عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

رحيل خافيير مارياس.. أبرز روائي في إسبانيا | خلف أحمد

غيّب الموت الروائي الإسباني خافيير مارياس عن عمر ناهز ال (70 عاماً)، وصفه البعض بأنه واحد من أكثر الروائيين الأوروبيين إبداعاً، وعندما تم اختياره عضواً في الأكاديمية الملكية الإسبانية عام 2006م، قال كلمته “إن أجمل رواياته تلك التي عجز عن كتابتها، وأجمل ما في الكتابة هو الضياع، عندما يفقد الروائي خارطة الطريق”، عده الروائي الإسباني “إدواردو ميندوزا” أفضل كاتب في إسبانيا، وبأنه الكاتب الذي وصف الشخصيات الإنسانية كأفضل ما يكون”، ولد خافيير مارياس في 20 سبتمبر من عام 1951م، في حي شامبيري في العاصمة مدريد، هذا الحي الذي ظل متعلقاً به، وأورد ذكره في العديد من أعماله الروائية بعد ذلك، درس الفلسفة والأدب في جامعة كومبلوتنس بمدريد، قبل أن يذهب لتدريس الأدب الإسباني في جامعات أكسفورد والبندقية، وكلية ويلسلي بولاية ماساشوستس الأمريكية، اشتهر خافيير مارياس، في الأوساط الأدبية العالمية، بأنه صاحب أسلوب خاص، خلق له عالماً من التميز، لم يحظ به سواه فكتاباته كانت تحمل بصمته الخاصة وتوقيعه الأثير، إذ يستطيع القارئ تميز حرفه على الفور، عبر عن سمات هذا الأسلوب الناقد الأدبي لصحيفة الأندبندنت البريطانية بقوله “من لا يقرأ مارياس محكوم عليه بالفناء، عقله عميق جاد ومزعج أحياناً ومرح أحياناً وذكي دائماً”.

عندما تم اختياره عضواً في الأكاديمية الملكية الإسبانية عام 2006م، قال كلمته «إن أجمل رواياته تلك التي عجز عن كتابتها، وأجمل ما في الكتابة هو الضياع، عندما يفقد الروائي خارطة الطريق».

رواية “أوكسفورد” | دار نوفل

كان خافيير مارياس يرى أن كتابة الروايات تتيح للروائي، أن يقضي كثيراً من وقته في عالم خيالي، وهذا في الحقيقة على حد تعبيره، المكان الوحيد الذي يمكن احتمال الوجود فيه بالنسبة له، فقد كان من الكتاب والروائيين الذين يرون أنه من الأسباب التي تدعونا لكتابة الروايات وقراءتها، أننا نحتاج على نحو ما شيئاً نرويه مرة واحدة بشكل جيد وإلى الأبد، حتى ولو كان ذلك الشيء من صنع الخيال، ولم يحدث على أرض الواقع، وكان يرى أنه يجب على الروائي، أن يقوم بسرد حكايات لم تحدث مستخدماً أسلوبه الخيالي، سخر من الذين يطالبون الروائي بالكتابة عن الواقع، فهو يرى أن مثل هذه الكتابة تحول الأدب إلى وثائق وتاريخ ونوع من أنواع الصحافة، ذلك لأن مفهوم الروائي الحقيقي عنده لا يسعى إلى عكس الواقع، وأنما الكتابة عن اللاواقع، ومن هنا حمل الفن الروائي عنده، ما أطلق عليه “فعل الاكتشاف” أثناء ممارسة الكتابة، والتي عبر عن ذلك بقوله في أحدى الحوارات التي أجريت معه قبل رحيله “عادة ما أشرع في الكتابة وفي يدي بوصلة لا خارطة طريق، مجرد بوصلة، فأتجه شمالاً، حيث تقودني بشكل أو بأخر، يكون لدي علم يوجهني، لكني لا أعرف الطريق أطلاقاً، بل حتى أنني لا أعرف هل سيقودني مؤشر البوصلة إلى صحراء في منتصف الرواية، أم إلى منحدر صخري أم إلى نهر أم غابة، ويجب علي تجاوز كل ذلك حينما وجدته، بينما الكاتب الذي يضع أمامه خارطة طريق يكون على دراية مسبقة بأنه سيواجه صحراء أو جرفاً صخرياً أو غابة فهو يعرف ذلك مسبقاً متى وكيف” ومن هذا المنطلق خلق خافيير مارياس أسلوبه الروائي الخاص، الذي لم يخضعه للمعايير التقليدية في السرد الروائي، بل عد من المجددين في الشكل الروائي، بداية بروايته الأولى “مجال الذئب” عام 1971م، ثم تأكيد هذه السمة المبتكرة في رواية “عبور الأفق” عام 1972م، حتى جاءت روايته “قلب أبيض جداً”، التي حققت نجاحاً كبيراً، ونالت إعجاب النقاد، ووضعت اسمه كواحد من أبرز كتاب الرواية في إسبانيا، هذه الرواية التي انشغل خلالها بأزمة الإنسان المعاصر في ظل واقع يفقد شيئاً فشيئاً كل عناصر الإنسانية.

رواية “قلب أبيض جداً” حققت نجاحاً كبيراً، ونالت إعجاب النقاد، ووضعت اسمه كواحد من أبرز كتاب الرواية في إسبانيا، هذه الرواية التي انشغل خلالها بأزمة الإنسان المعاصر في ظل واقع يفقد شيئاً فشيئاً كل عناصر الإنسانية.

رواية “قلب أبيض جداً” | منشورات المتوسط

توالت أعماله الروائية والتي نذكر منها أيضاً رواية “أوكسفورد” التي صدرت عام 1989م، وتناول فيها تجربته كأستاذ في جامعة أكسفورد، ورواية “فكر غداً أثناء المعركة” التي صدرت عام 1994م، والتي حصدت خمس جوائز، وجاء عنوانها مستلهماً من إحدى حوارات مسرحية شكسبير “ريتشارد الثالث”، ثم ثلاثية “وجهك غدا” التي صدرت بين عامي 2002م، و2007م، ثم رواية “غراميات”، التي أثارت ضجة في عام 2012م، عندما رفض خافيير مارياس، جائزة الرواية الوطنية الإسبانية، وتعد هذه الرواية واحدة من أهم رواياته، حيث جمع فيها بين الجريمة والتحقيق الأدبي، وطرح خلالها أسئلة وجودية كثيرة حول الحياة والموت والوجود، وذلك من خلال قصة حب رهيفة وغريبة تنشأ بين بطل الرواية والراوية، التي تحكي حياته بعد وفاته، حيث يكشف خلالها وجهاً فريداً من وجوه التجربة الإنسانية، التي تمزج بين المتناقضات ببساطة، ويمكن أن تجمع بين الأعمال النبيلة والدنيئة في الوقت نفسه، أما أخر أعماله الروائية فكانت رواية “توماس نيفينسون” التي صدرت عام 2021م.

تعدّ رواية “غراميات” واحدة من أهم رواياته، حيث جمع فيها بين الجريمة والتحقيق الأدبي، وطرح خلالها أسئلة وجودية كثيرة حول الحياة والموت والوجود

رواية “غراميات” | دار التنوير

مما لا شك فيه أن أشهر أعمال خافيير مارياس هي عمله كروائي، من خلال رواياته التي بلغت 16 رواية وشكلت علامة بارزة في مسيرة الرواية الإسبانية المعاصرة، ومع ذلك لا يمكن التغاضي عن ترجماته للأعمال الأدبية العالمية قبل كتاباته الروائية، فقد قام بترجمة أعمال لكل من أوبديك وهاري وكونراد ونابوكوف وشكسبير وفوكنر وكيبلينغ وجيمس وستيفنسون وبراون وغيرهم من الأسماء، التي اشتغل عليها، وتأثر بها قبل أن يخلق أسلوبه الروائي الخاص به،

هذ إلى جانب نشره ثلاث مجموعات قصصية، تأتي في مقدمتها مجموعة “حياة وموت لوس دومينيوس دل لوبو”، التي كتبها قبل ان يكمل العشرين من عمره، وقبل أن يبرز اسمه في عالم الرواية، وكتاب “حيوات متخيلة”، وهو كتاب شائق رسم فيه بورتريهات متخيلة لسير عدد من الروائيين والروائيات العالميين، وكم هائل من المقالات التي كتبها في صحيفة “الباييس” اليومية، وقد ترجمت أعماله الروائية، إلى أكثر من 46 لغة في نحو 60 دولة، حيث بيع منها قرابة 9 ملايين نسخة، كما ترجمت بعض أعماله إلى العربية، نذكر منها “فكر في غداً أثناء المعركة”، “أكسفورد”، “قلب أبيض جداً”، و”غراميات”.

رواية “فكر غداً أثناء المعركة” حصدت خمس جوائز، وجاء عنوانها مستلهماً من إحدى حوارات مسرحية شكسبير “ريتشارد الثالث”.

رواية “فكّر فيّ غداً أثناء المعركة” | منشورات المتوسط

طوال هذه المسيرة الإبداعية الحاشدة لخافيير مارياس، والتي تربو على  الأربعين عاماً، حصل على العديد من الجوائز الأدبية، منها الجائزة الإسبانية الوطنية للترجمة، عن ترجمته لرواية ستيرن “تريسترام شاندي” عام 1979م، وجائزة رومولوغاليغوس الفنزويلية عام 1994، وجائزة دبلن الأدبية الدولية عام 1997م ، وجائزة نونينو الدولية عام 2011، وجائزة الدولة النمساوية للأدب الأوروبي عام 2011، كما أنتخب لرئاسة الأكاديمية الملكية الإسبانية، وهي أرفع هيئة أدبية لغوية في إسبانيا، ومن خلال تقلده لهذا المنصب، أصدر الكثير من الآراء النقدية بخصوص تدني مستوى الأعمال الأدبية في ذلك الوقت، كما قلدته فرنسا وسام الفنون والآداب، وتم اختياره العالم الماضي لزمالة الجمعية الملكية للآداب البريطانية باعتباره كاتباً عالمياً، كما ظل مرشح إسبانيا الأبرز للفوز بجائزة نوبل للآداب، منذ أن حظي بها الأديب كاميليو خوسيه ثيلاً عام 1989م، إلا أن الموت قد غيبه في 11 من شهر سبتمبر قبل أن ينال هذا الشرف، كما عبر رئيس الوزراء الإسباني “بيدوسانشيز” عن حزنه العميق لوفاته قائلاً: “أنه يوم حزين للأدب الإسباني، لقد غادر علمنا خافيير مارياس، أحد أعظم الكتاب في عصرنا، ستكون مجموعة أعماله الضخمة والمفيدة موهبة أساسية للأدب الإسباني”.

خاص قناص

خلف أحمد محمود أبوزيد: كاتب وباحث مصري | alshariqa-althaqafiya.ae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى