فضاءاتمقالات

مقال حول الجمال.. مارغريت آتوود | ترجمة يونس بلعلي 

مقال «حول الجمال» جاء في كتاب: أسئلة مُلحّة لِـ مارغريت آتوود (Burning Questions)

حول الجمال.. مارغريت آتوود

مارغريت أتوود؛ مؤلفة ثقافية حائزة على العديد من الجوائز ولها أكثر من خمسين كتابًا منشورًا في أكثر من خمسة وأربعين دولة، اشتهرت بـ حكاية الخادمة The Handmaid’s Tale (رواية ومسلسل تلفزيوني).

مقال حول الجمال؛ جاء في كتاب: أسئلة مُلحّة (Burning Questions)، منشورات Chatto & Windus. لندن 2022.

***

 ليس من الضروري أن تكون الفتيات الصغيرات كبيرات في السن حتى يلتبسن ويختلط عليهن الأمر مع الجمال: فكرة ذلك (ألستِ جميلة!)، الأشياء الجذابة التي تصاحبها (انظري، هذه أنت في المرآة)، وحتى محظوراتها المغرية (هذا أحمر شفاه الأم، لا تلمسيه). بالنسبة للطفل، هناك شيء سحري في الجمال، إنه وردي، إنه برّاق، متلألئ. يمكنك ارتدائه، والكثير من الفتيات في سن الخامسة، واللائي حصلن على أول فستان باليه للأميرة الخيالية يرفضن خلعه.

لكن يمكن أن يكون للجمال بعض الأشياء الغريبة، لأن الأطفال يتعلمون مبكرًا. في القصيدة الغنائية -قصص خرافية للأطفال- «الإوزة الام – Mother Goose» عن «“فتاة الحليب والرجل النبيل»، يُعلّق على مظهرها اللطيف والجميل، ثم يسألها عن وضعها المالي.  فتجيب: «وجهي هو ثروتي».  قال: «إذن لا يمكنني الزواج منك». فردت قائلة: «لم يسألك أحد». وبهذا تضعه في مكانه المستحق وتوقفه عند حده. ولكن لا تزال الأسئلة في ذهن الطفل. ماذا يعني أن وجهها هو ثروتها؟ وهل وجهها قابل للفك والفصل؟ وإذا نزع وبيع فماذا يمكن أن يكون تحته؟

في طفولتي، ارتبطت قابلية انفصال الوجوه بالمقولة الشعبية: «الجمال سطحي فقط»، «الجمال الحقيقي يكمن فقط تحت الجلد العميق»، يستشهد بها البالغون كمهدئ وحل مؤقت للأطفال، عندما ترتدي فتاة صغيرة أخرى فستان حفلة أكثر جاذبية. كان المعنى الضمني هو أن الروح الجميلة تستحق الإعجاب أكثر من المظهر الخارجي الجميل، كما هو الحال في قصة «الحسناء والوحش»، حيث يفوز الوحش بالحب من خلال مزيج من المحادثات الجذابة والعاطفية والقصر المذهل. ومع ذلك، فقد لاحظنا نحن الفتيات الصغيرات أن هذا السرد يعمل فقط لصالح الذكور: فلم يُطلَق على القصة اسم «الفتاة البسيطة والوحش، الفتاة الثرية والوحش» للأسف، على الرغم من حسن النية.  

كما أن فكرة الجمال الداخلي الفائق لم تكن مواساة لنا نحن الأميرات المنتظرات. إذن ماذا لو كان الجمال سطحي فقط؟  لهذا نحن الفتيات الصغيرات لم نحتقر ذلك. أردنا تصميمات خارجية جميلة لأنفسنا، حتى تحسدنا الفتيات الأخريات بدلاً من العكس. بالإضافة إلى ذلك، كان من الواضح لنا أنه من أجل أن تتحول من خادمة قذرة في المطبخ إلى أميرة ساحرة تصنع اللحظات، ستحتاج إلى عرّابة خارقة للطبيعة وفستان قاتل. كان للسحر والأزياء دور يلعبانه، مع إضافة الخصر لهما. أوه، دون أن ننسى الأحذية، فقد كانت مهمة للغاية.

كانت هناك شخصيات نسائية أخرى في مثل هذه الحكايات الخرافية – ساحرات شريرات، زوجات مزيفات، أخوات خبيثات – وجميعهن قبيحات، أو على الأقل – في حالة زوجة أب «بياض الثلج» الشريرة – ليست متألقة وجميلة مثل البطلة. هل توقفنا يومًا للتفكير في وجهة نظرهن؟ ما مدى الضعف الذي شعرن به في ظل مواجهة جمال البطلة المثير للغضب؟ حدثت نسبة عالية من تشويه دمية باربي على مر السنين، وتخفي الحقائب الموجودة في العلية العديد من دمى باربي الصلعاء، والموشومة بقلم «ماركر» سحري أرجواني وهي بلا ذراعيها. هل يمكن أن تكون صاحباتها السابقات ولو لمرة واحدة قد شككن في أنهن لا يرقين إلى مستوى سندريلا، وفي عمل طقسي من السحر العاطفي العكسي، هل كنّ يمثلنه على الدمى؟ هل يمكن لهذه الفتيات الغاضبات استعادة احترامهن لذاتهن من خلال دورة تدريبية نهاية الأسبوع في الماكياج، وجلسة مع مستشار أزياء ومشذب أضافر جيد؟ ربما نعم، وربما لا.

 لقد تعلمنا نحن القراء الأطفال أن الجانب الإيجابي للجمال هو أنه بمساعدته يمكنك أن تنهض في الحياة. لكن عندما كبرنا قليلاً ووجدنا أنفسنا عالقين في الأساطير اليونانية، أصبح من الواضح لنا أن هناك أيضا جانبًا سلبيًا للجمال: إذا كنتِ جميلة جدًا، فستجذبين انتباه الآلهة السادية، الجامحة غير المرغوب فيها. وإذا كان الإله ذكرًا، فسوف يلاحقك، وبعد ذلك يتم اختطافك وسحبك إلى العالم السفلي مثل «بيرسيفون»، أو اغتصابك من قبل «زيوس» على شكل بجعة مثل «ليدا» والتي عليها أن تلد بيضة. وإلا ستتحول الى شجرة أو نهر لتتجنب مثل هذا المصير. لم تكن هذه هي الطريقة التي أردنا بها قضاء مواعيد ليلة السبت.

وإذا كان الإله أنثى، فقد تجدِين نفسكِ الجميلة تُقدم كجائزة في مسابقة جمال، مثل «هيلين» الطروادية، التي كان محكوم عليها بالوقوع في حب «باريس»، والهروب من زوجها، ويعلن بذلك عن بدأ حرب «طروادة». أو قد تصبحين مصدر غضب وغيرة مثل «سيكي»، التي أزعجت كوكب الزهرة لكونها جذابة للغاية. هذه ليست مشكلة تلد الكثير من التعاطف – إنها مثل كونك «ثريًا جدًا» – ولكن من المفيد معرفة أن البعض قد تعرض لها. يمكن للحسد أن يولد نتائج في العالم الحقيقي كالحقد والخبث.

إذن، كان مقدار الجمال المفرط سؤالًا مهما وحاسمًا في الخمسينيات من القرن الماضي بالنسبة للفتيات في مرحلة النمو. وهو الوقت الذي بدأتُ فيه التفكير في مثل هذه الأمور. ومما لا يقل أهمية عن هذا السؤال: ما هو نوع الجمال الأفضل؟ لأنه هناك أكثر من نوع واحد معروض.  كانت النساء الجميلات في مجلات الرجال مثل: «بلاي بوي Playboy» مختلفة عن النساء الجميلات في المجلات النسائية مثل: «فوڨ Vogue» ولم يتغير هذا أيضا، على الرغم من أن التفاصيل السطحية مثل تسريحات الشعر تتغير كل عام.

لماذا يتباعد الاثنان؟  تعرض مجلات الرجال صوراً للنساء بالطريقة التي يرغب بها الرجال: صدر كبير، وركين عظيمين –تشير إلى الخصوبة– وابتسامات جذابة تشير إلى الامتثال. أما بالنسبة للماكياج فهو مفرط يشير إما إلى: «تعال هنا» أو «وجه للبيع»، هؤلاء لسن النساء اللائي تريدهن كعروس: فهن متاحات بشكل عام، إما مقابل المال أو كجزء من التبادل الجنسي الطوعي. لكن تمامًا مثل عارضات مجلة «فوڨ»، فهي بنايات. قالت «دوللي بارتون» ساخرة ذات مرة: «إن المظهر الرخيص يتطلب الكثير من المال» وكانت محقة في ذلك، المظهر التارتي اللاذع مضاء بعناية لالتقاط الصورة تماما مثل الذوق الجيد أمامك.  

على النقيض من ذلك تحتوي مجلات الموضة النسائية على صور للنساء بالطريقة التي يرغبن في الظهور بها عند مواجهة المنافسين أو تثبيط الخاطاب والعشاق غير المرغوب فيهم: شخصيات نحيلة ترتدي ملابس أنيقة، تعلوها تعابير فارغة واستياء يصعب إرضاءه، ووجوه مزينة ببراعة لتظهر عبوساً مضجراً وتجهماً مهدداً.

هل يمكن أن يكون عزل هذه الصور له علاقة بالدفاع عن النفس؟ هدف «سندريلا» هو أن تكون مرغوبة، لكن في المقابل لا يجب أن تضع نفسها في وضع مضر وغير لائق من خلال الرغبة الشديدة. إن الرغبة في شيء لا تملكه سيجعلك عرضة للخطر وللضعف، خاصة إذا كان هذا الشيء هو موضوع الحب: فالرغبة تجعلك عرضة للإغواء بسهولة، والفتيات اللواتي يتم إغواؤهن بسهولة يجعلن أنفسهن حمقاوات، مما يسمح للآخرين بالاستهزاء بهن، أو ما هو أسوأ.

وبالتالي لا توجد ابتسامات تملق ومجاملة. المرأة ذات الوجه الفارغ محاطة بجدار حظر: يمكنك النظر، لكن لا يمكنك اللمس.  هي لا تحتاجك، لا تهتم بك، إنها مكتفية ذاتيا، مثل كل تلك العشيقات القاسيات اللواتي يعشقن الشعر. ترسل الملابس الباهظة والمكياج الراقي نفس الإشارة: لا يمكنك شرائي إلا بالسعر الخاص بي، والذي من المحتمل أن يكون مرتفعًا جدًا، لأني بالفعل أمتلك ما أريد.

هذه هي الرسالة لشركاء الحب المحتملين، بالنسبة للنساء الأخريات، المنافسات فإن الرسالة هي: أنا ما تطمحين إليه، احسديني، أوه. وإذا سمحت لكِ بالدخول إلى دائرتي الساحرة، فسيكون ذلك امتيازًا يجب أن تكونِ ممتنّة له.

رسم المصريون القدماء وجوههم كحماية ضد القوى الخبيثة، والأشياء المستخدمة لإلقاء هذه التعويذة – مواد التجميل – كانت هي نفسها قوية. بالنسبة لليونانيين، كان الجمال غير العادي على الأقل شبه إلهي. برّاق، ساحر، رائع، مذهل، فاتن -كل هذه الكلمات تعود أصولها إلى ما هو خارق للطبيعة. سواء كان الجلد عميقًا أم لا، لعنةً أو مباركةً، إزدراءً أو إغراءً، واقعًا أو وهمًا مُصطنعاً– يحتفظ الجمال بقوته السحرية، على الأقل في تخيلاتنا.

ولهذا السبب نستمر في شراء تلك الأنابيب الصغيرة التي لا حصر لها من ملمع الشفاه، ما زلنا نؤمن بالجنيات.

***

حول الجمال.. مارغريت آتوود، ترجمة يونس بلعلي 

يونس بلعلي؛ باحث في علم الاجتماع، من الجزائر

خاص قنّاص – مقالات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى