أكون جسراً بين المؤمنة المحافظة والليبرالية المتحررة، بين مَن تريد أن تحكي كل شيء ومَن تتردد في قول أي شيء، بين الجريئة في الكتابة والخائفة من الكلمات. والسحر بدأ عندما اكتشفن أن تجاربهن الشخصية المختلفة تلتقي في خيط واحد – كلهن شعرن في لحظة ما أن أجسادهن لا تخصهن وحدهن، وخرجت كل كاتبة بنصوص عديدة عملت على تجويدها وتحسينها على مدى أشهر حتى وصلنا إلى مرحلة اكتمالها وثم جاءت مرحلة النشر وجني ثمار الرحلة مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر حيث تلقانا مدير المؤسسة والناشر الخبير ماهر كيالى مرحبا بالتجربة ونتاجها، وكان الكتاب (ليس في النص ما يكفي من جسد: إثنوغرافيا ذاتية جمعية للنساء).

وعن محتوى الكتاب: لقد كتبت كل واحدة منا لتسترد صوتها، لكنها في الوقت ذاته منحتنا جميعًا مرآة نرى فيها ذواتنا. وهكذا يصبح هذا الكتاب، ليس في النص ما يكفي من جسد، ليس مجرد عنوان، بل شهادة على أن الجسد والنفس والذاكرة والوعي كافية حين تتلاقى. ما نقدّمه اليوم أكبر من كتاب  هذا مانيفيستو للتحرّر المعرفي، كما يقول المثل الأفريقي: «كل عجوز تموت هي مكتبة تحترق». هذا الكتاب محاولة لإنقاذ مكتبة كل منا من الاحتراق.

والمفاجأة التي واجهتكم في مشوار الورشة؟

الرحلة لم تخل من المفاجآت المؤلمة، وهنا حدثت اللحظة الأكثر إنسانية وصدقاً: انسحبت إحدى الكاتبات قبل النشر، ولم يكن انسحابها ضعفاً، بل ربما كان شجاعة في الاعتراف بالحدود الشخصية وحتى في غيابها، قدّمتْ لنا هدية ثمينة حيث عنوان كتابنا جاء من عبارة في نصها المحذوف: «ليس في النص ما يكفي من جسد»، وأصبح غيابها حضوراً كتابيا، وصمتها أصبح صوتاً يذكّرنا أن التحرّر رحلة شخصية لا يمكن فرضها على أحد.

ماذا اكتشفت مريم الدجاني؟

أعظم اكتشافاتنا: مفهوم لم يأتِ من كتب الأكاديمية الغربية، ولا من النظريات المستوردة، بل وُلد هنا في عمّان من أرحام التجارب الحقيقية لنساء حقيقيات «الجسد المُضيف».

 ما المقصود بهذا المفهوم الثوري؟

الضيافة في ثقافتنا العربية من أجمل القيم: الكرم، العطاء، الترحيب، فتح البيوت والقلوب. لكن ماذا يحدث عندما يتحوّل جسد المرأة نفسه إلى مساحة ضيافة مُجبرة وغير منتهية؟

اكتشفنا أن المرأة لا تستضيف الجنين في رحمها فحسب: هي تستضيف المجتمع بأكمله! تستضيف توقعات العائلة، ضغوط الأصدقاء، معايير الجمال، الأنماط الاستهلاكية، بل وحتى الأنظمة الدينية والسياسية والاقتصادية. من الحمل إلى الزواج، من الأمومة إلى العمل، من اللباس إلى طريقة المشي – تُعمّم آلية واحدة على كل شيء: التنازل عن الذات في خدمة الآخر. جسد المرأة يصبح مساحة عامة يتصرف فيها الجميع إلا هي! ولكن الأعمق من هذا كله: كيف تتحوّل القدرات البيولوجية الجميلة للمرأة – الحمل، الرضاعة، الرعاية – إلى «نموذج نفسي» يُطبّق على كل جوانب الحياة؟ من تقبّل الألم أثناء الدورة الشهرية والولادة، إلى تقبّل الظلم في العلاقات. من التضحية بالنوم لأجل طفلها، إلى التضحية بالأحلام للعائلة.

هذا ليس تنظيراً مجرّداً يا أصدقاء  هذا واقع اكتشفناه وعشناه وحلّلناه سوياً. واكتشفنا شيئاً مذهلاً آخر: إن هذا النظام لا يُفرض علينا من الخارج فقط، أحياناً نحن من نعيد إنتاجه في دواخلنا. نصبح حارسات على أنفسنا، رقيبات على رغباتنا، خائفات من أحلامنا الخاصة.

