دراما رمضان المصرية -4: المسلسلات الكوميدية.. الضحك على «استحياء» ولكن «الكبير» كبير | زين العابدين خيري 

تنشر مجلة قنآص سلسلة مقالات أسبوعية خلال شهر رمضان، تُشَرّح فيها الدراما المصرية التي تصل في هذا الشهر إلى ذروتها السنوية. يكتب السلسلة السينارست والناقد الفني زين العابدين خيري:


تكاد تختفي المسلسلات الكوميدية المباشرة من على خريطة الدراما في رمضان؛ فلم نشهد هذا العام إلا مسلسلات «الكبير أوي» و«مكتوب عليا» و«في بيتنا روبوت 2» –وهذا الأخير موجه للأطفال في الأساس-. هذه المسلسلات التي حصلت على توكيل الضحك هذا العام نجحت في مهتهما على فترات، بينما أطل علينا الضحك ولكن على استحياء من خلال عدد آخر من المسلسلات الاجتماعية الخفيفة مثل «أحلام سعيدة» و«دايما عامر» و«شغل في العالي» و«رانيا وسكينة».

بالتأكيد السبب الرئيسي في قلة عدد الأعمال الكوميدية هو فشل تلك النوعية من المسلسلات في السنوات السابقة في مهمتها الأساسية وهي الإضحاك -باستثناءات قليلة جدا-. إلى الحد الذي دفع ببعض أبطال هذه المسلسلات إلى الاعتذار عنها، معترفين بفشلهم في إضحاك الجمهور، كما حدث مع مسلسل «رجالة البيت» في العام قبل الماضي، وكان الهجوم على المسلسلات شاملاً من فئتي النقاد والجمهور على السواء.

السبب الثاني في قلة عدد الأعمال الكوميدية هذا العام هي اختفاء كل نجوم «مسرح مصر» دفعة واحدة عن ساحة المنافسة الرمضانية، وربما يكون ذلك مرتبطاً بالسبب السابق، وهو أن أغلب المسلسلات التي شاركوا في بطولتها لم تحقق نجاحاً يذكر في العامين السابقين –باستثناءات قليلة أيضا-، وكانت النتيجة أننا لم نشهد هذا العام أية أعمال من بطولة علي ربيع أو أوس أوس أو مصطفى خاطر أو حمدي الميرغني أو محمد أنور أو محمد عبد الرحمن، أو غيرهم من نجوم مسرح مصر، فقط شارك بعضهم كضيوف شرف في بعض الأعمال، أو بأدوار عادية في مسلسلات أخرى، ككريم عفيفي الذي يقوم بدور مدرس الألعاب في مسلسل «دايما عامر».

عودة «الكبير»

المسلسل الكوميدي الأنجح هذا العام بجدارة هو مسلسل «الكبير أوي» في جزئه السادس، تأليف مصطفى صقر وإخراج أحمد الجندي، الذي أعادنا لعالم المزاريطة مع النجم أحمد مكي الذي تخلّى عن الكوميديا كلها العام الماضي من أجل مسلسل «الاختيار 2». على الرغم من أن الحلقات الأولى لم تكن تنبئ بهذا النجاح الكبير.

وفي رأيي أن أسباباً عديدة ساهمت في هذا النجاح الكبير لـ«الكبير»، وهو نجاح تخطى نجاح آخر أجزاء المسلسل (الخامس) الذي تم إنتاجه في عام 2015، الذي تفرق بعده أبطاله ليقدم كل منهم بطولات منفردة أو ليشاركوا في أعمال أخرى مع أبطال آخرين، مثل دنيا سمير غانم، وبيومي فؤاد، ومحمد سلام، وهشام إسماعيل. وقد كانت عودة أغلب أعضاء الفريق القديم مثل هشام إسماعيل وبيومي فؤاد ومحمد سلام سبباً مهماً من أسباب نجاح الجزء الجديد.

مشهد من «الكبير أوي -جزء 6»: الكبير يصالح مربوحة “ستو أنا” بطريقته الخاصة قائلا: قلبي برتقال بصرة ملكك وأنتي حرة.

السبب الثاني في نجاح المسلسل في رأيي هو حالة الاشتياق لدى الجمهور وحالة «النوستالجيا» المرتبطة بالمسلسل الذي بدأ قبل 12 عاماً ويرتبط عند قطاع كبير من الجمهور بالعديد من ذكرياتهم. وهؤلاء كانوا في شوق لرؤية شخصيات المزاريطة التي ارتبطوا بها على مدار خمسة مواسم سابقة قبل أن يتوقف المسلسل منذ سبع سنوات.

السبب الثالث للنجاح هو محاولة بث أفكار طازجة في أحداث الجزء الحالي تواكب الزمن الحالي والذي شهد العديد من المتغيرات عن السنوات الأولى التي كان يُعرض فيها المسلسل، ولذا نجحت كثيراً الحلقات التي تم فيها محاكاة لعبة «الحبار» التي ظهرت في مسلسل نتفليكس الكوري الشهير “Squid Game”، من خلال لعبة «السبيط» التي شارك فيها كل شخصيات المزاريطة الجديدة والقديمة. ثم عمل حلقات أخرى عن حمّى السوشيال ميديا، بل وغزا بعضهم عدداً من المسلسلات هذا العام، ومنهم الطفل عبد الرحمن أحمد طه أحد مشاهير تيك توك والذى اشتهر بتقليد النجوم ومنهم عادل إمام وسعيد صالح، وقام بدور «جوني» الصغير، كما ظهر بالمسلسل محمد مولى فى أحد المشاهد وهو ينصح «جوني» الكبير بكيفية زيادة متابعيه ولفت انتباه الجمهور للمحتوى الذى يقدمه.

أما السبب الأهم في النجاح الكبير لهذا الجزء السادس فكان تجديد دماء المسلسل بشخصيات جديدة تم اختيار الممثلين الذي يقومون بها بعناية شديدة، فنجحوا نجاحا مبهرا في أداء شخصياتهم على الرغم من أن أغلبهم من الوجوه الجديدة، ولكنهم بالتأكيد أثبتوا أنهم نجوم واعدون وأبرزهم رحمة أحمد (مربوحة)، وسماء إبراهيم (الكبيرة فحت)، وحاتم صلاح (نفادي)، ومصطفى غريب (العترة)، وعبد الرحمن حسن (طبازة).

وعلى الرغم من النجاح الذي حققه المسلسل فإنني أرى به بعض السلبيات، أهمها اعتماده بشكل كبير على الإفيهات المباشرة و«القلشات» دون بذل مجهود حقيقي في بناء مواقف درامية مُحْكمة على الرغم من أن الشخصيات مرسومة بدقة. كما أن التكرار كان من آفات المسلسل الذي كرر بعض المواقف الكوميدية التي حققت نجاحا إلى حد الاستنزاف كاللعب على الملابس الغريبة التي ترتديها مربوحة للكبير قبل النوم. وكذلك لجوء المسلسل لبعض الأفكار القديمة المستهلكة مثل فكرة توظيف الأموال التي تم استخدامها في بعض الحلقات.

صعود وهبوط «مكتوب عليا»

كنت من أشد المعجبين بالبداية القوية التي بدأها مسلسل «مكتوب عليا» بطولة أكرم حسني وآيتن عامر، من إخراج خالد الحلفاوي، وتأليف إيهاب بليبل، من خلال فكرة كانت مبشرة جدا وتنبئ عن كوميديا طازجة ومختلفة عن شاب اسمه جلال (أكرم حسني) يستيقظ من النوم ذات صباح ليجد كل ما سيحدث له خلال النهار مكتوبا على ذراعه، فتتحول أيامه إلى سلسلة من المواقف الكوميدية.

الفكرة الجديدة والمواقف الكوميدية التي لا تعتمد على «الإيفيه» المباشر كانت سبباً رئيسيا في نجاح المسلسل، وتعويض أكرم حسني عن الفشل الذي صاحب آخر مسلسلاته «رجالة البيت» الذي قدمه قبل عامين بمشاركة أحمد فهمي، حيث يبدو أنه استفاد كثيرا من هذا الفشل ودرس أسبابه جيدا وكان من أهمها الاستسهال في الفكرة وعدم الاهتمام ببناء المواقف الكوميدية، رغم المجهود الكبير الذي يقوم به أكرم نفسه، حتى في «رجالة البيت» الذي قدم من خلاله 10 أغنيات، وهي موهبة كبيرة أخرى إضافية يبدع فيها أكرم حسني.

السبب الثاني في نجاح المسلسل في حلقاته الأولى كان ضمه في بطولته لبعض النجوم القادمين من عالم السوشيال ميديا مثل هلا رشدى فى دور شقيقة جلجل فى أول تجربة تمثيلية لها، والبلوجر الساخر محمود السيسى فى دور سيد صديق البطل. والاثنان قَدِما بعشرات الآلاف من متابعيهم إلى عالم الدراما التليفزيونية.

ولكن وعلى الرغم من هذه البداية القوية لـ«مكتوب عليا» بدأ المسلسل يفقد بريقه بالنسبة لي، فيبدو أن طزاجة الفكرة لم تستطع أن تحافظ على قوة الدفع التي أعطتها المسلسل أكثر من الحلقات الأولى وحتى نصف الشهر تقريبا.

وفي رأيي أن مشاركة نجوم السوشيال ميديا كذلك كانت سلاحا ذا حدين، فجمهور السوشيال ميديا الذي ساهم في زيادة نسبة الإقبال على المسلسل لمشاهدة نجومه المفضلين، ليس هو الجمهور صاحب النفس الطويل الذي يستمر في متابعة مسلسل حتى لو كان يشارك فيه بعض نجومه المفضلين. كما أن كثيرا من جمهور الدراما من غير المتابعين لعالم السوشيال الميديا لم يتقبل هؤلاء النجوم الجدد، ورأوا فيهم اصطناعا وثقل دم وعدم قدرة على التمثيل، وخصوصا عند شبيهة حنان ترك الشهيرة بهلا رشدي، وأنا من هؤلاء.

الكوميديا الاجتماعية

وبجانب المسلسلان السابقان اللذان يقدمان الكوميديا المباشرة تواجدت في هذا الموسم الرمضاني أعمال أخرى يمكن إدراجها تحت تصنيف الكوميديا الاجتماعية أو المسلسلات الاجتماعية التي تدور في إطار كوميدي، مثل «دايما عامر» لمصطفى شعبان، و«أحلام سعيدة» ليسرا، و«رانيا وسكينة» لروبي ومي عمر، و«شغل في العالي» لفيفي عبده وشيرين رضا، وهناك كذلك عمل كوميدي موجه بالأخص للأطفال وهو «في بيتنا روبوت 2» لهشام جمال وشيماء سيف.

مسلسل «أحلام سعيدة» من تأليف المخرجة هالة خليل مع ورشة كتابة، وكان من المقرر أن تقوم بتأليف وإخراج المسلسل، ولكن بسبب ضيق الوقت قررت أن تعتذر عن الإخراج مقابل استمرارها في العمل على السيناريو، وتركت مهمة الإخراج للمخرج عمرو عرفة. وكما قلت عن هذا المسلسل في مقالي السابق فإنه مسلسل نسائي بامتياز، حيث يشارك في بطولته كل من غادة عادل ومي كساب وانتصار وشيماء سيف، كما أن موضوعه ذاته نسائي جدا كما تقول عنه مؤلفته المخرجة هالة خليل، التي أكدت كذلك أن 90% أو أكثر من العلاقات والشخصيات في المسلسل موجودة في الحقيقة وتعرفهم بشكل شخصي، واعتبرت أن ذلك كان دافعا للكتابة بالنسبة لها لأنه تحب ترجمة الحياة في أعمال طوال الوقت، وهو ما يظهر جليا كذلك في أعمالها السابقة. هالة التي رفضت تصنيف مسلسلها كعمل كوميدي، أوضحت في تصريحات صحفية سابقة إنه دراما إنسانية خفيفة، حيث قررت تقديم الأزمات الكبيرة لشخصيات العمل بطريقة خفيفة، لأنها ترى أن الجمهور الآن لا يستطيع تحمل أحداث درامية جادة أو ثقيلة.

المسلسل تقوم فيه يسرا بدور فريدة توفيق الحمامصي، الأرستقراطية المتعالية التي تفقد بصرها بعد حادث سيارة، وتشك في أن أخاها صالح يحاول قتلها، وتلتحق بمجموعة علاج نفسي بعد شهر تضم ليلى (مي كساب) وشيرين (غادة عادل) لتبدأ صداقة بينهم تثري المسلسل بالعديد من الأحداث الاجتماعية والكوميدية الطريفة جدا، والمقنعة دراميا، ليستحق معها المسلسل النجاح الذي يحققه حتى النصف الأخير من رمضان.

وبالطريقة نفسها في معالجة الأحداث في إطار كوميدي يقتحم مصطفى شعبان عالم التعليم ومشاكله المتعددة من خلال مسلسله «دايما عامر»، من إخراج مجدي الهواري، ومن تأليف مايكل عادل وأيمن سليم، بمشاركة لبلبة وعمرو عبد الجليل ومحمد ثروت ونضال الشافعي ومحمد محمود وغيرهم، من إخراج مجدي الهواري، ومن تأليف مايكل عادل وأيمن سليم.

الإطار الكوميدي كذلك حكم مسلسل «رانيا وسكينة» لروبي ومي عمر، حيث يتم اتهام الفتاة المدللة رانيا السنهوري بقتل والدها الثري، فتنقلب حياتها رأساً على عقب، وحين تجد في طريقها الفتاة المكافحة سكينة التي تواجه هي الأخرى أخطارا لم تكن في الحسبان تتحد الفتاتان معاً لمواجهة سلسلة من المغامرات والخروج من أزمتهما. والمسلسل من تأليف محمد صلاح العزب ومن إخراج شيرين عادل.

وبطريقة مشابهة وعن التناقضات ما بين السيدة الراقية والأخرى الشعبية تدور أحداث مسلسل «شغل في العالي» الذي يجمع بين فيفي عبده وشيرين رضا، اللتين تقدمان شخصيتي جليلة وشرويت المختلفتين اللتين يجمعهما حظهما العثر وزيجاتهما الفاشلة فتصيران صديقتين، وتلجآن لتكوين عصابة ﻷخذ ثأرهما من الرجال. وهو من تأليف حسين مصطفى محرم وإخراج مرقس عادل.

كوميديا الأطفال

وأخيرا يتبقى مسلسل «في بيتنا روبوت 2»، وهو العمل الوحيد تقريبا الذي يضع الأطفال نصب عينيه كجمهور رئيسي بعد نجاحه في ذلك في الجزء الأول، ونتابع في هذا الجزء قصة مهندس البرمجيات يوسف الذي طور نموذجين من البشر الآليين، وهما زومبا ولذيذ، ليقوما بمساعدته في شركته ومساعدة زوجته سارة في الأعمال المنزلية. والمسلسل من تأليف عمرو وهبة ومحمد المحمدي ومن إخراج أسامة عرابي، ويشارك في البطولة هشام جمال وشيماء سيف وعمرو وهبة وليلى أحمد زاهر وسليمان عيد ودنيا ماهر وغيرهم.

وبالطبع كان نجاح الجزء الأول من المسسل وخصوصا في أوساط الأطفال السبب الرئيسي في تنفيذ جزء ثان منه، حيث ارتبط الأطفال بشخصيتي الروبورتين زومبا ولذيذ اللذين يمتلكان شخصيتين متناقضتين، فزومبا بطيئة الفهم والحركة، بينما لذيذ رشيق وشديد الذكاء.

خاص مجلة قنآص

زين العابدين خيري؛ صحفي وناقد فني وسيناريست مصري، رئيس تحرير جريدة القاهرة الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية. بدأ العمل الصحفي في مؤسسة الأهرام المصرية منذ ثلاثين عاما، ويكتب في النقد الفني في عدد من المجلات والصحف المصرية والعربية، عضو في جمعية نقاد السينما المصريين، والجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، وعضو في لجنة اختيار الفيلم المصري المشارك في مسابقة الأوسكار، كما يكتب قصص الأطفال المصورة، بجانب كتابة السيناريو والحوار لعدد من الأعمال الفنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى