زاهر السالمي يكتب: جرافيتي الصحراء
ثقافة حائط، صحافة حائط، متعة الكتابة لا تموت، أصل الكتابة رسم

جرافيتي الصحراء لِـ زاهر السالمي
توقفنا لاستراحة بين شوطين، هنا
نَحتَ جرافيتي ظِلّه
موجةَ كثبانٍ فموجةٍ تُلوّح للريح
راحلةً في طريق الجهات:
سنكون بحيرةً زمنَ البحيرات
وعاصفة زمنَ البركان.
نَصبَ خيمته، أشعل
نارا في جذع أكاسْيا جرفها طوفان
وأخذ يكتب …
حيناً بإيقاعٍ وحينا إيقاعه مكسور
باليونانيةِ في قلب الأكروبول
بالهيروغليفية على حِيطانِ الكَرْنك ومقبرةِ الفرعون.
في دَرْبه رأى مأربَ دون الوادي يبابا،
قرَّرَ الهجرة!
إنه الفأسُ الصغير يا جرافيتي، كبرقٍ
في الغابة الخرسانية.
وأنت تَطْرق شوارع نيويورك؛
منهاتن، بروكلين، برونكس
ترقص فوق الرصيف على وقع موسيقى راب
تصبغ الجدران
قافزا إلى الأبواب والباصات
ومحطات القطارات، تُلاعب الجميع.
حركاتٌ بهلوانية، كلمات، تكسيرُ أيقونات
شَفْرةٌ لا يمكن لأحدٍ سوى أبناءِ الحيّ فَكَّها.
ونظرا للمائدة المستديرة التي لم تكن مستديرة
بما فيه الكفاية، في يوم صَحْو
فاضتْ قطراتٌ طبشوريةٌ على أسوار مانشستر
شفّافةً هذه المرة وبلا شفرات:
يُريقُ الأغنياء والأقوياء ماءهم على رؤوسنا،
ونشراتُ الأخبار تُعلن أنه مطر!
تصعيده الأفقيُّ على الأسطح لم يكن تهديدا
بالسلاح، مجردُّ لعبةِ استعارات.
لكنه اتُّهم بالتخريب، يَسْتوطنُ
الرؤوسَ العامّة والخاصةَ دون إذن
يَبْذر دعايةً تَنْصر الأعرافَ والسِلْم
يُجمّل وجه المدينة بإسفنجة ضِدّ التعرية
اشتراها من أصباغ مونتانا الإسبانية.
وبخِفَّة تكتيكيةٍ وقليل من الحَظّ غير المتعجرف
انْسَلَّ
من صالون المرفوضات إلى متاحف الفن الحديث
وهو يرتدي قبَّعة الرَشّ، مُؤْثِرا أن يعود للشارع
دون أضواء أو مغريات. تكفيه شمس النهار
في تعبير حر وحَيّز عام، حيث البساطةُ
في الأشياء. لذلك قرَّر أن يلون
حاراتِ نابولي
فقط ليلعب مع مارادونا!
ومع أنه كائنٌ حَضَري، فنّانُ شارع، جزءٌ من الحياة
اليومية للحيطان، كثيراً ما يهرب للصحراء
بعيداً عن هذيان المدن
بعيدا عن عدسات الصحافة
بعيدا عن عواملِ التقادم السياسية
مُثيرا جدلَ المصطلح عند الفئات المُهمَّشة
وَسْمُه الحركيُّ ما بَرِح السيرة المنقوطة؛ ربما مجازٌ
أُسْند إلى صورته دون حركة، حتى قبل أن يبدأ
جوني ووكر بالتجوال، وينتهي برقصة هيب هوب!
هذا ليس من باب المُزاح. ذبابُ فاكهة مخمورةٍ
ينزلقُ في شكل ماء
في شكل مكعب، كرة، أو مخروط
يَحْسَب حياتَه الفنيةَ قصيرةً!
لذا ما لَبِث جرافيتي
بهدوء عنكبوت ذئبي، يصْقلُ
توقيعه داخل بِلّوْرة، مستخدما
شعاعَ عينٍ من منظور عكسي
وبَخّاخَ بُوْيَة.
ثقافة حائط، صحافة حائط، متعة الكتابة
لا تموت، أصل الكتابة رسم؛
حتى لو كان الاعلام في قبضة العَوْلمةِ الحاكمة
فالحيطان لنا.
نسيرُ لأجل خطوة طليقة يتمركز جمالها حول حبّات ذُرَة
حينها مع خطوطها الألوان صامدة، لا تسيل دموعها
يلتصق بلا تخريب هيكل المبنى في اندماج فراغي
مع تعبيرات الصراع الطبقي. سيادةُ الفن
بلا بترودولار، بلا معارضَ للصفوة، هذا
المرسومُ على جدار. جوهرٌ مُتحولٌ ثابتٌ ليس
كالنصب التذكاري. طيف لونيٌّ
واسعٌ في سرديةٍ قصْدية من زاوية رمزية
منفرجةِ التسارع؛
بذلك يقف جرافيتي
مُخاطباً الناظرين إليه مباشرة:
ها نتقدّم.. نتقدم مُحطّمين الأصنام.













يتميّز هذا النص الشِعري ببنية سردية متدفقة تنتقل بين الأمكنة والتواريخ بسلاسة، مع لغة بصرية كثيفة تستثمر رموز الجرافيتي بوصفه فعل حرية واحتجاج، حيثُ تتجلى جمالياته في المزج بين الشِعري واليومي، وفي الصور المتحركة التي تمنح الجدران حياة نابضة بالإيقاع والتحوّل والتمرد الدائم.