والسؤال: الاثنوغرافيا الذاتية كانت المنهج، لكن لماذا اخترتم هذا المنهج تحديداً؟

الإجابة بسيطة ومؤلمة في الوقت نفسه. لقرون طويلة، لم يعرف العالم ماذا كانت تقول النساء حقاً. كُتب عنهن الكثير، لكنهن كتبن القليل نسبياً. صُوّرن كمجتمعات صامتة، لكن هل تعلمون؟ النساء لم يصمتن أبداً! استخدمن القصص الشفهية، الأساطير، الأهازيج، الحكايات التي تُروى وقت العجن، وعند تجديل الضفائر، والنصائح التي تُهمس عند الولادة، والدعوات التي تُقال في الليل. كان لديهن أرشيف كامل من المعرفة، لكنه لم يُعتبر «علمياً» لأنه لم يُكتب في جامعات غربية!

الإثنوغرافيا الذاتية الجماعية تقول: كفى لهذا الاحتكار! كل امرأة هي خبيرة في تجربتها. كل مجموعة نساء قادرة على تطوير نظرياتها الخاصة. كل مجتمع يستطيع أن يفهم نفسه دون حاجة لوسطاء أكاديميين.

توضيح عن الإثنوغرافيا الذاتية الجماعية:

هي منهج بحثي يجمع بين السيرة الذاتية وتقاطعات الثقافة والسلطات الأوسع؛ فيها يصبح الباحث موضوعًا للدراسة كما هو المراقِب لها. يستخدم الباحث تجربته الشخصية وحياته اليومية كمدخل لفهم قضايا اجتماعية وثقافية أوسع، فيكتب عن نفسه لا كحالة فردية معزولة بل كجسدٍ يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاتي والجماعي. بهذا المعنى، تتحول التجربة الذاتية إلى نافذة تكشف كيف تعمل السلطة، والهوية، والذاكرة، واللغة في تشكيل حيوات الناس. إنها كتابة اعترافية، ناقدة، وحميمة في آن، تجعل من السرد الشخصي أداة لإنتاج معرفة بديلة تتحدى المناهج التقليدية التي تفصل الباحث عن موضوعه. نحن لا نكتفي بالحياد الأكاديمي المزعوم – نقول بصراحة: كل معرفة متموضعة، وكل باحث يحمل تحيزاته والاعتراف بهذا.

وفي ختام هذه الرحلة التي بدأناها بأسئلة وانتهت بنا إلى اعترافات وتجليات، تشير الدجاني إلى أنه: يتضح أن ما جمعنا هنا ليس مجرد نصوص أو ورشة كتابة، بل هو فعل انتماء متعدد الطبقات. انتماء إلى النفس التي تتشظى وتتشكل من جديد مع كل كلمة. انتماء إلى الجسد، ذاك الكيان الذي يُحمِّلنا الألم واللذة، ويُذكّرنا أننا موجودات في هذا العالم لا كأفكار عابرة، بل كحيوات كاملة. انتماء إلى جنسنا كنساء، حيث يتحول اللقاء إلى لحاف جماعي مطرز بخيوط تجاربنا، يضم كل واحدة ويترك لها مساحة لتتنفس وتتكلم. وانتماء أعمق إلى إنسانيتنا، حيث نكتشف أن جراحنا وأحلامنا ليست ملكًا خاصًا، بل امتداد فيض الوعي الإنساني الذي يجري فينا كما يجري النهر في الأرض.

وبخصوص الرؤى المستقبلية لمشروع تجلي؟

لا أريده أن يتوقف عند كتاب أو ورشة. أطمح أن يتحول «تجلي» إلى مدرسة بحثية بديلة لإنتاج المعرفة، إلى مختبر بحثي عربي يُشرِك المجتمعات في إنتاج النظريات بدلاً من استيرادها. نريد بناء شبكة إقليمية تربط الباحثين في الأردن مع آخرين من فلسطين، لبنان، تونس، مصر، وربما مستقبلًا مع مجتمعات أخرى عالميًا. «تجلي» بالنسبة لي ليس مشروعًا كتابيا وحسب، بل حركة مقاومة فكرية تقول: لسنا موضوعًا للدراسة، نحن صانعو المعرفة. نحن نسعى لإطلاق ورشات كتابة إثنوغرافية ذاتية جمعية في مواضيع مختلفة يعيشها الفرد العربي وتؤثر وتتأثر بالعام، لإنتاج معرفة حرة وأصيلة وتحقيق تغيير حقيقي على مستوى الفرد والمجتمع.

وفى النهاية تقول مريم الدجاني: عندما تصبح المرأة كاتبة قصتها ومنظّرة لتجربتها، فإنها تعيد تعريف الذات والمجتمع معاً. وهذا أعمق أشكال الثورة، ونحن لا نطلق كتاباً فحسب: نطلق حركة تقول للعالم: نحن هنا، نفكّر، نكتب، وننتج المعرفة التي نستحقها.

*****

الكاتب المصري محمد عويس

تجلّي

خاص قنّاص – حوارات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى