ذكرى ميلاد.. صانع البهجة وساحر السينما المصرية | شيرين ماهر

الصورة: الفنان الراحل محمود عبد العزيز

90  فيلماً أهمها “العار”، “الكيت كات”، “الساحر”، و”الكيف”

“للموت أنفاس خفيفة زي النسمة، مايحسهاش إلا المقصود. تحِس بهوا نضيف داخل صدرك ملوش مصدر، بيروحَك من الحِتة اللى أنت فيها. تبقى شايف الناس والناس شيفاك، لكن لا تقدر تكلمهم ولا تقدر تقولهم إبعدوه. كل اللى تقدر تعمله إنك تصاحبه.. تطاوعه”.. أحد أبرز عبارات الفنان الراحل “محمود عبد العزيز” التى علقت بأذهان محبيه وعشاق فنه وكان لها وقع شديد التأثير تزامناً مع رحيله.. يوم 4 يونيو تحل ذكرى ميلاد ساحر السينما المصرية، الذي جمع توليفة شديدة الخصوصية من الكوميديا والشجن على حد سواء.. ولو استغرقنا فى عبارة الفنان الراحل ستصيبنا بالقشعريرة. سيبدو وكأنه قد اِلتقى الموت من قبل، واستطاع أن يُفلسِف علاقته الطارئة بالانسان، وكأنها علاقة عابرة رغم كونها العلاقة الوحيدة المؤكدة فى الحياة .. فهو لقاء مُنفرِد لا وسيط به.. لقاء خجول يأتى مُتخفياً وعلى استحياء كما وصفه الفنان الراحل فى أحد مشاهد مسلسل “جبل الحلال”، أخر أعماله التليفزيونية، فقد اعتاد مشاهديه على الاحتفاظ بباقته الذهبية من الجمل والعبارات الحوارية الارتجالية التى لا تُغادِر الوجدان وتدفع إلى التأمُل لفترات طويلة.

على الرغم من عدم دراسة الفنان “محمود عبد العزيز” الفن والتمثيل بصورة أكاديمية، إلا أنه كان يمارسه بالفطرة وكانت بوصلته فى الانتقاء تعتمد على إحساسه وانجذابه للشخصية التى سيلعبها، لذا  لم تكن أدواره وأعماله سوى بصمات للتجربة المصقولة التى تركها محفورة بوجدان مُحبيه، فاستطاع أن يجوب كل الساحات ويتعرض لأهم المشكلات ولكن بطريقة السهل الممتنع، فلا يستطيع أحد  أن ينافسه فيها سواه.. ومن أهم مقومات نجاح الفنان الراحل اهتمامه شديد الذكاء بلغة الجسد والتواصل البصرى، فعلى الرغم من حالة السعادة التى اقترنت بظهوره على الشاشات وإطلالة عينيه المُبهجِة، إلا أن بريق الدموع كثيراً ما كان يسكنها ويُعلِن استعداده  للسطوع والتواصل العميق مع مَن حوله، فكانت لديه القدرة أن يُسقِطك أرضاً ضاحكاً من القلب.. وكذلك يتسلل إليك ويصطحبك بهدوء واستيعاب إلى ركن الهموم المشتركة فى جلسة بوح تُفرِج عنك الكثير ..فهو موهوب بدرجة فيلسوف.. مُتدفِق بدرجة حَكْاء .. وتلقائى بدرجة  شاعر !

محطات في مشواره الفني

ولد الفنان “محمود عبد العزيز” في الرابع من يونيو عام 1946 فى مدينة الأسكندرية بحي “الورديان”، وكان ينتمى لأسرة من الطبقة المتوسطة. تخرج من كلية الزراعة جامعة الاسكندرية عام 1966، ثم حصل على درجة الماجستير فى تخصص “تربية النحل”، إلا أن موهبتة الفنية كانت بازغة منذ الطفولة، حيث حرص على الاشتراك الدائم فى العروض التمثيلية المدرسية، ثم بدأ يمارس هوايته على نطاق أوسع بالانضمام إلى الفريق المسرحى بكلية الزراعة. وبدأ حياته الفنية في التليفزيون عندما اشترك مع “محمود ياسين ونيللي” في مسلسل “الدوامة” من إخراج نور الدمرداش.. وكانت أول بطولة مُطلقة تُسنَد إليه فى فيلم  “حتى آخر العمر”، الذى جسد فيه شخصية طيار بالقوات الجوية، وبعدها توالت نجاحاته كـ ” فتى أول” وقدم العديد من الأفلام الرومانسية في فتره السبعينيات، من بينها “مع حبي وأشواقي”، “كفاني يا قلب”، “الحفيد ” و “البنات عايزة أيه” .

بلغ رصيده السينمائى ما يقرب من 90 فيلماً، أهمها “العار”، “الكيت كات”، “الساحر”، “الكيف” وكان الملمح الأكثر وضوحاً فى رؤيته الفنية هو الحرص على تنوع أدواره، فقام بدور الأب في فيلمى “العذراء والشعر الأبيض” و “تزوير في أوراق رسمية “، كذلك قام بدور “الجاسوس” في فيلم “إعدام ميت”.

وعلى الرغم من قلة أعماله الدرامية، إلا أنه اعتاد عندما يقترب من مشاهديه آلا يترك بصمته تزول، بل يتركها تتمدد كالعطر الفواح فى الذاكرة، فلا أحد يمكنه نسيان “ديفيد شارل سمحون” في مسلسل “رأفت الهجان” الذى حقق نجاحاً هائلاً بأجزائه الثلاثة. وكذلك مسلسل “محمود المصري” و “جبل الحلال”.

أعمال لا تُنسى في جعبة الساحر

لقد نال الفنان الكبير خلال مشواره الفني العديد من الجوائز والأوسمة من مختلف المهرجانات الدولية والمحلية حيث حصل علي جائزة أحسن ممثل من مهرجان دمشق السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي عن فيلم “الكيت كات” وجائزة أحسن ممثل من مهرجان زنزبار الدولي عن فيلم “القبطان”، كما حصل علي جائزة أحسن ممثل من مهرجان مسقط عن فيلم “الساحر”، وجائزة أحسن ممثل من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن فيلم “سوق المتعة”.

“رأفت الهجان”..  ملحمة عشق الوطن 

لم يكن مسلسل “رأفت الهجان” مجرد سرد لقصة أحد رجال مصر المخلصين من واقع  ملفات المخابرات المصرية ، لكنه وصف حالة موازية من الوطنية الجارفة التى تجلت فى إندماج الفنان القدير “محمود عبد العزيز” لدرجة كادت تقترب من التقمص الشديد.. حتى تُشعِرك بتلك الإزدواجية النابعة من صدقه البالغ فى الأداء،  وتظنه ذاك الرجل بالفعل.

وارتبط  اسم الفنان “محمود عبد العزيز” بـ “رأفت الهجان” ، فكان البعض  يناديه به لا باسمه، إذ استطاع بأدائه الاستثنائى أن يُسَرِب حالة من الانفعال الشديد إلى المشاهدين، خاصة فى المشاهد التى جمعته برجال المخابرات الذين تتابعوا للقيام بمهمة  تدريبه، وكيف برع فى تجسيد حاله اليُتم التى كانت تصيبه عند انتهاء فترة أي منهم لدواعي النقل .. لخص ببساطة وقوة “حالة الاقتران الشرطي” التى يمكن أن تتولد فى أعماق عميل مزدوج، يربُط بين اشتياقه لأرض الوطن وبين أحد رجاله المخلصين، باعتباره همزة الوصل الوحيدة فى حياته المصطنعة.. وكأنها حالة متوالية من اللقاء والفراق التى لها دلالتها فى حياة رجل يضع أقداره فى مهب الرياح عشقاً لوطنه فحسب..!!

“العار”..  صراع الضمير ونفق الجنون

استطاع أن يتقمص بجدارة أبعاد الصراع النفسى الذى عصف بالشخصية وهدد صحته النفسية حتى زَج  به إلى نفق التوتر والاضطراب العصبى، والجميع يتذكر المشهد الأخير الذى أداه ببراعة مطلقة، حين انخرط فى نوبة ضحك هستيرى، تُعلن عن خسارته أخر جولاته مع عقله المنهك وضميره المكبل وخضوعه الاضطراري…

كان لهذا الفيلم تأثيراً واضحاً فى مشوار الفنان “محمود عبد العزيز” الفنى، إذ حقق نجاحاً كبيراً، حيث برع فى تجسيد شخصية دكتور عادل “الطبيب النفسى”، الذى يكتشف فجأة بعد موت أبيه كونه ابناً لتاجر مخدرات، الأمر الذى يضعه على المحك فى صراع بين متطلبات الحياة والمستوى الاجتماعى الذى اعتاد عليه وبين رسالته المهنية كطبيب نفسى، منوط به التعامل مع المدمنين ومحاولة تأهيلهم نفسياً لمواجهة المجتمع والتخلص من هذه اللعنة .

استطاع أن يتقمص بجدارة أبعاد الصراع النفسى الذى عصف بالشخصية وهدد صحته النفسية حتى زَج  به إلى نفق التوتر والاضطراب العصبى، بعد أن  أخفق فى اقناع اخويه في التَخفُف من لعنة المال الدنِس ومحاولة ايجاد سبيل للتعامل مع واقع حياتهم بعد معرفة الحقيقة .. لكن لعنة المال كانت لها الغلبة، فأذهبت الأخضر واليابس والجميع يتذكر المشهد الأخير الذى أداه ببراعة مطلقة، حين انخرط فى نوبة ضحك هستيرى، تُعلن عن خسارته أخر جولاته مع عقله المنهك وضميرة المكبل وخضوعه الاضطراري.

“الكيت كات” .. و عالم البصيرة

كانت روح الفنان الجميل “سيد مكاوي” تحوم حول العمل، وتُلهم الفنان “محمود عبد العزيز” لإحكام قبضته على تفاصيل حركة الوجه وابتهاج نبرة الصوت .. وكذلك أدائه العفوي الجميل لأغنية “يالا بينا تعالوا.. نسيب الكون فى حاله” كلمات سيد حجاب وألحان سيد مكاوي، كان لهذه الأغنية ركناً هاماً فى الفيلم، حيث نجحت فى تلخيص فلسفة هذا الرجل الضرير، لكنه البصير، الذى  يمتطى دائماً حصان خياله ويترك جلبة التفاصيل للمبصرين .

حالة من الولع والبهجة تتولد داخل النفوس كلما تذكرنا شخصية “الشيخ حسنى” فى فيلم “الكيت كات”، الذى يُعد نقلة فنية كبيرة فى حياة الفنان “محمود عبد العزيز”، حيث قام بتجسيد شيئ أبعد كثيراً من حدود النص المكتوب، ونجح فى النفاذ إلى عالم المكفوفين ووضع يديه على تلك البصيرة التى يمنحها الله إلى هؤلاء عوضاً على النعمة المفقودة، فلم أر بحق كفيفاً عابساً أو تائهاً متخبطا، جميعهم يتعاملون بمنطق المساواة وعلى يقين من المقابل الذي لديهم وليس لدى الأخرين من المبصرين.

“جرى الوحوش”… مقامرة مع المستقبل

يُعالج الفيلم مشكلة الانسان مع أقداره ولهثه المستمر خلف النعمة التى يظنها ناقصة فى حياته، فلا يعلم قيمة ما لديه إلا بعد زواله…

من الافلام ذات المضمون الصعب والمركز، لكنه بخفة ظل الفنان الراحل وموهبته المتدفقة، قدمه فى إطار كوميدى مُحَبب، حيث اِرتجل كما العادة عباراته الذكية ووزعها داخل النص الحوارى، بما ساعد على بقاءها فى ذاكرة المشاهد … والفيلم يعالج مشكلة العبد مع أقداره ولهثه المستمر خلف النعمة التى يظنها ناقصة فى حياته، فلا يعلم قيمة ما لديه إلا بعد زواله .. فلا أحد ينسى المشهد الأخير لـ “عبد القوى شديد” الرجل البسيط الذى باع جزء من جسده مقابل المال، وبعد أن فقد مع هذا الجزء المُباع، روحه الشغوفة بالحياة واستمتاعه الفطري بها، راح يبحث عن شبيه له يُسعد مثله بالصفقة، كى يُعيد له ما أضاعه بيده، لكن ما مِن أحد أجابه، وانطلق مجذوباً هائماً على وجهه فى الطرقات، ينعى سذاجته أو بالأحرى مقامرته الطائشة مع المستقبل.

أكذوبة النشوة الزائفة: “المزجنجي.. قاموس النشوة وقت غياب العقل وغفوة الوعي”

حين نذكر اسم الفنان محمود عبد العزيز، يتقاذف مباشرة إلى أذهاننا فيلم “الكيف” وشخصية “مزجنجى” التى انفرد بأدائها بشكل غير مسبوق، حيث تناول الفيلم قضية تعاطى المخدرات.

 

اهتم الفنان القدير محمود عبد العزيز بخلق قاموس لغوى عجيب يُعبِر عما قد يَنجُم لحظة اختلاط المخدر بوعى المُتعاطي، كذلك أدائه لمجموعة من الاغنيات الهابطة التى تم توظيفها داخل البناء الدرامي للفيلم لتسليط الضوء على حالة تدني المنتج الغنائي آنذاك ورصدت حجم الهبوط فى الذوق العام، حيث كانت تتواجد هذه النوعية الغنائية فى الأسواق، فتبدو بالفعل وكأنها نتاج طبيعي لتزاوج كيمياء المُخدر وعقول المُتعاطين، فيخرج إلينا مثل هذا الابتذال والإسفاف. ولم يكن الفنان محمود عبد العزيز يتعمد الغناء فى أفلامه، بل كان لديه ملًكة الآداء المُحبَب غير المُنفِر والذي كان يتم توظيفه لخدمة العمل فى الأساس.

إبراهيم الأبيض” .. وكواليس العشوائيات

“عبد الملك زرزور”… تلك الشخصية الُمركبَة، التى أطل علينا بها الفنان الراحل فى فيلم “إبراهيم الأبيض”، حيث بدا شخصاً آخراً لا نعرفه من قبل.. نبرة صوته الأجشة والمكياج المفزع الذى يليق بأجواء تلك العوالم العشوائية المظلمة، وما يدور بكواليسها من حرب شواراع وما يتطلبه ذلك المسرح الصاخب من سيادة شخصية إجرامية تهيمن على جنوحه، إذ يمكنها الغدر بالأحباء قبل الأعداء من أجل البقاء .

لم يكن الفنان محمود عبد العزيز النجم الأول للفيلم، بل شاركة أحمد السقا، هند صبرى وعمرو واكد، لكنه وبحق ترك بصمة غير عادية على مشاهديه، وأمكنه الحفاظ على شعرة معاوية من خلال التعامل الحكيم مع أبعاد الشخصية، وعلى الرغم من أن الشخصية التى يلعبها شخصية شريرة وتبدو كريهة، لكنه أضاف لمساته الخاصة، واستطاع أن يظهر بعض اللحظات الانسانية لشخصية كهذه، فكان يُطبِق قانوناً يساعده فى الهيمنة على كل هذا العنف والجنون، ألا وهو (لن أبادر بإيذائك، ولكن لو تجرأت بالإيذاء لا تلومن إلا نفسك”

وأخيراً .. لا يسعنا سوى أن نقول “عفواً أيها القانون الدنيوى، فالفراق فاتورة واجبة السداد، ولكننا سنظل نتذكرك حتى أخر العمر”، ونحلق فى دنيا إبداعك “على جناج يمامة”.. ونشدو مع “الشيخ حسني” برائعة حجاب ومكاوي، كى نحتفظ بنفحات زمن الفن الجميل على إيقاع أدائك الذي لن يتكرر.

شيرين ماهر؛ مترجمة ومحررة صحفية من مصر

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى