عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

خطوة على طريق النشر | عبدالرزّاق الربيعي

 

تواصل مجلة «قناص» في زاوية «خطوة على طريق النشر» نشر شهادات الكُتّاب عن حيثيات الدخول إلى عالم النشر. هنا شهادة الشاعر عبدالرزّاق الربيعي، وهو شاعر وكاتب وصحفي عراقي، يقيم في سلطنة عُمان منذ عام 1998 ويحمل الجنسية العُمانية منذ يونيو 2016:

 

رغم أني نشرتُ كتابين للأطفال (وطن جميل 1983) و(نجمة الليالي 1986) وكنت قد دخلت العقد الثاني من عمري، خلال عملي بدار ثقافة الأطفال، وتوجّهي للكتابة للطفل، فقامت بطباعته وتوزيعه، داخل وخارج العراق، وكفى الله الشعراء متاعب الطباعة والتوزيع! وكانت تطبع من كل كتاب خمسين ألف نسخة بالألوان وعلى ورق صقيل، أقول: رغم ذلك أعتبر كتابي الأوّل هو ديواني “إلحاقا بالموت السابق” الصادر عام 1986 لولادته المتعسّرة، وارتباطه بذكريات عزيزة على قلبي، وكنت متردّدا بطباعته، لأنني حتّى العشرين من عمري، أتهيّب نشر الشعر، فكيف الحال في جمعه، بين دفّتي كتاب، ونشره على الملأ، رغم إنني كنت أنشر بين حين وآخر نصوصاً في مجلات ثقافية كـ(الطليعة الأدبية)، و(الأقلام)، وصحيفة (الجمهوريّة) امتثالا لرغبات أصدقاء، ومن بينهم الشاعر عدنان الصائغ الذي رفع السقف عاليا، وطلب منّي نشر ديواني الأوّل، فلم أخذ الأمر بجدّيّة، وكرّره، وذات يوم، وكنّا في عام 1986م سألني: ما أخبار ديوانك؟ قلت له: لِمَ العجلة؟ ما يزال الوقت أمامنا للإقدام على هذه الخطوة، فانزعج من ردّي وقال :”عليك أن تصدره خلال ستة شهور، وإلّا قطعت علاقتي بك”، وأقسم بأغلظ الأيمان على ذلك، عندها وجدت لا مفرّ من ذلك، وجمعت نصوصي، في ديوان أسميته “إلحاقا بالموت السابق” وكانت بيانات الحرب الدائرة في جبهات القتال على الحدود العراقية الإيرانية تحمل أنباء الموت، وكنت أستعد للتخرج من الجامعة، والالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية، وكان من الطبيعي أن تلقي تلك الأنباء ظلالها على قصائد الديوان، بدءا من العنوان، والغلاف الأول الذي استعنت بلوحة كولاج لجسد مقطوع الرأس والرقبة متفحمة وكانت للفنانة (نضال الأغا) وبحوزة الفنان الراحل د. ماهود أحمد، وكان قد عرض عليّ عددا من لوحاته، لكنني أعجبت بهذه اللوحة، فقال هذه ليست لي، بل لنضال الأغا ومادامت قد أعجبتك خذها وسأبلغ الفنانة نضال.
والعتبة الأولى التي اخترتها للكاتب الألماني بريخت ولها دلالة في تلك الظروف:

(أنتم يا من ستظهرون بعد الطوفان
الذي غرقنا فيه
اذكروا ….
حين تتحدثون عن ضعفنا
الزمن الأسود الذي نجوتم منه).
وحين انتهيت من كل ذلك عرضته على الأستاذ الشاعر الراحل عبدالرزّاق عبدالواحد، قرأه، وشجعني كثيرا على طباعته، وتتويجا لذلك الحماس كتب كلمة وضعتها مقدمة للديوان بخط يده، وكان جميلا، وتلك الكلمة حملت عنوان (خواطر عن عبد الرزاق الربيعي) وجاء فيها:
– مثقل ٌ بحنظل الحزن، وعناقيد الدموع
هذا الفتى المسكون بالخجل وبالفجيعة…
– عرفته منذ كان صبيّاً يشفق على القلم من ارتعاش
أصابعه
وها هو


يشفق القلم عليه فرط ارتعاش أصابعه
– يكون في منتهى الحزن حين لا يتاح له أن يحزن، ولهذا تجده مخلصا ً لحزنه حدَّ التجني على نفسه حيناً، وعلى ما يكتبه أحياناً
– حتى قصائد الأطفال التي كان يكتبها، كانت تطير بأجنحة أبدا ً ترفرف لتنفض عنها الدموع…
– منذ أول يوم ٍ رأيته.. وكان مرتبكا ً مثل طفل ٍ مذنب- أنبل ما في عبد الرزاق الربيعي أنه ما زال مرتبكاً مثل طفل ٍ مذنب.. خصوصاً إذا أطيل النظر إليه!. أحسست أن َّ هذا الفتى النحيل سيشتعل عوده ُ بالشعر، لينير فتيل الشعر أكثر الأنساغ اتقادا ً في سيمائه وفي سلوكه.
– تضيء عيناه حين يفرح
ويضيء جميعه حين يحب
وينطفئ تماما حين يغضب
– وفي أقسى لحظات الغضب
يكتب أكثر قصائده حزنا ً
– ممتلئ ٌ بالحب…
يسلم حبَّه كلَّ أعنـَّته
ويصبح في مهَّبهِ مثل طفل ٍأخرق
يكسر القلب
لفرط صدقه ِ
ولفرط إخلاصهِ
– ليس أكثر منه اندهاشا ً
لا سيّما حين يُجرح بشكل ٍ مفاجئ
ينعقد لسانه
وفي لحظة ٍ
يهرم..
ولكن َّ قلمه يصبح لحظتها أبلغ ما يكون
– أنا أعلم أن أقدام عبد الرزاق الربيعي ما تزال من أكثر الأقدام قلقاً …
وأن هواجسه
من أكثر الهواجس يقظة ً
ولكنني أعلم أيضاً
أنه شديد الحذر على خطاه
شديد الانتباه لأوجاعه
حتى صرت أخشى عليه أن يصبح الحزن عنده
عادةً… والتوجس إدمانا ً
وأن يغدو عذابه تعذيبا ً
وتطّهره تطّيرا ً
وعندئذ ٍلا أجد لحروفه هذه الأجنحة· ومع ذلك،
فما بين يدي القارئ الآن من عبدالرزاق الربيعي،
لم أعن ِ إلا القليل منه في هذه الخواطر…
الذي عنيته طي َّ الغيب
ولكنه غيبٌ ليس ببعيد…

عبد الرزاق عبد الواحد
بغداد في 5/11/1986

ثم قدّمته لوزارة الإعلام للحصول على موافقة الرقابة، وأجيز بعد حوالي أسبوعين، بدون ملاحظات، وبعد ذلك، بدأت عملية البحث عن دار نشر، وكان لابد من طباعته على نفقتي الخاصة، ولم تكن تسمح لي الظروف، ومازلت في الجامعة على وشك التخرّج، فركنته جانباً، وفي تلك الأيام كنت مع صديقي عدنان الصائغ نتردد على مطبعة عشتار، التي طبعت له ديوانه الثاني “أغنيات على جسر الكوفة” ضمن منشورات الشاعرة آمال الزهاوي، وذات يوم عرّفني على الشاعرة آمال الزهاوي وزوجها عداي النجم رحمهما الله، وتكررت لقاءاتنا، بعد أن طبعت الشاعرة دنيا ميخائيل ديوانها الأول (نزيف البحر) على نفقتها الخاصة، وكذلك الشاعرة أمل الجبوري التي نشرت ديوانها (خمر الجراح)، وفي أحد اللقاءات، سألني النجم إن كنت قد جمعت نصوصي في ديوان، فقلت له: نعم، فطلبه مني، وفي اليوم التالي أخبرني إنه أعجب بما قرأ، وسيطبعه على حساب الدار، وسيزوّدني بمائة نسخة منه، فرحّبت بالعرض، واستعنت بالصديق د. فلاح الخطاط لكتابة العنوان، وكذلك النص الذي اخترته للغلاف الأخير، بخط يده، ففعل، واستعنت بلوحات داخلية رسمها الصديق مجيد الساعدي، من وحي النصوص، وبعد أسابيع قليلة استلمت النسخة الأولى، وأذكر أننا ذهبنا بمعية الشاعر الكبير عبدالرزاق عبدالواحد، والأصدقاء والصديقات: عدنان الصائغ وأمل الجبوري، ودنيا ميخائيل والفنانة الراحلة غادة حبيب إلى شارع (أبي نواس) واحتفلنا بالمناسبة في أحد المطاعم، وكان الأكثر سعادة الصديق الشاعر عدنان الصائغ لأن تهديده جلب نتيجة إيجابية، ففور صدوره، كتب عنه الشاعر الراحل هادي الربيعي مقالا، وقع بين يدي الشاعر الراحل رشدي العامل، فطلب نسخة من الصائغ، فزوّدته بها، وكان ينوي الكتابة عنه لولا أنه انزعج من إدراج مقدمة الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد، وعاتبني بشدّة، ربما لخلاف آيديولوجي بينهما، ووعدني بالكتابة عنه، بعد أن يهدأ غضبه، كذلك كتب عنه الشاعر الراحل كمال سبتي، لكن المقال فُقد في طريقه للمطبعة فغضب وأوقف نشر مقالاته في تلك الأيام، وتلقّيت أصداء مشجّعة، أعقبها سؤال: متى ستصدر ديوانك الثاني؟
وهكذا واصلت عجلة النشر دورانها إلى اليوم.

خاص قناص

‫2 تعليقات

  1. في تلك الأيام كنّا معاً،نقطع الطريق المؤدي إلى دار عشتار،يحفّ بنا شغف خاص من أجل بلوغ الهدف.كانت خطواتك الواسعة دليلاً على العبور إلى ضفة الشعر بثقة ،واقتدار.سبقتك دنيا بنزيف البحر،وأمل بخمر جراحها،ولحقتك ريم بنوارسها التي لن تكفّ عن التحليق ! لقد أعدتنا ياصديقي العتيق إلى زمن نغبط أنفسنا أنّنا عشناه على الرغم من قساوته! أتذكر كلّ تلك التفاصيل،معرض الفنان مجيد السّاعدي الأول ،اللقاء مع الراحلة غادة حبيب،قلق النسخة الأ ولى،دماثة وطيبة آمال الزّهاوي،الإيمان بالشعر،وبالكلمة حتى النهاية.دمت ،ودام إبداعك أخي الشاعر المبدع عبد الرّزاق الربيعي. رعد السّيفي

    1. شكرا دكتور رعد، لأنك شحذت ذاكرتي بمبرد محبتك، فأنعشتها، وأحييت التفاصيل التي ذكرتها من رقدتها، وانت كنت شريكا معنا في تلك السنوات، سنوات التأسيس، قبل ان تفرّقنا الأيام أيدي سبأ
      دمت أيها الغالي على القلب والذاكرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى