حواراتفضاءات

حوار مع الحائزة على جائزة «غونكور» الفرنسية بريجيت جيرو | ترجمة: عاطف الحاج

ذهبت جائزة غونكور لهذا العام 2022م لرواية “العيش سريعاً” للكاتبة الفرنسية بريجيت جيرو وهي من مواليد العام 1960م في سيدي بلعباس بالجزائر، درست الأدب وعملت في الترجمة والنشر، والنقد الموسيقي في جريدة لوموند.

كرّستْ جيرو جُلّ حياتها للكتابة، فألفت أكثر من عشر روايات، ومجموعة قصصية، ومسرحية، وقصصاً للأطفال. وكان أول عمل روائي صدر لها بعنوان «غرفة الوالدين» سنة 1997. تستدعي جيرو، في روايتها المتوجة بالغونكور “العيش سريعاً”، الحادث المأساوي الذي أودى بحياة زوجها قبل عشرين عاماً، وتحاول فيها أن تساءل الظروف التي أدت لهذه الصدمة في حياتها. تمثل جائزة الغونكور (Goncourt)، التي تمنح سنويا ً للرواية الأفضل والأخصب خيالاً، الجائزة الأدبية الأرفع في فرنسا، ومنحت للمرة الأولى في العام 1903م، وأشهر من حصل عليها من الكتاب الفرنسيين مارسيل بروست وأندريه مالرو وسيمون دي بوفوار.

هنا ترجمة لحوار مع الكاتبة جيرو عقب حصولها على الجائزة، نشر في موقع (Lyoncapital):

ليون كابيتال: كنتِ قد أتيت على ذكر زوجك في روايتك “في الوقت الحاضر” التي صدرت في العام 2001م، هل وددت أن تعودي إلى هذا الحادث في روايتك “العيش سريعاً” التي توجت بجائزة الغونكور؟

بريجيت جيرو: كتبت “في الوقت الحاضر” بعد عام من الحادث، وهي رواية تعبر عن دهشة، ملموسة وواقعية، تروي الانفجار. وعلى النقيض منها، فقد كتبت “العيش سريعاً” بعد عشرين عاماً، بعد أن درست جميع الأسئلة التي بقيت دون إجابة. لا يزال الحادث من غير تفسير، الأمر الذي يعني أن عقلي لم يتوقف عن الركض.

كنت بحاجة إلى أن أضع كل هذا جانباً وأن أقود تحقيقاً حول حياتنا، الحميمة والجماعية، في نهاية القرن العشرين، للتساؤل عما يمكن أن يؤدي، في وجودنا، إلى كارثة، عندما تكون كل الأضواء خضراء ونحن في ذروة الطاقة والحيوية. ثم عرفت أنني لم أكتب “الرواية” بعد. كان عليّ أن آخذ الوقت الكافي، لأرقى إلى مستوى الرجل الذي عشت معه لما يقرب من عشرين عاما، وإلى مستوى قصة الحب وإلى مستوى الحدث.

تستدعي جيرو، في روايتها المتوجة بالغونكور “العيش سريعاً”، الحادث المأساوي الذي أودى بحياة زوجها قبل عشرين عاماً، وتحاول فيها أن تساءل الظروف التي أدت لهذه الصدمة في حياتها.

الصورة: غلاف الرواية الفائزة | editions.flammarion.com

ليون كابيتال: كيف كان شعورك عندما سمعت بحصولك على جائزة الغونكور؟

بريجيت جيرو: من الصعب وصف ذلك، مشاعر مختلطة، وفرحة كبيرة بالطبع، ولكن أيضا هدوء غريب لم أخرج منه. أكثر ما أدهشني هو (اقتران الكواكب) منذ اعلان القائمة الطويلة لجائزة الغونكور في بداية سبتمبر. اقتران مزعج تقريباً (تبتسم). كثيراً ما كنت ضمن “القوائم القصيرة” لجوائز الخريف الكبرى، لكن بشكل عام كنت في كل مرة أنتظر القرار في المكتب في الساعة الواحدة ظهراً، مع محرري، ثم آخذ بعدها القطار إلى ليون في فترة ما بعد الظهر، بعد غداء حزين إلى حد ما. ثم يكون اليوم الموالي يوماً آخر. في كل مرة، أستاء من نفسي بشكل خاص لاعتقادي بأني سأحصل عليها، ظللت أقول لنفسي أننا لا نكتب لكي نحصل على مكافآت، بل لأن الكتابة ضرورية.

منذ ظهور القائمة الطويلة للغونكور، نُظّمَت لقاءات مع طلاب المدارس الثانوية في إطار الجائزة وهو أمر أحببت القيام به وأتاح لي تكوين روابط مع الكتاب الآخرين الذين ظهروا بالقائمة، نقرأ لبعضنا البعض، استمعنا إلى بعضنا البعض ونحن نتحدث أمام طلاب المدارس الثانوية، اكتشفنا ما يجمعنا. أحببت المشي مع كارول فايف [مؤلفة “شيء ما لأخبرك به”، ملاحظة المحرر]، على سبيل المثال، وهي امرأة أخرى من ليون أحب رواياتها كثيرا. لقد كانت مغامرة مكثفة، كنت لا أعرف وقتها من سيحصل على الجائزة، ولدي فكرة صغيرة، وبالطبع تفضيلاتي.

عندما تم إعلان الغونكور، لم يكن لدينا وقت للتفكير، انتقلنا للعمل على الفور، لم يكن لديّ حتى الوقت لإرسال رسالة نصية… غادرنا بسرعة إلى دروانت (Drouant) سيراً على الأقدام، كانت السماء تمطر، وبعد ذلك توالت الأنشطة.

كنت أفكر في نيكولاس ماتيو الذي حصل على الجائزة قبل أربع سنوات، لقد ساعدني ذلك. غمرني الفرح، نعم، ولكن حل فيّ هدوء عميق مصدره هو حقيقة أنني كنت قادرةً على كتابة هذه الرواية، وهذا ما كان مهمًا بالنسبة لي، احتجت ما يقرب من العشرين عاماً لأجرؤ على كتابة “العيش سريعاً”. وأن منح الجائزة على وجه التحديد لهذه الرواية يمثل إشارةً.

ليون كابيتال: هذه هي المرة الأولى التي تمنح فيها الجائزة لمثل هذا الكتاب الشخصي.

بريجيت جيرو: لست متأكدةً ما إذا كانت هذه هي المرة الأولى، تتميز العديد من الروايات الحائزة على جوائز بأنها، في صميمها، خصوصية للغاية لكنها ترتدي شكل رواية. أذكر بشكل خاص رواية “العاشق” لمارغريت دوراس، [جائزة الغونكور للعام 1984، ملاحظة المحرر]، فهي سيرة ذاتية لكنها نظمت في شكل أكثر روائية. “العيش سريعاً” هي رواية خصوصية للغاية، وغالباً ما يطلق عليها رواية حميمية، لكن لا تهمني الحميمية إلا لأنها فقط مرتبطة بالجماعة، بالآخرين.

في بنائها، تمكن رواية “العيش سريعاً” الافتراضات التي، وضعت واحدة تلو الأخرى، من تعطيل الحادث. هذه الفصول الثلاثة والعشرون الصغيرة هي إعادة اختراع للواقع، وتتمتع بحرية كبيرة، وحتى لو كان كل شيء صحيحًا، فإن الرواية تأخذ مساحة أكبر بكثير من قصتي البسيطة.

بما أنني أقمت روابط بين حيواتنا في نهاية القرن العشرين وحياة المهندس الياباني تاداو بابا، وحياة الملكة أستريد، وباكو رابان، وستيفن كينج، وعالِم الطبيعة أوكميل جيميت، التي تقاطعت جميعها مع عدد غير قليل من فرق الروك … فهذه الروابط تشكل، في رأيي، مجموعاً أكبر بكثير من مجرد سيرة ذاتية، يبدو لي أن الخيال في الرواية ينبع من الروابط المنسوجة بين الأبطال الذين يصبحون مثل الشركاء، أحاول إظهار مدى اتصالنا جميعا.

ليون كابيتال: في روايتك، يتولد لدينا انطباع بأن ليون وجميع سكانها قد كرموا من خلالك

بريجيت جيرو: يسعدني ذلك. يخصص فصل في رواية “العيش سريعاً” لهذا الشعور، بأن تكون إقليمياً. حاولت تفسير هذا الواقع، حقيقة كوني بعيدة عن العاصمة حيث جاذبية البيئة الأدبية ووسائل الإعلام، حتى لو كنت أقضي، منذ بضع سنوات، الكثير من الوقت في باريس، فأنا أحب أيضاً التنقل بين الاثنين.

“العيش سريعاً” هي الرواية الأولى التي تحتل فيها مدينة ليون مكاناً كبيراً، إنه أمر حاسم لأنها قلب الحادث، فهي أكثر بكثير من مجرد مكان. أتساءل عن طريقة التنقل في جميع أنحاء هذه المدينة، وعن أحيائها، من الأغنى إلى الأكثر تواضعًا.

ليون هي قلب الرواية، إذ تتناول الرواية العقارات فيها، وتحديث صناعة الحرير بها، والطقس، وكذلك تغيير الكتل العمرانية على يد المطورين. ليون هي المدينة التي أحبها، وأعثر فيها على الهدوء لأتمكن من العمل، وفيها أصدقائي، وأحب أيضا الكتاب الذين يعيشون فيها.

عندما أتبادل الحديث مع سورج شالاندون، على سبيل المثال، الذي يعيش في باريس، نتحدث مع بعضنا البعض بلغة المرح، مثل غينول (شخصية فكاهية “دمية”- المترجم)، لنحاكي أنفسنا. ثم لا أنسى أن فيرجيني ديبنتس تدين باسمها المستعار إلى منحدرات (كروا روس)، ناهيك عن أن ليون كانت عاصمة الصخور في ثمانينيات القرن المنصرم، وأنها شهدت ولادة (كارت دو سيجور)، (ستارشوتر)، (ماري والأولاد)، (ساحة المودة) … والطبقة الكبيرة! رأيت (كينت- Kent) في حفلة موسيقية يوم الجمعة الماضي في (نيوفيل سور ساون)، لديه أغنية جميلة في ألبومه الأخير تتحدث عن مدينته، لكنني مهتمة أيضا بما يظهر في وقتنا الحاضر.

ليون كابيتال: قبل بضع سنوات، حصل أليكسيس جيني (Alexis Jenni) وإريك فويلارد (Éric Vuillard) على الجائزة، ليون مدينة أدبية؟

بريجيت جيرو: بالطبع ليون مدينة أدبية، كما أن لها علاقة بالكثافة السكانية. إنها تشبه إلى حد ما عاصمة المقاطعة، كما يقولون في باريس. أنظر إلى عدد الكتاب الذين يسكنونها في الوقت الحالي، إنه أمر مذهل، لن أذكرهم جميعاً، ولكن منهم إيمانويل بيريري (Emmanuelle Pireyre)، وكارول فيف (Carole Fives)، وإيمانويل فينيت (Emmanuel Venet)، وباولا بيجاني (Paola Pigani)، ويمينا بن أحمد داهو (Yamina Benahmed Daho)، وفابيو فيسكوجليوسي (Fabio Viscogliosi)، وسكباستيان بيرلينديس (Sébastien Berlendis)، وليونيل تران (Lionel Tran)، وجيرالدين كوسياك (Géraldine Kosiak)، أنظر أيضًا إلى عدد المكتبات التي تنتشر في جميع أحياء ليون، فهناك ديناميكية غير موجودة في أي مكان آخر، إنها مدينة نابضة، مكان مثالي للعمل.

ليون كابيتال: من هم الكُتّاب الذين أثروا فيك؟

بريجيت جيرو: أنا قارئة نهمة، أحب أن أقرأ كل ما ينشر، أحتاج إلى معرفة كيف يتعامل الآخرون مع الوجود، يساعدني ذلك، إنه مثل الرفقة الوجودية. أحب الكُتّاب مثل هوبير مينجاريلي (Hubert Mingarelli)، الذي أزعجني اختفائه المفاجئ، ستبقى روايته (وجبة في الشتاء) تحفة عاجلة ينبغي إعادة اكتشافها، أشعر دائما أنني قريبة جداً من زيرويا شاليف (Zeruya Shalev)، وكارل كناوسجارد (Karl Knausgaard)، ولويس كالافيرتي (Louis Calaferte) والكاتب الجزائري مايسة بيه (Maïssa Bey)، وغيرهم الكثير. لقد قرأت للتو (رجل من غير لقب) للكاتب كْزافييه لوكليرك (Xavier Le Clerc)، اسمه الحقيقي هو حامد آيت طالب، وهي قصة علقتني على الحائط.  بصفتي المستشار الأدبي لمهرجان برون للكتاب، فقد قادني إلى قراءة جزء كبير من الأدب المعاصر، وهي وظيفة مراقبة فريدة من نوعها، تبقيني في حالة تأهب، وفي رغبة دائمة لمعرفة ما يفعله الآخرون من أجل أن يكتبوا.

ليون كابيتال: هل تشعرين بأنك منشغلة بشي خاص؟ ما الذي سيتغير في حياتك؟

بريجيت جيرو: في الوقت الحالي، لا أدرك. أحاول البقاء في المكان الذي يناسبني، وعدم الابتعاد عما هو مهم بالنسبة لي: الأصدقاء، والموسيقى، والمشي في جبال فيركورس. هناك الكثير من القضايا تستحق الدفاع عنها، إذا كان بالإمكان أن يكون صوتي مسموعاً أكثر فسأدافع عن قضايا الأشخاص الأكثر ضعفاً، والذين يقع عليهم تمييز أكبر، نعم، يمكن أن يكون لذلك معنى، لكن لا يزال من السابق لأوانه معرفة ذلك.

لا أريد حقا أن يتغير أي شيء، لا تغيير قوي ولا سريع. عندما تعطى الكلمة لك، لا يزال عليك استخدامها بحكمة، وهذا هو الأصعب. لا تخلط بين الأدب ومسألة أن يكون لك رأي في كل شيء. أحب أيضًا أن أختفي.

(نشر الحوار بتاريخ 25 نوفمبر 2022)

رابط النص الأصلي للحوار هنا

عاطف الحاج سعيد: روائي ومترجم من السودان

خاص قناص

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى