“خبز على طاولة الخال ميلاد”.. كيف تصنع مجتمعاتنا العربية القتلة | سماح ممدوح حسن

كيف تصنع مجرماً في البيت؟

لم يكن العنوان أعلاه مزاحاً، ولنتأكد دعونا نرى المقادير والوصفة ولنحكم بعدها، وعلى طريقة الخباز الذى نتناول سيرته عندما علّمنا كيف نصنع خبز “الباجيت والكرواسون”.

في البداية إنجب طفلا طبيعيا سوياً، من الضرورى أن يولد وسط مجتمع غارق في أعراف بائدة من عتاقتها تعفنت وسط انفتاح العالم الحديث، ولا تنسى أن تختار له من البداية أُماً لا تؤمن ولا تعرف إلا ما ورثته من أمها وجدتها حتى الجدة الألف، أم تعيش في زمان غير زمانها. أفصل الولد عن أخوته البنات وأقنعه أن صلة الأخوة ما هى إلا أن يقضي الذكر حاجيات البيت كالآلة، ويساعد أباه في العمل حتى يرثه، وحرّم عليه مخالطة آخواته البنات حتى ولو باليّن من القول اقنعه بأن هذا سينتقص من رجولته.

رَبِّه وسط مجتمع منافق لا يعرف إلا الوحشية والظاهر من القول والفعل، ويا حبذا لو أسلمته للحياة العسكرية ويُوقعه حظه العاثر فى يد من لا يرحم. أفصله تماما وأحبسه فى مجتمع لا يرى فيه إلا الذكور الذين سيوصمونه بالعار لو فقط رأوه يعتني بهندامه. أعمل بإخلاص على تقطيعه نفسيا إلى أشلاء، ما بين إرضاء مجتمع منافق مجبرا على العيش فيه وما بين الفطرة الإنسانية التي خلقه الله عليها.

ولنجاح الوصفة، لا تنسى ألا يظهر منك لهذا الطفل أي علامات على الحنان والأبوة فقط كن معلما قاسيا فظا غليظ القلب، ومت. وأتركه يتحمل آثامك وآثام عالم لم يختره. وبعدها ستسويه حياة الظلام والجهل فى مجتمعه الذى سينضجه كأكبر مجرم ومضطرب نفسي.

إذا تمكن قارئ غير عربي من قراءة رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد”، الصادرة عن دار مسكليانى في تونس 2021، للروائي الليبي محمد النعاس وتناسى التاريخ التي تدور الأحداث فيه في النصف الثاني من القرن العشرين، سيظن أنها رواية تاريخية، عن بشر عاشوا في ظلام الجاهلية والكهوف بطريقة تفكيرهم هذه.

لكن للحقيقة المُرة لا، فالرواية تحكي عن التقاليد والأفكار البالية التي تعيش بها المجتمعات العربية والتي تمحو كل ما هو بشري في نفوس الناس وتحولهم لمسوخ ووحوش يعيشون فى زمن أستعمر الآخرون فيه أجزاء من الكون الشاسع بينما لا يزال هؤلاء يغرقون في جهالة الأولين.

أسطورة صناعة الرجال، الوحش نموذجاً

رغم أن الرواية تدور فى جغرافيا المجتمع الليبى، إلا أن القصة تنطبق على الكثير إن لم يكن كل المجتمع العربى. ف”ميلاد” صانع الخبز، رقيق المشاعر الذي خلقه الله كأنسان أميز صفاته الرقة، حوّله المجتمع لوحش بربري بحجة تعليمه كيف يصير رجلا.

فتبدء القصة عندما يولد ميلاد وحيداً بين أربع أخوات فتيات. فى طفولته تعلم وتربى على أيديهن، وبفطرته كان يجد أنه من الطبيعي أن يعيش معهن حياتهن حتى الأنثوية، يشاركهن مغامراتهن الصغيرة. فكن يطلين أظافرة، ويساعدهن على تضفير شعرهن. وما كان يجد إلا التوبيخ من أمه على هذه الأفعال والصفع والضرب من أبيه الذي حوّله من أخ حنون على أخواته إلى مجرد سجّان يأمرهم فيطيعون.

في بداية حياته تغلّبت طبيعته الرقيقة السمحة على تعاليم صناعة الرجال فأحب جارته “زينب” التي غاب عنها لفترةٍ لكنه عاد وألتقاها وأحبها من جديد وتزوجا بعد قصة حب عاب عليه الجميع فيها (الرجل لا يحب) فمجتمعه كان يقتل الحب لا يعترف إلا بالأدوار التي لا نعرف من الذى قسّمها، بأن الرجل يعمل خارج البيت والنساء داخله ولا فائدة منهن فى الدنيا إلا إطاعة هذا الزوج والعمل على راحته. لكن ميلاد فعل العكس، أحب زينب المتحررة المتأثرة بأفكار عمها الفنان التشكيلى وتبادلا الأدوار، عملت هي خارج البيت وهو داخله.

عاش “ميلاد، وزينب” كأجمل عاشقين تزوجا، لكن لم يرضى لهم  مجتمعهم هذه السعادة. عائلة ميلاد “الأم والأخوات الفتيات” اللاتى دائبن على خلق المشكلات بين العاشقين، خاصة بعد تأخرهما فى الانجاب ونصيحتهن له بالزواج من أخرى، حتى استقلا بمنزل خاص، لكن لم يسلما أيضا فـ”العبسى” ابن عمه، العاطل الفاشل، وأستاذه فى تعاليم الرجولة كان يحرضه على زوجته ليضربها “اضرب القطوسة تخاف العروسة، أو كما بالمثل المصرى اذبحلها القطة. دلالة على التخويف والتهديد المسبق” فهذا مفهومه الوحيد عن الرجولة حتى أنه كان يروي له أنه يضرب نساء عائلته فقط للتسلية.

التشظي بين الفطرة البشرية وإرادة المجتمع

 لو ظل الانسان يكبر بقلب ومشاعر خلقها الله دون التأثر بأفكار المجتمع، هل سيظل إنسان؟ ذاك السؤال سيلح على ذهن قارئ الرواية خاصة بعد النهاية المؤسفة لميلاد الرقيق. سيكون لسان حال القارئ (لولا قذارة مجتمعه لعاش السعادة على ألارض ولكأنها الجنة). ماذا يفعل الإنسان إذا ما طالبه كل من حوله، بدأ من الأم التى ربّت، والاب الذى علّم، والرفاق والأصدقاء وحتى المارون بالطريق، الجميع يطالبونه بأن يكون وحشاً وأن يتخلص من عار إنسانيته، هل سيظل إنسان أم يتحول لمجرم أو على أفضل تقدير مريضا عقليا؟

الطريقة التي تربى بها ميلاد، ربما هى السائدة فى المجمعات العربية، رغم التعلم والتثقيف والانفتاح على الاخر والمنادة بالتربية الحديثة، إلا أن الكثير من الامهات لا يزلن يربين أبنائهن على أن مرادف الرجولة هى الوحشية، والهيمنة بالعنف على الإناث والاناث فقط، تأمر الأم الفتاة بإطعام الفتى والتنظيف وراءه ورعايته وإطاعة أمره لأنها ترى أنه الافضل والأنفع. لكن ألم نصل إلى أوضاع وزمان لا نحصد من هذه التربية إلا المتحرشين والمجرمين والحيوانات التي تمشي على أثنين؟ ألم يكن الحصاد الوحيد لهذه التربية العفنة هو الجهل والظلام والظلم؟

محسوب على الرواية ومحسوب لها

رغم أن الكثير من الكتاب العرب سواء مقيمين أو مهاجرين تناولوا القضية محور هذه الرواية إلا أنه يُحسب للكاتب التعبير عن مكنونات قضيته باسلوب وألفاظ أكثر جراءة من غيره، رغم أن هذه الألفاظ من المنطوق في الشارع ويعرفه الناس جيدا وبعضها دارج عادي على آلسن البعض، إلا أن بعض الكتاب يخافون أو ربما يفكرون مرتين قبل أن يذكروا هذه الجمل والأفكار والألفاظ بتلك الصراحة، بالإضافة للمشاهد الجنسية فى الرواية. لكن ربما أطنب الكاتب من دون داعِ في “الوصف” كوصف طرق الخبز فى مواضع كثيرة، لكن البناء المحكم لشخوص العمل عوّض هذا الإطناب مما جعل هذه الشخصيات للواقع أقرب.

اللغة وتقنية السرد

رغم أن اللغة فى الرواية تخللتها الكثير من العامية الليبية بغرض خدمة النص، إلا أن التعبير بالفصحى عمل على توضيح هذه العامية دون مجهود كبير من القارئ. بجانب تقنية السرد التي كُتبت بها الرواية، بحيث كان البطل هو الراوي العليم الذي أخذ القارئ من يده ليطلعه على عالمه الخارجي والداخلي.

الواقعية المؤلمة للرواية

عانى الكثيرون، فتيات وفتية، وتذكروا عند القراءة الكثير من مآسي حياتهم أثناء الطفولة والمراهقة، عندما وبخت الامهات الأولاد على إندماجهم فى عادات الفتيات وصفع الآباء حتى (يسترجل) الأولاد، ومن لم يعاني خاصة فى مجتمعات الريف من نظرة مجتمعه الظالمة الناقدة عندما لا ينصاع لمثل هذه التربية العقيمة. الفتيات ممن عانوا ولا يزالوا يعانون من تعنت وتجبر الأخوة الذكور عليهن بسلطة ربما أكبر وأقسى من سلطة الأب، حتى بات إرتداء فستان جميل أو الاستمتاع بالسباحة حلم.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى