حوار مع الروائي التونسي عثمان لطرش | حاوره: ممدوح عبد الستار

لفظ الخلاص من منطلق فلسفي هي الكلمة المفتاح في كل أعمالي الروائية

ثورة تونس وضعته، ووضعت الجميع في مأزق وجودي، وبدأ الجيل الجديد من الكُتاب يطرح أسئلته المُعبرة عن ذاته المهمشة، وعن جدوى القديم، وبدا للجميع أن الجيل الجديد “جيل بلا أساتذة، وبلا آباء”.

الروائي، والقاص التونسي “عثمان لطرش”، أحد أهم الكتاب من الجيل الجديد بتونس. رسخ وجوده الأدبي بأربع روايات مهمة: رواية “كليبتوقراط التونسي ينثر رماده” التي صدرت هذا العام، ورواية “دمع أسود”، ورواية “مطماطة”، ورواية “قروح الحب”.

التقت به المجلة، وكان لنا هذا الحوار:

#أصدرت حديثاً رواية بعنوان” كليبتوقراط التونسي ينثر رماده”، ما هي الأحداث التي عشتها، والوقائع التي جعلتك تشرع في كتابة هذه الرواية؟، وما هي أطروحات، وأفكار هذه الرواية؟

هي الرواية الرابعة وتيمتها اللصوصية في جمع بين الراهن التونسي وحقبة من تاريخ القطر زمن الحكم العثماني الحسيني وتحديداً وقفتُ عند شخصية طريفة وعجيبة هو الوزير الأكبر في ولاية محمد الصادق باي مصطفى بن اسماعيل الذي نشأ في العدم يطارد الرغيف في أزقة الحاضرة وفي وقت وجيز ارتقى المراتب في السّراي وصار قلب الباي وسمعه وبصره ومن هناك انطلقت رحلته في الفساد والسرقات وعقد الصفقات مع الفرنسيين والطليان والإنجليز وصارت مالية الايالة هزيلة فدفع بالمكيدة والطمع الباي إلى توقيع معاهدة حماية فرنسا على تونس وهذا الوضع يتكرر الآن في تونس بعناوين أخرى وأشكال جديدة من الفساد والارتهان للأجنبي. أردت أن أفضح الواقع بالتاريخ وأن أنبّه الى المستقبل لعلّ النخب السياسية تُفيق وتتحفز لإنقاذ الوطن.

#ما سر ولعلك بفكرة المخطوط داخل الرواية، مرة كرّاسة في رواية “قروح الحب”، ومرة أخرى بمخطوطة كرواية في “دمع أسود”؟

من باب التجريب والهندسة الروائية التي تخلصني من السرد الكلاسيكي الذي أتغذى منه ولكنه لا يشبع نهمي الفني. وهذه التقنية تأخذ القارئ بعيداً في خيال مُربك يدنو من الواقع وينأى عنه. قدر المبدع أن يبحث عن عوالم جديدة ومناخات ملهمة ليوقِع بالمتلقي الذي فتنته فنون أخرى. فإذا لم يكن العمل الروائي نسيجاً فاتناً يجتذب القرّاء بمغناطيس وسحر فلن يمدّ أجنحته ولن تحلق رسالته ولن تذهب بعيدا.

في رواية مطماطة جعلت سؤال الخلاص يحضر مرتين، عندما أنشب الغول الأبيض أنيابه كانت فرنسا الخلاص لأنها عنوان الحرية والفكر الناقد وهي نافذة تطل على الوطن، ولمّا أشرقت شمس الثورة وامتدّت أنوار الحرية وجدت ناجية وصابر والبنت مطماطة الخلاص في العودة إلى الوطن.

#ما السر وراء أن أغلب أبطال رواياتك يسافرون إلى فرنسا، كأنها البلد الثاني، أو كأنها الملجأ، والخلاص؟

ألتقط من سؤالك لفظ الخلاص وهي الكلمة المفتاح في كل أعمالي الروائية وهي منطلق فلسفي أسعى جاهداً أن تعيش محنته الشخصيات ففي رواية مطماطة جعلت سؤال الخلاص يحضر مرتين، عندما أنشب الغول الأبيض أنيابه كانت فرنسا الخلاص لأنها عنوان الحرية والفكر الناقد وهي نافذة تطل على الوطن، ولمّا أشرقت شمس الثورة وامتدّت أنوار الحرية وجدت ناجية وصابر والبنت مطماطة الخلاص في العودة إلى الوطن. أما في قروح الحب فظافر الباهي البطل فرّ من المدينة التي كان يعدّها فاسقة إلى الجبل الذي كان يراه نقياً وحين اكتشف اللّوثة في البادية (الإرهاب والجنس) قرّ عزمه على أن ينطلق نحو الصحراء لا يأبه بمشقة الطريق ووحوشه لأنه أيقن أن الخلاص لن يكون إلا في تجربة تصوف في تمبكتو. في رواية دمع أسود وجدت البطلة السمراء الحسناء الخلاص في فرنسا (تولوز) حيث اغتسلت من عقدة اللون (السواد) بالحب (حسن بوعلام) وبالعلم (الدكتوراه في علم الاجتماع). ولكن النهاية في الرواية تقول كأن لا خلاص من بؤس الهوية الانسانية ولعنة التمييز العنصري إلا أن تحدث معجزة بشرية.

الكتابات السريعة كالسندويتش شهوته عابرة ونفعه ضئيل وعواقبه قد تسوء.

لغة الرواية عليها أن تشاكل الفكرة وتتلبس بالمعنى وفي الوقت ذاته تتشبع بجماليات مبتكرة.

#تكتب في رواية “دمع أسود” عن بلدة المغبونة بالجنوب التونسي، والتي تعاني من سُمرة اللون، هل هي رواية عن فضح عنصرية اللون، ومعاناة الجنوب التونسي من العنصرية؟

 هذه الرواية بالذات كالوجع في الضلع، أحبها، وتؤلمني، ودوما تذكّرني بسطرين للشاعر “محمود درويش (حبك في القلب شوكة.. تجرحني، فأعبدها). هذا العمل أخذ مني الوقت والعمق والبحث، ولكنه سكنني قبل أن يسكن قلوب القراء وعقولهم. الجنوب التونسي نعم يعيش بعض شواظ هذا اللهب، ولكن الغاية أبعد فأحداث كثيرة من الفعل العنصري الكريه تعيد السؤال “كيف للإنسانية أن تتقيأ هذا القرفّ”. البشرية بعلمائها ومفكريها وفلاسفتها وماكينات الإعلام الضخمة لم تقدر على أن تكتم صوت هذا المسدس القاتل. سفّهوا حلم “مارتن لوثر كينج” بأن يكون العالم بلا عنصرية. هي ليست نقصان ذوي البشرة السوداء، بل هي هشاشة البيض في فعل التفكير وفي فعل الحياة.

#هل أثر الربيع التونسي على الكتابة الروائية، والإبداع التونسي، وما هو تجليات الإبداع بعد الثورة؟

ربما يخوننا المصطلح لأننا لا نمتلك الحقيقة ولكن ما أجزم به أنّ المؤرخ الذي يأتي متأخراً سيكشف ما حدث في البلاد العربية ومتى عرفنا كُنْه َالأشياء أطلقنا التسميات الدقيقة. أياً كان الاسم فتونس مثلا غنمت من الحريات ما حرك الأقلام والأذهان ورأينا من الكتابات الابداعية ما تجاوز المدى القطري إلى الفضاء العربي (شكري المبخوت، محمد عيسى المؤدب، أميرة غنيم، فتحية دبّش، الحبيب السالمي) وأبهروا اللجان والنقاد والقراء وحصدوا جوائز من هيئات محكمة ذات مصداقية عالية. وحتى بالترجمة فأعمال روائية تونسية وصلت إلى القارئ الفرنكفوني والانجلوسكسوني، والايطالي مثل الروائي كمال الرياحي الذي وصلت روايته المشرط إلى الايطالية والانجليزية والعبرية وغيره كثير لأن جل الأعمال الفائزة “بالبوكر، وكتارا” تترجم إلى الإنجليزية (رواية الطلياني لشكري المبخوت ورواية ميلانين لفتحية دبّش). خلاصة القول هذه العشرية في تونس مثلت ربيع الإبداع ولفتت الأنظار إلى الأقلام التونسية.

في قروح الحب؛ ظافر الباهي البطل فرّ من المدينة التي كان يعدّها فاسقة إلى الجبل الذي كان يراه نقياً وحين اكتشف اللّوثة في البادية (الإرهاب والجنس) قرّ عزمه على أن ينطلق نحو الصحراء لا يأبه بمشقة الطريق ووحوشه لأنه أيقن أن الخلاص لن يكون إلا في تجربة تصوف في تمبكتو.

#الجيل الجديد من الكُتاب متسرع جداً، ويظن أنه على صواب، ويقاطع من سبقوه، هل كتابات الجيل الجديد لها خصوصية خاصة تميزها؟

الصراع بين الأجيال لا يحدث داخل العائلة فقط بل هو وافع حتى في الإبداع لأن الواقع الجديد يتطلب إبداعاً مختلفاً وبنبض مفارق ولكن الإشكال في السرعة نعم هي أحد عناوين العصر ولكن الإبداع وخاصة الرواية تصدّ أبوابها أمام هذا المفهوم. الكتابات السريعة كالسندويتش شهوته عابرة ونفعه ضئيل وعواقبه قد تسوء. مثلا بعد شهر واحد من وصول جائحة الكورونا إلى العالم العربي نُشرت رواية عائد من ووهان. الحقيقة تعجبت وقلت في نفسي إمّا أن يكون كاتبها عبقري له قدرة على مقارعة الزمن أو هو مغامر متهور. الكتابة محنة ومشقة لأنها لم تعد ترصيف أحداث وخيال خصب ونفحات رومانسية لا أبداً، هي مِران شاق وتدريب مضن ورحلة بحث طويلة. الرواية الآن يجب أن يكون كاتبها مثقفاً حتى تجمع إلى المتعة الثقافةَ. هذا النوع الذي أحبذ يُسمى رواية الأطروحة.

#هل الميديا، وشبكات التواصل الاجتماعي، والفضاء الأزرق ساعدك علي الانتشار، وما رأيك في” البيست سيلر”، وحفلات التوقيع؟

لا أنكر أنني أحبذ عالم الورق الذي نشأت عليه ولست أستمتع بالقراءة عبر الأفضية الالكترونية ولكن حتى لا نصبح كائنات تراثية يجب أن نساير العصر ولو بالحد الأدنى. الحقيقة لست مهتماً بالميديا ولا شبكات التواصل الاجتماعي إلا بمقدار المتابعة والركض وراء الأحداث والتقاط الجديد لأن وقتي مقسم بين ثلاثي التدريس والعائلة والرواية (قراءة وكتابة). أعتقد أنّه على المبدع الانشغال بما يقيم به النصوص والاشتغال على إنضاجها أما الميديا فحسبه الاهتمام والإشهار من جهة ومن ناحية أخرى لا يجوز له تجاهل أهل الاعلام التقليدي أو الجديد لأنه هو الذي يكتب شهادة ميلاد أي أثر أدبي.

في رواية دمع أسود وجدت البطلة السمراء الحسناء الخلاص في فرنسا (تولوز) حيث اغتسلت من عقدة اللون (السواد) بالحب (حسن بوعلام) وبالعلم (الدكتوراه في علم الاجتماع). ولكن النهاية في الرواية تقول كأن لا خلاص من بؤس الهوية الانسانية ولعنة التمييز العنصري إلا أن تحدث معجزة بشرية.

#يمتاز الأدب الغربي، باللغة المحددة، والمكشوفة، هل الكتابة بهذه الطريقة هي المناسبة للمرحلة التي تمر بها البلاد العربية، لنكشف أنفسنا، ونتخلص من وهم المجاز؟

تماما الرواية العربية في جانبها الكبير مازالت تغرف من مقولات البلاغة القديمة حيث الكنايات والتورية والاستعارات المكرورة. اللغة كائن حيّ عليه أن يرتديَ ثوب العصر وعلينا نحن الكتاب أن نقرأ لكبار الروائيين في العالم لنتعلم ولننافس. فلغة الرواية الجديدة صناعة ومهارة تفتح أكمامها للأفكار الجديدة وتجد طريقها إلى القرّاء دون أن ترهقهم أو تصدهم. بصورة أدقّ لغة الرواية عليها أن تشاكل الفكرة وتتلبس بالمعنى وفي الوقت ذاته تتشبع بجماليات مبتكرة.

#هل استطاعت الرواية التونسية أن تلتهم ظاهرة التهميش الاجتماعي، والسياسي، والثقافي داخل بنائها؟ وهل أصبحت الذات بديلاً عن المركزية؟   

إلى حدّ بعيد يمكن أن نقرأ الهامش التونسي والفهلوة السياسية في الرواية التونسية فالحرية خيرها عميم والمبدع وجد ضالته في أن يمتح من كل ما يرى فيه خللاً وعوجا. هي بركات الحرية وفضلها وبدرجة ثانية وعي المثقف بدوره في تعرية الواقع وفضح الممارسات الخاطئة والظواهر المرضيّة في جسد الوطن. تونس الخضراء حسناء ترفل في حلل الجمال ولكن أياد ِعابثة نالت من حسنها البديع. المبدع المستقل وإن لا يقدر على إبعاد الأذى عن وطنه بنفسه فهو مستطيع بالفضح والتعرية وطرح البدائل وفتح أذهان الناس على قبح ما هو كائن ويوجههم إلى بهاء ما يجب أن يكون.

الرواية الرابعة تيمتها اللصوصية في جمع بين الراهن التونسي وحقبة من تاريخ القطر زمن الحكم العثماني الحسيني وتحديداً وقفتُ عند شخصية طريفة وعجيبة هو الوزير الأكبر في ولاية محمد الصادق باي مصطفى بن اسماعيل الذي نشأ في العدم يطارد الرغيف في أزقة الحاضرة وفي وقت وجيز ارتقى المراتب في السّراي وصار قلب الباي وسمعه وبصره ومن هناك انطلقت رحلته في الفساد والسرقات وعقد الصفقات مع الفرنسيين والطليان والإنجليز

#هل استطاع النقد أن يضع تجربتك الإبداعية في مكانها اللائق كما يجب، وهل لدينا أزمة نقدية؟

أحمد الله على ما جنته رواياتي من اهتمام نقدي من الداخل التونسي وحتى من بعض الأقلام  العربية (الجزائر والمغرب وفلسطين) وهؤلاء وحدهم يمتلكون الأدوات المنهجية لمقاربة النصوص وتنزيل كل أثر منزلته التي يستحق ولكن أرى أن مؤسسة الإبداع سبقت مؤسسة النقد فبقي النقاد مع طفرة الابداع يلهثون وراء النصوص ليدرسوها ويبرزوا جمالياتها وتيماتها للجمهور وأحيانا تجد نفسها قد تجاوزها حتى الإعلام والسوشال ميديا. ولا ننسى البتة أن الجامعات العربية مازالت تقدم لطلابها دروساً عن المدارس السردية الكلاسيكية وقلما نرصد جامعة تضع الرواية الجديدة في مناهجها.

مؤسسة الإبداع سبقت مؤسسة النقد فبقي النقاد مع طفرة الابداع يلهثون وراء النصوص ليدرسوها.

الجامعات العربية مازالت تقدم لطلابها دروساً عن المدارس السردية الكلاسيكية وقلما نرصد جامعة تضع الرواية الجديدة في مناهجها.

#لماذا الكتابة؟ وهل تجد الفن والإبداع والكتابة ضرورة لك، وللمجتمع؟ وهل تعتقد أنَّ الأدبَ والفنَّ لهما دور في تغيير الواقع، ويحافظان على الذاكرة الجماعية للوطن؟

الكتابة عندي فعل مقاومة بها نقاوم العدم والفراغ واللامعنى، بها نبني الجبهة الأقوى لصدّ التطرف والإرهاب ونزعات العنف المدمرة وهي فعل فرح نزرع بها الورود والرياحين في بساتين الحياة النضرة. الكتابة مسيرة خمس مفردات ينتظمها خيط رفيع هي من التعبير إلى التأثير وصولاً إلى التغيير مروراً بالتنوير والتبشير. وهي أي الكتابة الأدبية الفنية يعتبرها علماء الأنثروبولوجيا أهمّ وعاء لحفظ الذاكرة وبناء مجد الأوطان. مثلا أبو القاسم الشابي في أشعاره يختزل ذاكرة الحركة الوطنية التونسية ويثبت بداية الوعي الحداثي في المجتمع.

خاص مجلة قنآص

ممدوح عبد الستار؛ روائي وقاص مصري. صدر له: السمان يستريح في النهر، مقامات التفرد والأحوال، السامرى، ظلال. حصل على عدة جوائز منها: جائزة إحسان عبد القدوس في الرواية، وجائزة سعاد الصباح في القصة القصيرة، والرواية، بالإضافة إلى جائزة مجله دبي الثقافية، وأخبار الأدب، ونادي القصة بالقاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى