خصوصيات الكمان الشرقي عند العازف المصري محمود الجرشة | د. علياء العربي

الصورة: العازف المصري محمود الجرشة

تمهيد

تؤكد لنا التّساجيل الموسيقيّة الموثقة التي تعود إلى مطلع القرن العشرين التي تمّ توثيقها بإعتماد آلة الفونوغراف1 (الحاكي) -حيث دخلت هذه الآلة إلى العالم العربي وتحديدا مصر وبلاد الشّام في بداية ذلك القرن- أنّ دور العازفين في التّخت العربي بصفة عامة كان مجرّد مسايرة ومصاحبة للمطرب في الغناء (التساجيل الأولى كانت لكلّ من عبدو الحامولي وعبد الحي حلمي ويوسف المنيلاوي ثمّ سلامة حجازي ومنيرة المهدية وغيرهم كثيرون).

وقد بدأ العازف يبحث عن إيجاد مساحة خاصة به في مرحلة لاحقة منذ عشرينيات القرن العشرين، إذ أنّ الوثائق السمعية تشير إلى أنّ الموسيقيّ “أنور المنسي” الذي ولد سنة 1922 -وهو من أشهر عازفي آلة الكمان- يعتبر من بين الأوائل في العالم العربي (إضافة إلى موسيقيي عائلة الشّوّا) ممّن عُرفت معه هذه الآلة نقلة في مستوى دورها في الخطاب الموسيقي، فظهرت معه معزوفات لحِّنت خصيصا للعزف الآلي وأشهر مقطوعاته على الكمان معزوفة “شهرزاد”.

وقد عَرفت بعده السّاحة الموسيقيّة العربية عازفين إهتمّوا بإبراز دور آلاتهم من خلال تلحينهم لمعزوفات تبرز الخصوصيات الموسيقيّة لآلاتهم أو من خلال الصّولوهات التي كانت تتوسط الأغاني أو المقدّمات الموسيقيّة للأغاني لتأخذ الآلة مكانتها إلى جانب المطرب وتتجاوز مرحلة المسايرة فتضفي بذلك جمالية على الأغنية، وشيئا فشيئا أصبحت أسماء العازفين تتداول بين الموسيقيين وبين عموم النّاس. ومن هؤلاء نذكر عازفـِي القانون “عبده صالح” و”عبد الفتاح المنسي” و”أحمد فؤاد حسن” وعازف النّاي “محمود عفت” وعازف الأورغ “هاني مهنى”.

أمّا آلة الكمان وهي محور هذا المقال فلقد أبدع في إبرازها مجموعة من العازفين أبرزهم: “أحمد الحفناوي” و”عطية شرارة” و”عبود عبد العال” و”سعد محمد حسن” وخاصّة “محمود الجرشة” الذي سنخصّص له ما سيأتي من فقرات.

1- لمحة عن حياة محمود الجرشة

ولد “محمود القرشة” بمصر في مدينة المنصورة يوم 14 جانفي 1948 في وسط فنيّ إذ كان والده عازفا على آلة العود ووالدته مطربة، كما نشأ على حفظ القرآن وتلاوته شأنه في ذلك شأن أبناء جيله. نشأت مسامعه على ألحان محمّد عبد الوهاب وأم كلثوم، ويعتبر محمّد عبد الوهاب مدرسته الفنية الرئيسية كما يقرّ بذلك “حسن شرارة”2.             
لامس محمود الجرشة آلة الكمان عندما كان في سنّ السادسة وبدأ عزف الكمنجة على الطريقة الشّفاهية التلّقينية ولمّا أدرك سنّ المراهقة أصبح عازفا في فرقة المنصورة للفنون الشعبية فتواصل مشواره مع الكمان صُلب هذه الفرقة مصاحبة للأنشطة الاستعراضية التي كان يؤثثها والده بألحانه، ثم تحصّل على شهادة الثانوية العامة وباشر دراسة الكمان على يد كلّ من “إسماعيل زكي” وكذلك “محمّد نصر الدّين” في الأسلوب الغربي لمدّة ثلاث سنوات فقط لينشغل في ما بعد بالحفلات والتسجيلات خاصّة وأنّه أسّس فرقة كان يقدّم من خلالها بعض العروض الخاصة والعامة.

شاءت الصّدفة أن سمعه محمّد عبد الوهاب في أحد عروضه فأعجب به ونصحه بأن يدرس الموسيقى ويختص فيها، فالتحق بالمعهد العالي للفنون الموسيقية وبدأ مسيرته التي كما أشرنا شهدت انقطاعات نظرا لانشغاله بالعمل والنشاط الموسيقي صلب ألمع وأشهر الفرق الموسيقية في مصر كالفرقة الماسية وفرقة أم كلثوم وفرقة عبد الحليم نويرة وفرقة عازف الأورغ هاني مهني وكذلك فرقة عازف القانون أمير عبد المجيد وغيرهم.

من جهة أخرى ذاع صيت “محمود الجرشة” بعد تألقه في الفرق الموسيقية المذكورة من خلال صولوهاته الأنيقة والمتميّزة فكان يخطف الأسماع والأنظار وهو ما تؤكّده تساجيل موسيقية عديدة لفنانين من المشرق العربي ومغربه احتوت أغانيهم على صولوهات مازالت محفورة في الذاكرة بأنامل “محمود الجرشة”. وعلى سبيل الذكر لا الحصر يشير الباحث والعازف المصري أحمد ماهر(صهر محمود الجرشة) أنّه ساهم في إثراء الأرصدة الغنائية لكل من: سيد مكاوي، نجاة الصغيرة، ميادة الحناوي، عبد الله الرويشد، وردة، جورج وسوف، الفنان الكويتي عبد الكريم عبد القادر، فنان العرب محمّد عبده، الفنان التونسي لطفي بوشناق، أحمد عدوية، محمّد الحلو ، رباب الكويتية، نبيل شعيل وغيرهم كثيرون.

ما يمكن التنوية إليه هو أن المعلومات التي ذكرناها تبقى هي كلّ ما يمكن حصره حول حياة عازف الكمان المصري “محمود الجرشة”، ونجدها تتكرّر في صفحات الأنترنيت وفي بحوث العدد القليل من الباحثين الذين تناولوا أسلوب عزف “محمود الجرشة” بالدراسة والتحليل (مثل الباحث المصري عازف الكمان “أحمد ماهر” أو الباحثين التونسيين “محمّد الغربي”(من المعهد العالي للموسيقى بتونس) و”مجدي اللجمي” (من المعهد العالي للموسيقى بصفاقس) أو نتافات في بعض المؤلفات الموسيقية العامّة أو مناهج العزف على آلة الكمان وآخرها مؤلف الباحث الأردني “جورج أسعد” الموسوم بـ”آلة الكمان وتقنياتها”.

2- تسوية آلة الكمان لدى محمود الجرشة: بين التنوّع ومتطلبات السياق الموسيقي

شهدت آلة الكمنجة تعديلات مختلفة من زمن المدرسة العربية التقليدية (الكلاسيكية) إلى زماننا الحاضر وهو تنوّع مال إلى الاستقرار منذ أواسط النصف الثاني من القرن العشرين. إنّ تسوية أوتار الكمنجة تتحدّد حسب مقتضيات السياق الموسيقي المقامي عموما، وحسب ميولات العازف والتسوية التي يرتاح إليها، وهي عموما ترجمة لمدارس آلة الكمنجة المختلفة منها الغربية ومنها العربية أو حتى التركية.

 فلقد عُرف “أحمد الحفناوي” مثلا باشتغاله على تسوية شبيهة بآلة العود (أي دو/صول/ري/صول) وهو ما يبرز قيمة تلك الآلة وتأثيرها على المناخ المقامي العربي على مدى القرون. ولعلّ الأمر شمل عازفين آخرين من نفس الجيل والمدرسة. من جهته اعتمد “إيميل غصن” في منهج الكمان الذي طبعه ونشره وهو الموسوم بـ”مدرسة الكمان الشرقي” على تسوية أخرى وهي: (ري/صول/ري/صول)

أمّا “محمود الجرشة” وهو محور حديثنا فإنّه اعتمد في مسيرته على تسوية الكمان على ثلاث شاكلات مختلفة تبرز إلمامه بثقافات موسيقية مختلفة وإتقانه لتقنياتها. إذ “كان يعدّلها على الشّاكلة الغربية (مي،لا،ري،صول) كما يعدّل تعديلا شرقيّا أي على الطّريقيتين المعروفتين (ري، صول، ري، صول) و(دو، صول، ري، صول) الكلاسيكيتين. كما ضبط أيضا على الطريقة التركية (ري، لا، ري، صول)، فقد كان يستعمل هذه الطرق المختلفة في تعديل الأوتار حسب ما تتطلّبه الحاجة عند الأداء”3.

تسويات آلة الكمان التي اعتمدها محمود الجرشة في مسيرته الفنية
التسوية العربية القديمةالتسوية العربية المعتمدةالتسوية الغربيةالتسوية التركية
دو(الكردان)راي(المحيّر)مي(جواب البوسلك)راي(المحيّر)
صول(النوا)صول(النوا)لا(الحسيني)لا(الحسيني)
راي(الدوكاه)راي(الدوكاه)راي(الدوكاه)ري(الدوكاه)
صول(اليكاه)صول(اليكاه)صول(اليكاه)صول(اليكاه)

3 – مميزات أسلوبه في العزف:

  • يقول عازف الكمان المعروف حسن شرارة ابن العازف الشهير عطية شرارة أنّ محمود الجرشة هو “أنقى عازفي جيله”4 ويتجلّى ذلك واضحا من خلال ما تثبته التساجيل السمعية والسمعية البصرية التي تثبت بما لا يدعو للشك أنّ محمود الجرشة كان متمكّنا من تقنيات الآلة بفضل تكوينه في الموسيقى الغربية إذ نراه يجوب منطقة الجوابات في الوضعيات المتقدّمة من ذراع الكمنجة بنقاوة لا مثيل لها من خلال صولوهات وتقاسيم تحمل عبق المقامات الشرقية وهو ما لم نتعوّد عليه في المدرسة التقليدية (سامي شوة/أنور المنسي/جميل عويس/أحمد الحفناوي).
العازف أحمد الحفناوي (youm7.com)
العازف سعد محمد حسن (elcinema.com)
  • استعمال تقنيات الموسيقى العربية وتوظيفها (مثل الزحلقة والانزلاق والزغردة والزمرة والاهتزاز وغيرها في الوضعية الأولى كما في كل الوضعيات الأخرى فهو لا يتوانى في استعمالها في التقاسيم كما في الصولوهات أو حتى في أداء الأغاني عزفا بآلته.

  • توظيف مكتسباته في أداء سلالم االموسيقى الغربية نزولا وصعودا من خلال توظيفها في صولوهاته وتقاسيمه أو أداء الأغاني.
  • انفتاحه على خصوصيات التعبير المقامي في المنطقة العربية وخاصة منه ما نجده في الخليج العربي (السعودية، الكويت، اليمن).
  • سلاسة واضحة في استعمال القوس.
  • استعمال تقنية الأوتار المضاعفة باعتماد مسافات مختلفة وهي من تقنيات الموسيقى الغربية.
  • المراوحة بين الشدة واللين أو التسريع والتخفيض في النسق الإيقاعي في العزف مما يخلق نوعا من الديناميكية وكسرا للروتين في العزف إن كان ذلك في التقسيمات أو الصولوهات

الخاتمة

في الختام نكتفي بالتّأكيد على أنّ الموسيقيّ محمود القرشة بما أوجده لنفسه من أسلوب خاص به في العزف -وهو المنبثق عن جملة من التراكمات السّمعية للموسيقى التّقليدية والمنفتحة على ثقافات غير عربية بالتظافر مع إقدامه على توظيف مكتسباته الفكرية بذكاء مع المحافظة على هويته العربية الشرقية- يمثّل مدرسة فريدة من نوعها لمن أراد التميز في العزف على آلة الكمان الشّرقي، فكل لمسة له على أوتار آلة الكمان تمثّل درسا في الكمان الشرقي، ونحن هنا نأكد على أهمية إجادة العازف في زمننا الحاضر قراءة النوتة الموسيقيّة ولكننا نثمن الدور الرئيسي الذي تلعبه كثرة الإستماع وإثراء الذّاكرة السّمعية من قبل العازفين المبدعين، حتى يصل المتعلم إلى مرحلة من النضج الموسيقي ليصبح قادرا على التأليف ولم لا الإضافة والتّجديد دون طمس الهوية الموسيقيّة الخاصة بثقافته.

العازف عبود عبد العال (filkhabr.com)

الهوامش والإحالات

(1)- توماس إديسون “هو من اخترع (الفونوجراف) Phonograph منذ العام 1877-1878 وهو آلة تكنولوجية صوتية. وقد كان في االبداية يتألّف من أنبوب اسطواني من الشمع مدهون بالقصدير، تمرّ عليه إبرة تحدث عليه أثلاما متموّجة بحسب الصّوت المنطلق من بوق متصل بالإبرة، يحمل صوتا بشريّا أو موسيقيّا. وبعد التّسجيل يُستمع إلى الصّوت بمرور الإبرة على الأثلام الصّوتية المحفورة من خلال مكبّر. وتطوّر هذا النّوع من تسجيل الصّوت على الأنبوب الإسطواني، إلى التسجيل على أقراص دائرية سوداء مصنوعة من مادّة بلاستيكية، لها وجهان يُسجّل على كلّ وجه منهما ما مدّته خمس دقائق(…)وانتشرا الأقراص السّوداء في أنحاء أوروبا بعد ذلك، وعُرفت في مصر والأقطار العربية في العشرية الثانية من القرن20.

راجع: المالح، ياسر، الموسيقا والأغنية العربية أعلام وقوالب وتأثير وتطوير، ط.1، دمشق، الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، 2011، ص209-210.

(2)- في حوار أدلى به لعازف الكمان التونسي محمّد الغربي(رسالة بحث لنيل شهادة الماجستير، ص134)

(3)- الغربي، محمّد، أسلوب العزف على الكمان الشرقي من خلال محمود الڤرشة: نموذج (كليوباترا) لمحمّد عبد الوهاب، رسالة بحث لنيل شهادة الماجستير في العلوم الثقتفية اختصاص موسيقى وعلوم موسيقية، المعهد العالي للموسيقى بتونس، إشراف سيف الله بن عبد الرزاق، 2010-2011، ص 17-18.

(4)- المصدر نفسه، ص.129

د. علياء العربي: باحثة وأكاديمية من تونس.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى