عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

خطوة على طريق النشر | د. هيفاء بيطار

تُخصص مجلة «قناص» هذه الزاوية، بشكلٍ دوريّ، حيثُ تستضيف أحد الكتّاب للحديث عن حيثيات الدخول إلى عالم النشر، الشائك والمُتعب في الآنِ معاً..

بداية من المهم أن أذكر أن دراسة الطب البشري والاختصاص في طب العيون قد استنزفا كل وقتي، رغم أن روحي كانت تتوق بشغف للكتابة. ومن وقت لآخر كنت أكتب خواطر حين قرأها أبي (الرحمة لروحه) وهو أستاذ لغة عربية مثقف ومرموق قال لي أن ما كتبته من خواطر هي قصص قصيرة جميلة، حتى أنه وضع عنواناً لإحدى قصصي (بكاء بلا دموع). ملاحظة أبي فجرت في روحي هوى الكتابة ومغامرة النشر، وفي ذلك الوقت 1990– وأنا أعيش في اللاذقية– ومنهمكة في تأسيس عيادتي الخاصة قررت طباعة القصص التي كتبتها، وهي قصص واقعية عن حالات إنسانية عشت معها عمق معاناتها ومشاعرها الإنسانية، مثل الطفلة (شيرين ابنة حلب الشهباء وعمرها ثماني سنوات كانت مصابة بسرطان في عينيها) لا أستطيع أن أحكي عن كتابي الأول دون أن أنحني لشيرين التي ربطتني بها علاقة إنسانية رائعة وكتبت عنها قصة (بكاء بلا دموع) بعد أن خضعت لعملية استئصال لعينيها.

لم تكن لدي أيه فكرة عن طريقة نشر كتاب، وكانت معرفتي بدور النشر شبه معدومة، وكنت أسأل الأصدقاء والمعارف: كيف سأنشر قصصي أي كتابي الأول؟ معظمهم كان يُجيب بسخرية لا تخفى: هل ستنشرين كتاباً أدبياً وأنت طبيبة عيون!!! هل يعني أنك تنوين احتراف الكتابة؟ كانوا يُشعرونني بأنني قادمة من عالم آخر أي خارج عالم الكتابة، كأن لا تقاطع بين الطب والكتابة، لكن كنت متحمسة جداً لطباعة قصصي (حوالي 15 قصة) ووضعت عنواناً لكتابي (ورود لن تموت). في ذلك الوقت لم يكن هناك أنترنيت ولا موبايل، ووجدت نفسي محصورة في دائرة اللاذقية الضيقة والبعض نصحني بدار المنارة في اللاذقية التي سبق وطبعت كتاباً للباحث المثقف جبرائيل سعادة وكان أبي يدقق له كتبه لغوياً. قصدت دار المنارة في اللاذقية أحمل كنزي (قصصي) وقالوا لي بأنهم في أزمة مالية وأن علي أن أدفع تكاليف الطباعة، ورغم أنني كنت في ضيق مادي لأنني أؤسس عيادتي العينية فقد وافقت، لم تكن لدي أيه فكرة عن الأسعار وولد كتابي الأول قصص (ورود لن تموت) ولادة مشوهة جداً، الورق كأنه ورق جرائد، الصفحات تشف أي يظهر خيال الكلمات في الصفحات التالية، انعدام تام للأناقة في نشر القصص، غلاف رديء وكانت الكلفة خمسة وأربعين ألف ليرة سورية (كان سعر الدولار وقتها أقل من أربعين ليرة)!!!

أذكر أنني اضطررت وقتها أن أبيع تلفزيوناً صعيراً كان في عيادتي، ولم أدقق في كمية الكتب التي طبعتها دار المنارة في اللاذقية، استلمت حوالي 300 كتاب، وبقية الكتب (التي ادعت الدار أنها ألف كتاب) لم توزعها إطلاقاً على المكتبات ولم تنشر دعاية لكتابي حتى في جريدة الوحدة السورية. تجربة مريرة جداً واستغلال مادي كبير، لكنني كنت جاهلة تماماً بكل ما يتعلق بالنشر وكان شغفي كبيراً أن أكون كاتبة وأن أطبع قصصي. الإحباط الذي أحسسته كان كبيراً جداً، وآلمني الاستغلال المادي الكبير الذي خضعت له –أنا التي كنت ساذجة واعتقدت أن كل من يتعامل بالكتاب قمة في النزاهة والأخلاق– العديد من قصص كتابي الأول (الرديء طباعةً وبشكل كبير) أعدت نشرها في مجموعات قصصية لاحقة.

لكن في قرارة نفسي أحب أن أعتبر أن كتابي الأول كان رواية (يوميات مُطلقة) الذي طبعه لي ناشر أكن له كل التقدير والمحبة الأستاذ حسين العودات، وطبعاً دفعت كلفة الطباعة –كان المبلغ معقولاً، وصدر الكتاب بشكل أنيق ونفدت الطبعة الأولى (ألف نسخة في أقل من شهر). فيما بعد وخاصة بعد حصولي على جائزة أبي القاسم الشابي في تونس عن مجموعتي القصصية (الساقطة) التي طبعها الأستاذ رياض الريس، فتحت كل دور النشر أبوابها لي وقبلت أن تطبع كتبي دون أن أدفع بل يكون لي نسبة مالية من المبيعات. وطبعت في دار رياض الريس ودار النهار ودار الساقي والدار العربية للعلوم وأعيدت طباعة كتبي مرات عديدة، وطبعت روايتي امرأة من طابقين في القاهرة.

ما أريد قوله أن الكاتب في عالمنا العربي يُعاني كثيراً مادياً ومعنوياً، وأن عليه أن يدفع تكاليف طباعة كتابه وخاصة أن الأوضاع المعيشية للمواطن العربي بائسة ولا تسمح له بشراء الكتب لذا انتعشت قرصنة الكتب. وكل كُتبي مُقرصنة.

لكن أحب أن أقول للكتاب الشباب ألا يتخلوا عن أحلامهم، فالسعادة الحقيقية هي في تحقيق الذات، وكل سعادتي كانت في الكتابة، ولحسن الحظ حدث تزاوج ناجح جداً بين الطب والكتابة حيث كتبت عشرات القصص القصيرة من وحي عملي الطبي في المشفى الوطني في اللاذقية، وكتبت روايتين من وحي عملي الطبي هما (نسر بجناح وحيد) وروايتي (هوى) التي تحولت إلى فيلم سينمائي بعد أن اشترتها المؤسسة العامة للسينما في سوريا.

أؤمن أن الأحلام تتحقق بالإرادة والشغف.

د. هيفاء بيطار: كاتبة سورية تقيم في باريس.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى