توم هانكس في كتابهِ القصصيّ «نمط غير شائع».. عاشق الآلات الكاتبة | وداد سلوم

غلاف الترجمة العربية | amazon.eg

قليلون هم الممثلون الذين يخوضون غمار الكتابة الابداعية وقد عرفنا منهم من قام بكتابة السيناريو وبعض الحالات التي تجاوزت ذلك مثل كتابة السيرة الذاتية- المذكرات، تحديداً في نهاية مسيرتهم الفنية. أما الكتابة الابداعية من قصة ورواية وشعر فتشكل حالة خاصة ونادرة. إنها تجربة لافتة إذ تحتاج الموهبة أولاً ومن ثمّ الوقت بينما تأخذ السينما جلّه، وقد خرج عن ذلك البعض القليل فمنهم من أصدر عملاً روائياً كالممثل جيمس هيو كالوم لوري الذي اشتهر بدور الدكتور هاوس في المسلسل العالمي الذي حمل اسمه، كما قام الممثل توم هانكس بإصدار مجموعة قصصية بعنوان «نمط غير شائع» وهو الحاصل على الأوسكار أكثر من مرة، إضافة إلى جائزة الغولدن غلوب أربع مرات وجائزة الايمي مرتين ثم وسام الاستحقاق الرئاسي للحرية من الرئيس أوباما عام 2016، كما حاز عبر مسيرته الفنية على حب الجمهور فبلغ عدد متابعيه على الانستغرام رقماً خيالياً. وقد سمي كويكب، تم اكتشافه عام 1996، باسمه.

تنوعت أدوار هانكس، الممثل والمخرج الأمريكي، من الرومانسية والدرامية إلى الأدوار الكوميدية والخيال العلمي ومن ثم الأفلام الروائية كشيفرة دافنشي والجحيم وغيرهما، وقد حافظ على مستوى نال به محبة الجمهور ومتابعته، كما تنوعت اهتماماته فكتب السيناريو وقام بالإخراج إلى أن أصدر مجموعته القصصية «نمط غير شائع” والتي صدرت ترجمتها العربية عن دار روايات في الإمارات عام 2020، وبترجمة مجدي عبد المجيد خاطر، وكانت قد نالت آراء متضاربة في بلده بين النقد اللاذع حيث وصفت بالثرثرة الأدبية والاهتمام الكبير.

إعادة المجد للصحافة الورقيّة

تقع المجموعة هذه، في 442 صفحة، وتضم 17 قصة قصيرة تفصل بين كل قصة وقصة صورة آلة كاتبة من طراز مختلف؛ فمن المعروف عن هانكس ولعه بالآلة الكاتبة وقد ظهر معه 50 آلة كاتبة في فيلم وثائقي. كما صدر تطبيق (هانكس رايتر) على الآي باد يتيح استخدام آلة كاتبة افتراضية لكتابة الرسائل والتهنئات وإرسالها عبر البريد الإلكتروني.

لكن إيراد صور الآلة الكاتبة ليس فقط لتعزيز هذا الولع وإنما رغبة بوضع القارئ في جو  القصص السبعة عشر، الجو الذي يتميز بإبراز الحنين إلى الماضي والحياة البعيدة عن الاستهلاك الذي نال الانسان والمشاعر وعن فوضى العصر في ظل التطور والتقدم التكنولوجي السريع، ففي قصته التي تحمل عنوان «فِكر قلبي» تقوم البطلة الخارجة من تجربة حب فاشلة بشراء آلة كاتبة وخلال حديثها مع البائع الذي يستعرض تاريخ هذه الآلة وميزاتها يسألهاـ لماذا تريدين شراء آلة كاتبة في هذا العصر؟ فتجيب بأنها تريد أن تدوّن بها أفكار قلبها لتحفظها لأحفادها، «أنت تريدين الخلود» هكذا يصف البائع رغبتها. و يتكرر في أغلب قصصه وجود الآلة الكاتبة.

هذا الحنين للماضي يتعزز في الجو العام للمجموعة وفي أسلوب سرده للمشاعر والأحاسيس واللعب على التنوع الزمني للقصص. فهناك مثلاً أربعة قصص منها هي عبارة عن أعمدة في صحيفة عريقة بعنوان «بلدتنا اليوم مع هانك فيست» وقد استخدم فيها الكتابة بشكل عمود صحفي في محاولة لإعادة المجد للصحافة الورقية ففي المقال الأول يسخر من تحويل الصحافة الورقية إلى إلكترونية حيث سنفتقد التقاليد اليومية بمطالعة الصحف كل صباح أو مساء وملمحاً للأخطاء الطباعية التي تحدث بكثرة في الكتابة على الموبايل. وفي مقال آخر يبحر إلى ماضيه الخاص عبر ذكرياته مع الآلة الساحرة (الآلة الكاتبة) مستعرضاً مراحل حياته وارتباطها بهذه الآلة ليصل إلى الحاضر واضطراره لركنها على الرف.

أما في المقال الرابع فيحدثنا كيف زاد يوم اسبيرانزا عدة ساعات حين قطعت صلتها بوسائل التواصل الاجتماعي وعادت لتكتب كل معاملاتها على الألة الكاتبة وادراكها للوقت المهدور في التفقد الدائم للرسائل والجديد في وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهاتف الذكي. بينما تبقى الرسائل المطبوعة ذات طابع فريد وحميمي مبهج.

توم هانكس يروج لكتابه «نمط غير شائع» | تصوير: لوكاس جاكسون / رويترز

بين الحاضر والماضي

الزمن واضح السلطة في المجموعة ويتراوح بين الحاضر والماضي، هناك قصص تدور في السبعينات كما في قصة «نهاية اسبوع استثنائية» والتي تبدو كذكريات طفولة هانكس أو قصة «ممثلة مرموقة» التي تدور أحداثها في عام 1978 وتتناول معاناة ممثلة تحاول إيجاد مكان لها في الوسط الفني.

ثم قصة «عشية عيد الميلاد عام 1953» وقصة «الماضي مهم بالنسبة لنا» والتي تتحدث عن تجربة العودة إلى الماضي عبر آلة الزمن لرجل أمريكي ثري وخلال تلك التجربة يلتقي بامرأة تأخذ قلبه حتى أنه يجرب البقاء في ذلك الزمن فيتمزق جسده ويموت، وهنا أيضاً نشاهده يركز على تقديم الروحانيات على الحياة المادية واليومية بما تحمله من فرص ورغم وفائه للاحتفاء بالماضي إلا إنه يردد مقولة (الماضي مهم بالنسبة لنا لكن حياتك أهم).

بالمقابل فإنه يحدثنا عن التوسع الحضاري والمدني الذي يبتلع الأرض كوحش يفترس بقايا العصر الرومانتيكي والحياة الرومانسية الهادئة التي تبتلعها عجلة الحضارة المتقدمة دون رحمة في فوضاها وتدميرها بقوة الرأسمال ودون أن يذكر أي من شروره.

ففي كل ذلك لا ينسى هانكس، المولود سنة 1956، التأكيد المستمر بالإشادة  بنمط الحياة الأمريكية عبر الحديث عن المهاجرين الذين يلجؤون من قمع بلدانهم إلى أمريكا «المتفوقة»- على حدّ تعبيره-  والتي تستوعب هذا العدد الضخم منهم كل عام وتدمجهم بين مواطنيها عبر احتفال مهيب يرتفع فيه العلم الأمريكي ذو النجوم الكثيرة والذي يملك أماكن فارغة لنجوم جديدة في إمكانية لاستيعاب العالم، هذا التمجيد القديم والمعروف بأمريكا واعتزاز هانكس الواضح بذلك والتأكيد عليه، أما السلبيات فيراها هانكس طفيفة تواجه الانسان عبر محاولته مواكبة عصر التكنولوجيا والتقدم المستمر والذي لا يمكنه المساس بقيمة العراقة الأمريكية متجنباً ومتناسياً ذكر ما يعانيه الملونون من تمييز عنصري واضطهاد أو المهاجرون بطرق لا شرعية على الحدود فتظهر بوضوح نزعة هانكس المسالمة ومحاولة الابتعاد عن الصدام قدر الإمكان.

إذ تبدأ المجموعة بقصة أبطاله الثلاثة: الأمريكية آنا وحبيبها القوقازي الهجين والأفريقي مداش وستيف الآسيوي وفي سرد ليوميات الأصدقاء تتكرر على مدار أكثر من قصة ليحي قيمة الصداقة والعلاقات الإنسانية في مغامرات جميلة رغم إظهار الفوارق الاجتماعية بين الأصدقاء والنابعة من اختلاف الانتماء والمفاهيم.

وصف النقاد للمجموعة بالثرثرة الأدبية؛ ليس إلا عناية هائلة بالتفاصيل وسرد هادئ يجعل القارئ متلمساً للحنين الغريب الذي يقدمه هانكس وتلك الرومانسية التي تحكم أبطاله البعيدين عن الصدام ويقدم لهم المقولات الانسانية عبر ذلك بكل ما أتيح من رزانة وحكمة فقبول الآخر في أي علاقة إنسانية وعدم محاولة قولبته بالصورة التي نريدها حتى يغدو نسخة مكررة منا من أهم شروط الحفاظ عليه مدافعاً عن الحب والصداقة والقيم الانسانية.

وكانت صحيفة الغارديان قد أشادت بكتاب هانكس، حيثُ قالت: «تحمل كتابة هانكس شعوراً قوياً بالآخرين وحياتهم المتخيلة، لم يكن ليكتسبه من خلال بحوثه الكتابية وإنما من تقمص الشخصيات نفسها».

تجريب المشاهد المسرحية

يعمد في  قصته «ابقوا معنا» إلى تجريب المشاهد المسرحية في القصة والتي تصور ابتلاع رأس المال الكبير للاستثمارات المحلية الصغيرة ونموه المطرد بلا منازع هو الذي لا يقف أمامه شيء. إلا أنه يصوّر ذلك كإنجاز يمتلئ بالفرح والبهجة والراحة متناسياً ما يسببه ذلك من افلاس وأزمات اقتصادية تهدد السكان. في العام الماضي وفي أزمة الكورونا أرسل طفل أسترالي لهانكس بعد خبر إصابة الأخير بالفيروس رسالة يشكو له تعرضه للتنمر من قبل أقرانه بسبب اسمه كورونا فقام توم هانكس المخلص حتى النهاية لما يتبناه بإهداء الطفل آلة كاتبة طالبا منه أن يراسله عبرها بعد ان يتعلم الطباعة عليها وليثبت لنا أنه نمط غير شائع من الممثلين.

وداد سلوم: كاتبة من سوريا | qannaass.com

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى