شعرنصوص

بورتريه جسد الشمس لا يحترق | عزيزة الطائي

إلى روح الشهيدة دنيا بو حلاسة؛ ٩/٢٠٢٢

هذا النص؛ «بورتريه جسد الشمس لا يحترق»، مُهدى إلى دنيا بو حلاسة، القائدة الكشفية التي شاركت في إنقاذ 68 طفلاً من الحرائق التي اندلعت في غابة القالة بمنطقة القسنطينة الجزائرية في أغسطس 2022، حيث تمكنت بو حلاسة من إنقاذ 13 طفلا، واستشهدت متأثرة بحروق بالغة في جسمها، وهي في عمر الزهور، تسعة عشر عاما.

د. عزيزة الطائي في حِوارية مع الشهيدة، تدعونا إلى إعادة تجربة تلك التجربة، مع التي لم ترحل، لم تحترق، لأن جسد الشمس لا يحترق.

= = =

(1)

هل تُروى الحكاية…؟!

ثمة ملاك صغير يرفرف بجناحيه البريئتين حولنا حتى تنطفئ النيران بابتسامةٍ تُشرق بعد الموت، مؤثثا ارتقاء النفس بهالة النور عند سور الفقد. هتاف لبلوغ الرحمة مع جمال الغياب.

صوته يتسامى.. صداه ابتعدوا عني!

أنا روح تعبق بحب العصافير، حلم الصغار، لأجل الأرض – الإنسان. 

 (2)

«دنيا» … تلك حكاية لا زالت بيننا … 

تسعة عشر ربيعاً لن تتوارى بين مدّ وجزر وأنت تدفعين بسارب العمر إلى راية الشهادة.

لن أكتب عنكِ … سأكتبُ عن الحياة

فترتوي حقول اليابسة عبق جسدك. يرقد بسلام بين أجنحة الملاك، رذاذه دليلنا.

(3)

جروح الزمن تتوهج سراجاً منحته الشهادة نقاء روحك …

نرى جمالك في قلب طفلة. بهاء الربّ أزهر. تتسع الأرض برائحة الأمهات.

(4)

رأيتُ النور يتسلل ذات يوم …

صفحة الحلم بعد أن ارتوت من جسدك … ارتوت جداول الأرض، رياحين، ياسمين، وكلما مرّت سحابةٌ جدائلها السماء فوق الرماد، سُقْيا وشْمٍ هويّة الإيثار.

قناديل الروح مثقلة بذاكرة المكان. أرق سوسنة. رائحة الذكريات، عصير التضحيات، راية الماجدات.

(5)

تمضين بنا إلى صلابة الجوع وحرقة العطش في صحراء الغياب.

تطريزة التاريخ تضيء الدنيا بـ د«نيا»؛ معزوفة النبلاء الأبدية، ملهمة الطرقات المنسية … نبيذ دم الغابات. 

تعزفين على هذه النوتة، أغنية البنفسج، ترقصين على صفحة الماء، عندما نار في البراري، عين طفل يتوسل الرحمة. 

شمسك بستان العمر، يدك زهرة السنديان، جسدك اللهيب فداءٌ للمحبة والرحمة. 

روحك ندية على السفح الأسود. هالة النور الإلهي المقدس. دمعة الشموع الحالمة. أطفال الربيع الذين خطفتهم ثورة الأشجار والنار. نورُ رفاتكِ نزيفٌ أسطوري. 

(6)

في الغابة الأشد وحشة، الفراشات الحالمة بلا حدود، تطفئين ظمأ النيران من ضِرْع أسكره الإيثار.

(7)

تتوارين حيث الرحيل أبدي… 

بسكون الزاهدين. شعاع يضيء الدروب المنسية، النوافذ العتيقة، جسدك المنير.

تمضين دون ظلال زائفة، تبرقين كنجمة ساحرة في عتمة الليل تغازل خصلات شعرك المنسدلة لامعة كعناقيد الكروم العالية، سحر الشهادة المقدسة، فجرُ مطرٍ طُهْرك. روحك شجرة الفجر الناعسة تداعب خيوط الشمس، تلملم الفقد عند منعطف الأبدية. لحن أصابعك المبتورة ينزف على أوتار عود مهجور، صدى معزوفة، آهة مثقوبة، كقارورة عطر يتناثر شذاها على سديم الموت.

(8)

مع احتضار الهشيم؛ مشهدٌ أمواجهُ روحك،

تلوح ذراعاك بسناها أنارت أرواح الأطفال وألهمت أسراب الحمام بالحبور والهديل مع كل صيحة طفل ورجفة أم. 

في العتمة المتوحشة …

هيهات ترحل الذكريات التي تستكينين فيها … الآن

رعاية الرب، وتراتيل ملاك.

أنت ورذاذ المطر في الغابة الأشد ظلمة ظلالُها المحترقة 

يستحيل الحزن في المروج دهشةً ويتقوّس الصمت؛

ها هم الأطفال يعودون من الغابة دونك!

(9)

موت بطيء يتسرب بين ديدان الوحشة …

جنون الأخضر يتطاير يتقوض في كومة الثلج بنيران الوجود المشرقة في قلبك

عند الزوايا العطشى في الغابة الحزينة، رماد الأفق الليلي يُغذي الفضاء كلما رسمتْ تقاسيمك لون الشهادة، رفات يُخْصِب الأرض بنور قدسي.

(10)

الصمت في يوم مشهود يستنطق عزف الرياح في قلبك …

يذيب جذوة النار من روحك، يُزهر العمرُ السرمديّ في الرحيل، في الغياب نواح أبدي؛

نامي نومتك الأخيرة وحيدة في البراري، شعاع يرعى حديقتك الخضراء.

(11)

شلال الحرائق يتطاير … 

بحثا عن أغنية تليق بالكفن الزكي، من شرفات الحياة، تتناثر ريحها على سور الوجع في حقل الحلم الأبيض. 

تشرقين بنيران الحرائق. ذراع وحيدة تتطهر بنزفها… تضحية. 

(12)

طفل يتعرّى بكاؤه، سحنة البراءة …

لا يرى من بعيد إلا يدك الطويلة كريح 

يذوب دمه في بحر حضنك يغفو على أنغام أغنية الخلود معزوفتها دمك العذريّ. 

(13)

ترفعين راية القداسة على جغرافيا المكان …

تضيء البسالةُ سواد الحرائق. تتراقص خطواتك فوق خطوط دخان متصاعد، أحزان البيانو تائهةٌ، تراتيل الطفولة فَزِعة. 

تمدين كفّك غصن حياة مورق، ابتسامة تلوّن قلوب الصغار

تسبحين في الزوايا بحثا عن الثكالى فتتوهج دموعهن فرحا، غرقى أرومة الأرض ثمانية وستون طفلا!

(14)

ها أنا أمضي خلفكِ مبتهلة …

 أُنصتُ لصوتك متسائلا: كيف ترقص الطرقات أمام الغابة؟!  كيف الغابة جنّة حلم؟!!

ثمرة تَلْمع في جزائر الروح

دنيا … تعالي

كي نُذكّر أطفالنا بالربيع

إنه الحنين يرفرف من شرفات الحياة، سأمضي إليك، وجهك البلوري

تعالي …

كلما ضاقت الغابة، أنت المطر، ومنك المطر

«دنيا» … تلك حكاية لا زالت بيننا

بَريقُ ماء

جثة الفتاة – موت مقدس.

الأكاديمية والأديبة العُمانية د. عزيزة الطائي

خاص قناص – شعر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى